كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الفلسطينيون بين المبالغة في جلد الذات والمبالغة في تضخيمها

الفلسطينيون بين المبالغة في جلد الذات والمبالغة في تضخيمها

تاريخ النشر: 2016-02-04 | 11:23

الخطاب السياسي الفلسطيني ينزلق في كثير من الأحايين إلى إحدى المثلبتين : الأولى النقد والنقد الذاتي بلا حدود أو قيود ، في تجاهل للوجه الإيجابي من المشهد السياسي وللإنجازات التي سطرها الشعب بصبره ومقاومته ، والثانية تضخيم الذات أو (الانجازات) السياسية أو العسكرية لدرجة عدم رؤية وفهم الواقع وعدم تقدير العواقب . ما بين هاتين المثلبتين يناضلون مثقفون من مشارب متعددة للترويج لخطاب نقدي بناء يقاوم الرداءة في الفكر والواقع .

انزلاق الخطاب السياسي لهاتين المثلبتين يعود لأسباب ثقافية خاصة بطبيعة الشعب الفلسطيني، وسياسية خاصة بواقع الاحتلال و الشتات بما أفرز من (إيجابيات) غير مقصودة كغياب سلطة فلسطينية للكل الفلسطيني تمارس دور الرقابة والضبط والمحاسبة لكل الأفعال والأقوال ، ثم في مرحلة لاحقة بسبب الانقسام الذي غَيَّب المرجعية الواحدة حتى في نطاق الضفة وغزة وأتاح للبعض ليتصرف في المؤسسة التي يديرها دون خوف من محاسبة أو عقاب .

قبل نقد هذا الخطاب لا بد من الإشارة إلى أن لهذا الخطاب مَن يدافع عنه ويرى فيه بعض الإيجابيات ، من منطلق أن له مبررا وأساسا ويتغذى من حالة سياسية مأزومة: حالة الاحتلال والشتات ، حالة السلطة الوطنية ، حالة الأحزاب خارج السلطة ، حالة مؤسسات المجتمع المدني وحالة الانقسام . فنقد الذاتي يساعد على إصلاح المسيرة النضالية، كما أن تضخيم الذات والإنجازات في بعض المنعطفات الحرجة قد يساعد على رفع الروح المعنوية داخليا وإخافة العدو خارجيا ، كما أن كثيرا من أوجه النقد التي يمارسها سياسيون ومثقفون ،سواء كان نقد الخصم السياسي الوطني أو نقد الذات حتى داخل الحزب أو المؤسسة، يمكن إدراجها كممارسة حق من الحقوق الديمقراطية أو كحالة وعي ونضج سياسي يتمتع به الفلسطينيون ، كما يلعب دورا في التثقيف السياسي وفي كبح جماح بعض الممارسات السلطوية والحزبية وفي ردع الفاسدين، حتى وإن دفع ممارسوا هذا النقد ثمنا ، وبعضهم كانت حياته هي الثمن .

من المعروف أن المبالغة في نقد الذات وجلدها تؤدي لحالة مرضية تسمى عند علماء النفس والاجتماع بـ المازوشية أو الفتشية وقد يتحول النقد لسلوك هادم للذات ، المقابل لذلك هو المبالغة في تضخيم الذات وقد يتطور الأمر هنا أيضا إلى شكل من البارانويا وتَوهّم عظمة . ولكن نحن هنا لا نتحدث عن سلوكيات فردية لمثقفين وكُتَاب موجودة في كل المجتمعات ، بل عن ظاهرة تَسم الخطاب السياسي العام وخصوصا الحزبي ، حيث إن انتشار هذا السلوك ومنطق التفكير ، بحدية المتناقضين ، في الخطاب السياسي يؤدي إلى إنتاج (فتشية جماعية) أو (بارانويا جماعية ) .

لا شك أن المفاعيل الإيجابية للنقد والنقد الذاتي تكون أكثر حضورا لو كانت في جو سياسي وثقافي سليم وفي إطار إستراتيجية إعلامية أو وجود حد أدنى من التوافق على الثوابت والمرجعيات الوطنية وخطوط حمر لا يجوز تجاوزها . النقد والنقد الذاتي ينتميان لثقافة الديمقراطية عندما يكونا داخل المؤسسات والأطر الحزبية أو عبر وسائل إعلامية وطنية مسئولة حريصة على المصلحة الوطنية ، وعندما يكونا مشفوعين بخطة عمل تصحيحية أو إرشادية، و ينطلقا من منطلق الرغبة في البناء عليه لتصحيح المسار، سواء داخل السلطة أو داخل كل حزب ومؤسسة .

ولكن في ظل الانقسام والإعلام الحزبي المُتسِم بالتحريض، وفي ظل ضعف العمل المؤسساتي وضعف ثقافة الديمقراطية و النقد الذاتي البنَّاء . كل ذلك يجعل كثيرا من هذا النقد نوعا من التنفيس عن الغضب أو الرغبة بالانتقام من الخصم ولو بالكلمة غير الصادقة ، أو يدخل في باب (قل كلمتك وامضي) أو (اللهم إني قد بلغت) . وبالنسبة للمنتَقَدين فإنهم يتعاملون مع منتقديهم كمناكفين أو محرضين ومشككين بالشرعية ،أية كانت هذه الشرعية ، مما يعطيهم الحق من وجهة نظرهم بالتنكيل بمنتقديهم .

هيمنة هذا الخطاب إعلاميا يؤدي لإظهار الوجه القبيح فقط للفلسطينيين والتغطية على جوهر القضية وما يتعرض له الفلسطينيون من جرائم على يد الاحتلال، كما يتم طمس كثير من الانجازات الوطنية . المشكلة الأكثر خطورة تكمن في أن أعداء الشعب الفلسطيني وظفوا هذا الخطاب بشقيه وحولوه إلى مادة خصبة لخطاب هجومي مضاد يعتمد على ما يتم تسجيله وجمعه مما تقوله الأطراف الفلسطينية المختلفة والمتخالفة من اتهامات ضد بعضها البعض ، ليقولوا للعالم انظروا هؤلاء هم الفلسطينيون .

إن تحذيرنا من الانحرافات والمنزلقات التي قد تؤدي لها المبالغة في النقد والنقد الذاتي يجب أن لا يوقعنا في محذور تضخيم الذات ، لأن تضخيم الذات والمبالغة في تقدير القوة الذاتية وفي استعراضها ، وخصوصا العسكرية، قد يخفي نهجا للتغطية على الفشل والعجز والفساد . تضخيم الذات مثله كمثل جلد الذات المبالَغ فيه، كلاهما يُغيب القدرة على توظيف عدالة القضية والانجازات الملموسة التي حققها الشعب الفلسطيني بصموده وصبره وبالجهود الصادقة عند كل القوى والأحزاب .

المطلوب خطاب سياسي وسطي عقلاني واقعي يؤسَس على حقيقة أن في الوطن متسع للجميع وكلنا شركاء فيه وأننا مثل بقية الشعوب نخطئ ونصيب ، والكل أخطأ في حق هذا الوطن سواء عن قصد أو غير قصد ، وفي المقابل فإن الجميع ترك بصماته من خلال انجازات قد تتفاوت من حزب لآخر ومن شخص لآخر . إنتاج هذا الخطاب الوسطي ليس من مسؤولية السياسيين فقط، فهؤلاء غالبا ما يكونوا أسرى مرجعيتهم الأيديولوجية ومصالحهم السلطوية ، بل مسؤولية المثقفين والإعلاميين أيضا، فالعالم يقرأ ويسمع ويشاهد هؤلاء أكثر من السياسيين ، وخطابهم يصل إلى عقل الجمهور أكثر من خطاب السياسيين .

وتبقى المراهنة على القيادة السياسية الحكيمة لتستمع لوجهة نظر المثقفين والكتاب الذين لا يبتغون من وراء نقدهم لبعض السلوكيات والمواقف السياسية أو للفساد والمفسدين إلا مصلحة الوطن والمواطنين وتقويم نهج النظام السياسي .

في هذا السياق فقد وجد قرار الرئيس أبو مازن رئيس كل الشعب الفلسطيني بإقالة رمز الفساد في الشؤون المدنية في قطاع غزة ارتياحا عند كل الشعب ، ولكن الفساد في هذه الوزارة ليس شخصا بل شبكة تمتد لخارج الوزارة ، يجب استئصالها ووضع حد لفسادها ، والفساد موجود في مؤسسات أخرى ويجب استئصاله . لأنه لا يمكن أن نستكمل مشوار التحرير ونبني الدولة بمؤسسات يتحكم بمفاصلها أشخاص فاسدون .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط