كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الفلسطينيون في لبنان: مراجعة شجاعة للتجربة والبحث عن تسوية تاريخية عادلة

بعد مرور أكثر من سبعة وسبعين عاماً على اللجوء الفلسطيني إلى لبنان، يبدو من الضروري الخروج من ثنائية التقديس والشيطنة التي حكمت النقاش العام لعقود طويلة. فالفلسطينيون ليسوا سبب كل أزمات لبنان كما يروج بعض الخطاب الشعبوي، وليسوا أيضاً مجتمعاً معصوماً عن الأخطاء السياسية والتنظيمية والأمنية التي رافقت تجربتهم في لبنان.

لقد جرب لبنان والفلسطينيون معظم المقاربات الممكنة: العزل، الاحتواء، التسليح، نزع النفوذ، الإهمال، الإدارة الأمنية، المقاربات الإنسانية، والرهان على الزمن. ومع ذلك، لا تزال المشكلة قائمة، ولا يزال اللاجئ الفلسطيني يعيش حالة استثنائية قانونياً واجتماعياً وسياسياً، فيما لا يزال لبنان ينظر إلى الملف باعتباره أزمة مؤجلة أكثر منه قضية تحتاج إلى حل.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من المخطئ ومن المصيب، بل لماذا فشلت جميع المقاربات السابقة، وما هو الطريق الواقعي الذي يحفظ مصالح لبنان وكرامة الفلسطينيين وحق العودة في آن واحد؟

أولاً: مرحلة 1948 – 1968

اللجوء الإنساني وبداية القلق اللبناني

وصل الفلسطينيون إلى لبنان كضحايا نكبة وليسوا كمهاجرين اختاروا بلد اللجوء. وقد استقبلهم لبنان رغم محدودية إمكاناته الديموغرافية والاقتصادية والجغرافية مقارنة بدول أخرى.

إيجابياً، ساهم الفلسطينيون في قطاعات الزراعة والبناء والتجارة والتعليم، وأصبح العديد منهم جزءاً من الحياة الاقتصادية اللبنانية. كما أن المساعدات الدولية التي تدفقت ساعدت في تخفيف الأعباء عن الدولة اللبنانية.

لكن في المقابل، بدأت المخاوف اللبنانية مبكراً من قضية التوطين ومن تأثير الكتلة السكانية الفلسطينية على التوازنات الطائفية الحساسة التي يقوم عليها النظام اللبناني. ولم تستطع الدولة اللبنانية آنذاك بناء سياسة وطنية واضحة لإدارة الملف، فاختارت مقاربة تقوم على تقييد الحقوق المدنية والاجتماعية مقابل الحفاظ على الطابع المؤقت للجوء. وهكذا نشأ تناقض ما زال قائماً حتى اليوم: رفض التوطين من جهة، ورفض منح الحقوق  المحقة والكافية التي تسمح بحياة كريمة من جهة أخرى.

ثانياً: مرحلة 1968 – 1982

من قضية لاجئين إلى لاعب سياسي وعسكري

هذه المرحلة هي الأكثر حساسية والأكثر إثارة للجدل، بالنسبة للفلسطينيين، كانت المقاومة المسلحة امتداداً طبيعياً لمعركة التحرر الوطني بعد عجز النظام العربي عن تحرير فلسطين، أما بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين، فقد بدا الأمر وكأن الدولة اللبنانية فقدت جزءاً من سيادتها لصالح قوى مسلحة تعمل خارج مؤسساتها.

لا يمكن إنكار أن المؤسسات الفلسطينية ضخت أموالاً ضخمة في الاقتصاد اللبناني، وأسهمت في ازدهار قطاعات الإعلام والثقافة والخدمات والتعليم والصحة، ووفرت فرص عمل واسعة للبنانيين والفلسطينيين. لكن لا يمكن أيضاً إنكار أن عسكرة المخيمات والصدامات المسلحة والتداخل بين الساحة الفلسطينية والصراعات اللبنانية والإقليمية ساهمت في زيادة التوترات الداخلية وأصبحت المخيمات جزءاً من معادلات الحرب الأهلية وتعقيداتها.

الحقيقة الموضوعية هنا أن الدولة اللبنانية أخفقت في إدارة الملف، كما أن القيادة الفلسطينية أخطأت عندما سمحت بتحول الساحة اللبنانية إلى جزء من الصراع المفتوح بطريقة تجاوزت قدرة لبنان على الاحتمال.

ثالثاً: مرحلة 1982 – 1991

الضحية تتحول إلى ضحية مضاعفة

بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، اعتقد البعض أن المشكلة الفلسطينية انتهت، لكن ما حدث كان العكس تماماً، خسر الفلسطينيون المظلة السياسية والعسكرية والمالية التي كانت توفرها المنظمة، ودخلت المخيمات في مرحلة من الفقر والعزلة والصراعات الداخلية. وشهدت هذه المرحلة أحداثاً مأساوية تركت جروحاً عميقة في الذاكرة الفلسطينية واللبنانية معاً. أمنياً، تراجعت قدرة الفصائل على ضبط الأوضاع اجتماعياً، ارتفعت معدلات الفقر والبطالة. حقوقياً، بقي اللاجئ خارج معظم منظومات الحماية القانونية. أما الدولة اللبنانية فلم تنجح في تقديم بديل حقيقي، بل اكتفت بإدارة الأزمة بدلاً من حلها.

رابعاً: مرحلة 1991 – 2005

السلام اللبناني وتجميد القضية الفلسطينية

مع انتهاء الحرب الأهلية، بدأ لبنان بإعادة بناء مؤسساته

لكن الفلسطينيين بقوا خارج معظم هذه العملية

ومن المفارقات أن لبنان كان يعاني من هجرة الكفاءات في الوقت الذي كان يمنع آلاف الفلسطينيين من ممارسة عشرات المهن أو الانضمام إلى النقابات المهنية

وقد أدى ذلك إلى نتائج سلبية على الجميع

خسر الفلسطيني فرص العمل اللائق

وخسر الاقتصاد اللبناني جزءاً من الطاقات البشرية المتاحة

وتوسعت السوق غير النظامية والاقتصاد غير الرسمي نتيجة القيود القانونية المفروضة

في الوقت نفسه، ترسخت صورة المخيم باعتباره مساحة استثنائية قانونياً وأمنياً واجتماعياً، وهو ما أسهم في تعميق الفجوة بين المجتمعين اللبناني والفلسطيني

خامساً: مرحلة 2005 – اليوم

أزمة الجميع في بلد ينهار

اليوم يعيش الفلسطيني واللبناني الأزمة نفسها تقريباً

كلاهما يواجه الانهيار الاقتصادي

كلاهما يعاني من ضعف الخدمات

كلاهما يخشى المستقبل

لكن الملف الفلسطيني ما زال يُستخدم أحياناً كأداة في الصراعات السياسية الداخلية

من جهة، هناك خطاب شعبوي يحمّل الفلسطينيين مسؤوليات تفوق حجمهم الحقيقي

ومن جهة أخرى، هناك من يرفض الاعتراف بوجود مشكلات حقيقية داخل بعض المخيمات تتعلق بالسلاح الفردي  والانفلات الأمني وضعف الحوكمة

الحقيقة أن هناك مشكلات أمنية قائمة بالفعل في بعض المخيمات

وهناك أيضاً تهميش قانوني وحقوقي مزمن للاجئين الفلسطينيين

والحقيقتان صحيحتان في الوقت نفسه

ماذا تعلمنا بعد ثمانية  وسبعين عاماً؟

تعلمنا أن الحرمان من الحقوق لم يؤدِّ إلى إنهاء قضية اللاجئين

وتعلمنا أن السلاح خارج إطار الدولة لم يؤدِّ إلى حماية اللاجئين أو تحسين أوضاعهم

وتعلمنا أن إدارة الأزمة ليست حلاً

وتعلمنا أن ترك المخيمات في حالة استثناء دائم ينتج أزمات متكررة للجميع

وتعلمنا أن لبنان غير قادر على تحمل مشروع توطين دائم

وفي الوقت نفسه، لا يمكن مطالبة اللاجئ بالعيش لأجيال طويلة دون حقوق إنسانية ومدنية أساسية

نحو خريطة طريق جديدة

إذا كانت جميع المقاربات السابقة قد فشلت، فإن المطلوب ليس تكرارها بل تجاوزها

أولاً، تثبيت مبدأ واضح لا لبس فيه: لا للتوطين، ونعم للحقوق الإنسانية والمدنية الكاملة بما لا يتعارض مع الهوية الوطنية اللبنانية أو حق العودة

ثانياً، منح الفلسطيني حق التملك و العمل في جميع المهن وفق معايير الكفاءة والقانون، مع تنظيم العلاقة مع النقابات المهنية بما يحفظ مصالح الجميع

ثالثاً، إنشاء صندوق تنموي لبناني – فلسطيني – دولي لتطوير المخيمات والبنية التحتية وخلق فرص عمل مشتركة

رابعاً، الانتقال التدريجي من الإدارة الأمنية للمخيمات إلى نموذج الحوكمة المدنية والتنموية

خامساً، وضع خطة مشتركة لبنانية فلسطينية لمعالجة  الملف الأمني وفق جدول زمني واضح ومتفق عليه، يضمن سيادة الدولة اللبنانية ويحفظ أمن المخيمات وسكانها

سادساً، إطلاق شراكة اقتصادية تسمح بتحويل المخيمات من بؤر فقر إلى مساحات إنتاج وتعليم وريادة أعمال

سابعاً، إشراك الشباب الفلسطيني واللبناني في مشاريع مشتركة تعيد بناء الثقة التي تآكلت بفعل عقود من الصراعات والذكريات المؤلمة نتيجة غياب الحوار او ضعفه

بعد ثمانية وسبعين عاماً من اللجوء، لا يمكن اختزال الفلسطينيين في لبنان بمفهوم "العبء" كما لا يمكن تصوير التجربة باعتبارها نموذجاً مثالياً. الحقيقة أكثر تعقيداً من الروايتين.

لقد كان الفلسطينيون ضحايا اقتلاع تاريخي من وطنهم، لكنهم كانوا أيضاً مساهمين في بناء قطاعات اقتصادية وثقافية وتعليمية داخل لبنان. وبينما انشغل السياسيون لعقود بإدارة المخاوف والهواجس، ظل الاقتصاد يقدم درساً مختلفاً: المجتمعات المنتجة لا تُقاس بأصولها الوطنية فقط، بل بما تضيفه من قيمة ومعرفة وعمل واستثمار.

لقد أثبتت العقود السبعة الماضية أن الحلول القائمة على الخوف فشلت، وأن الحلول القائمة على الإنكار فشلت أيضاً. فلبنان لم ينجح في التخلص من المشكلة عبر التهميش، والفلسطينيون لم ينجحوا في تجاوزها عبر الانتظار.

وبين رواية تعتبر الفلسطيني عبئاً دائماً، ورواية تعتبر كل السياسات اللبنانية مؤامرة متواصلةتضيع الحقيقة. الحقيقة أن هناك شعباً اقتُلع من أرضه، ودولة صغيرة تحملت أعباء تفوق قدرتها، ونظاماً إقليمياً ودولياً ترك الطرفين يدفعان ثمن قضية لم يصنعاها.

أما الحل الواقعي الوحيد، فهو عقد اجتماعي جديد بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين يقوم على معادلة بسيطة: سيادة كاملة للدولة اللبنانية، وحقوق إنسانية ومدنية كاملة للاجئين وتمسك كامل بحق العودة، وشراكة تنموية تحول سبعة وسبعين عاماً من الأزمة إلى فرصة للاستقرار والازدهار المشترك.

وربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس ماذا فعل الفلسطينيون بلبنان، بل ماذا كان يمكن للبنان أن يحقق لو نجح في تحويل هذه الطاقة البشرية الكبيرة إلى شراكة تنموية منظمة، بدل أن تبقى عالقة بين هواجس السياسة وقيود التاريخ.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط