كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الفن التشكيلي ... توثيق الرمزية والوجدان الشعبي لغة عالمية تتجاوز التزييف اللغوي

الفن التشكيلي ... توثيق الرمزية والوجدان الشعبي لغة عالمية تتجاوز التزييف اللغوي

تاريخ النشر: 2026-04-15 | 12:30

إن مسؤولية المثقف في كتابة التاريخ وتوثيق الحاضر في ظل صناعة التزييف، ليس مجرد سؤال أكاديمي أو ترف فكري، بل هو صرخة في وجه العدمية التي تحاول طمس ملامح الحقيقة في عصرنا الراهن، ولا ينبغي للمثقف أن يكون مجرد ناقل للمعلومات أو صدى للأحداث، بل هو في جوهره "حارس للحقيقة "،لأن ما يقع على عاتقه يتجاوز حدود التوثيق البارد،  لتصل إلى مرتبة "الشهادة الوجودية " كما يرى إدوارد سعيد إن المثقف هو الذي يحافظ على المسافة النقدية من السلطة والواقع، وهو الذي يبقي على جذوة المعيارية متقدة في زمن الإنكسارات.

وفي ظل موجات التزييف التي تجتاح فضاءاتنا الرقمية والإعلامية،  يصبح دور المثقّف هو "تفكيك " هذه الأكاذيب قبل أن تتحول إلى "حقائق تاريخية" تقرأها الأجيال القادمة.

إن حالة الشك الدائم في البديهيات، التي تمارسها اليوم بعض المؤسّسات الإعلامية والسياسية، تجعل تثبيت الحقائق فعلاً مقاوماً عند المثقّف الذي يعي أن دوره ليس مجرد أرشيف متحرك،  بل هو عقل نقدي يفرز الغث من السمين،  ويضع الأحداث في سياقها الإنساني والكوني الصحيح، التي تستند إلى قيم الحق والعدل والجمال،  بعيدا عن البروباغندا التي تروجها مراكز القوى.

 

 

- حين يصبح التاريخ مسرحاً للأكاذيب.

 

الحقيقة في زمننا هذا؛ تنام مطمئنة في ضمائر القلة التي تعرفها، فيما يسهر الملايين على تداول أكاذيب مصنوعة بعناية، مُعلَّبة بأدوات الحداثة ومنصاتها، تُوزَّع مسلفنة على العقول كما يُوزَّع السمّ في قوارير عطر.

لم يكن التزييف وليد هذا العصر الرقمي، بل هو قديم قِدَم السلطة ذاتها، فمنذ أن أدرك الإنسان أن من يكتب التاريخ يملك المستقبل، سعى أصحاب النفوذ إلى امتلاك الأقلام قبل السيوف، غير أن ما يميز عصرنا هو السرعة المذهلة في الترويج التي باتت فيها الكذبة تطوف الأرض سبع مرات قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها، وفق ما أشار إليه مارك توين،  بصياغة لم يُكذِّبها الزمن بل أكد صدقها.

 

 

- المثقف بين الشهادة والتواطؤ.

 

ثمة فارق جوهري بين المؤرخ والمثقف، وإن كان كلاهما ملزماً بحماية الحقيقة. المؤرخ يعمل بمناهج أكاديمية صارمة، يوثّق ويُقارن ويُحلّل بمسافة زمنية تمنحه قدراً من الحياد. أما المثقف ... الكاتب والفنان والشاعر والناقد ... فهو الشاهد الحي الذي يقف في عين العاصفة، يرى ما يجري بعيني من يعيش اللحظة ويتنفسها ويتألم بها وفيها.

وهنا تكمن المسؤولية الأخطر والأثقل،  فالمثقف ليس مطالَباً بالموضوعية الباردة وحسب، بل هو مطالَب بشيء أصعب، الشجاعة الأدبية، تلك الشجاعة التي تجعل الكاتب يقول الحقيقة حين يكون الصمت أكثر أماناً، وتجعل الفنان يرسم ما يراه حين يكون الرسم اتهاماً والصمت براءة زائفة.

لقد قال الفيلسوف انطونيو غرامشي في سياق مختلف إن المثقف العضوي هو من يرتبط بقضايا مجتمعه ارتباط الجذر بالتربة لا ارتباط العلّامة بمكتبته. وهذا ما يجعل المثقف شاهداً من طبيعة مختلفة ... شاهداً ذا وجدان وذاكرة ولغة، يستطيع أن يحوّل ما رآه إلى نص يبقى حين تزول الأحداث وتُطمر تحت ركام الرواية الرسمية المزوَّرة.

 

 

- الفن والأدب بوصفهما وثيقة.

 

ربما يظن البعض أن التوثيق حكر على السجلات والأرشيفات والوثائق الرسمية، غير أن التاريخ الإنساني الحقيقي ... ذلك الذي يتنفس ويؤلم ويفرح ... لم يُحفَظ في الوثائق بل في القصائد والروايات واللوحات. فهوميروس الذي لم يكن مؤرخاً كتب ملحمة البشرية في صراعها الأبدي بين الحرب والسلام، ودوستويفسكي الذي لم يكن صحفياً حفظ لنا روح الروسي الكسيح تحت الاستبداد القيصري بعمق لم يستطعه أي مؤرخ، ولوحة "الغرنيكا" لبيكاسو لا تزال أقوى وثيقة ضد قصف المدنيين حتى اليوم، وقد ولدت من ريشة فنان لا من قلم مؤرخ، وحتى على مستوى الأدب والفن الشعبي نتذكر في سورية كان لديوان شعر شبلي الأطرش دوراً بارزاً في نقل تاريخ وقائع وأحداث مرحلة هامة من القرن التاسع عشر  بالإضافة إلى العديد من اللوحات التي تصور فروسية أبو زيد الهلالي  وعنترة بن شداد وغيرها الكثير.

ومن هنا نفهم أن الأدب والفن في جوهرهما فعل توثيق من نوع أرقى وأبقى؛ لأنهما لا يوثّقان الحدث فحسب بل يوثّقان أثره في الروح الإنسانية، وتلك هي الحقيقة الأعمق التي لا تستطيع أي آلة تزييف أن تمسّها إن أحسن المثقف صياغتها.

 

 

- في مواجهة آلة التزييف الحديثة.

 

باتت منصات التواصل الاجتماعي في عصرنا مصانع للرواية البديلة، خوارزميات تُفضّل الانتشار على الصواب، وتُكافئ الصاخب على الصادق، والمُبسَّط على المُعقَّد، وفي هذا المناخ باتت الحقيقة تحتاج إلى من يحميها لا بالقوة بل بالكلمة المضيئة والموقف الواضح،  وهنا تتجلى مسؤولية المثقف في ثلاثة أبعاد متكاملة:

 

1 -  التوثيق الآني ... أي كتابة ما يراه وما يعايشه بأمانة ودقة وجرأة، لأن ما لم يُكتب اليوم سيُكتب غداً بقلم آخر وبزاوية أخرى.

2 -  نقد الرواية السائدة ... أي عدم الاكتفاء بالتشكيك في الزيف بل تفكيكه ومقارعته بأدوات العقل والجمال والحجة.

3 -  إعادة قراءة الموروث التاريخي ...  بعين نقدية تعرف أن كثيراً مما وصلنا كُتب بأقلام مأجورة أو مُغيَّبة أو مرعوبة، وأن إعادة القراءة النقدية ليست تجديفاً على الماضي بل هي واجب العقل الحي.

أما حين يتعلق الأمر بقضايا الشعوب المظلومة والمحتلة والمُهجَّرة، فإن التزييف يبلغ ذروة خطورته لأنه يستهدف الهوية ذاتها، يريد أن يسرق الشعب من تاريخه ليجعله غريباً عن أرضه وذاكرته وحقه، وهنا يصبح المثقف لا مجرد شاهد بل سلاحاً دفاعياً حضارياً، إذ إن الأمة التي تحفظ روايتها الحقيقية بأقلام أبنائها المخلصين لا يمكن استعمارها كاملاً مهما جرى.

 

 

- هل يكفي المثقف وحده؟

 

بكل وضوح المثقف وحده لا يكفي، فالحقيقة تحتاج إلى منظومة متكاملة، مؤسسات ثقافية حرة، ووسائل إعلام مستقلة، ومناهج تعليمية تُربّي التفكير النقدي لا الاستظهار الطيّع، غير أن المثقف هو البداية الضرورية، هو الشرارة التي تُضيء في العتمة وإن لم تُضئ كل شيء، ولعل في قول أبي الطيب المتنبي: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم" ...  ما يُلزم كل مثقف أن يُقدّر قامته الحقيقية ومسؤوليته الكاملة أمام التاريخ الذي يُكتب الآن وتقرؤه الأجيال غداً.

 

 

- الشك المنهجي اتجاه السرديات الجاهزة.

 

ان ما يحدث اليوم من تشويه ممنهج للقضايا الكبرى، وعلى رأسها قضية فلسطين،  يضعنا أمام تحد تاريخي يكتبه المنتصرون غالباً، فإن المثقف الحقيقي هو من يكتب تاريخ "المهمشين" و "المغيبين" وهو من يوثق الحقيقة التي تحاول الآلة الإعلامية العملاقة وأدوات الذكاء الاصطناعي طمسها، وهنا تبرز ضرورة المثقف كبوصله أخلاقية وجمالية تعيد ترتيب الفوضى، وتخفف من تزييف الحاضر الذي هو تمهيد لتزوير المستقبل، والمثقف الصامت عن تشويه الحقائق هو شريك في كتابة تاريخ مشوه غداً، لان التوثيق هو "اشتباك" مع اللحظة الراهنة بكل تعقيداتها، ومحاولة لانتزاع الحقيقة من براثن التزييف الرقمي الذي يمتلك قدرة فائقة على الانتشار.

إن تفكيك المركزية الغربية بالنظر إلى حملات التشويه الراهنة، يصبح من الواجب الفكري على المثقف إعادة قراءة التاريخ الذي كتبه "الآخر " من منظور استعماري أو الموالون للقوى المهيمنة "كتبة السلطان " بممارسة "الشك المنهجي " تجاه السرديات الجاهزة،  والبحث عن المسكوت عنه في ثنايا النصوص التاريخية بوعي نقدي بالجذور التي شكلت حاضرنا، وباستشراف المستقبل بعيدا عن أوهام التزييف، إن مسؤولية المثقف هي تطهير الذاكرة الجمعية من الشوائب التي علقت بها عبر القرون، واستنطاق الفنون والآداب بوصفها سجلات صادقة لا تقبل التزوير الذي قد يطال الوثائق الرسمية.

 

 

- الفن والأدب... الوثيقة التي لا تشيخ.

 

في خضم التزييف السياسي والإعلامي، يظل الفن والأدب هما الحصن الأخير للحقيقة، اللوحة الفنية،  القصيدة، والرواية، ليست مجرد أدوات للجمال، بل هي "وثائق  وجدانية" توثق روح العصر ومعاناة الإنسان،  الفنان التشكيلي، على سبيل المثال، حين يرسم مأساة أو انتصاراً،فإنه يخلد اللحظة بأبعادها الإنسانية التي تعجز الأرقام والتقارير عن رصدها.

الفن يمتلك "حصانة" فطرية ضد التزييف، فالجمال الحقيقي لا يمكن تزويره،  والصدق الفني يفرض نفسه حتى بعد مرور عقود بسبب منحه التاريخ "روحاً" يجعل منه درساً حياً لا مجرد سرد لوقائع ميتة.

 

 

- ختاماً ... الميثاق الأخلاقي للمثقف العربي.

 

إن مسؤولية المثقف في هذه اللحظة التاريخية الفارقة هي مسؤولية مضاعفة، فهو مطالب بحماية "الذاكرة" من النسيان،  وحماية "الحقيقة" من التشويه. إننا بحاجة إلى ميثاق أخلاقي وفكري يجمع المثقفين والكُتّاب والفنانين على هدف واحد "توثيق الحقيقة كما هي، لا كما يراد لها أن تكون".

إن التاريخ الذي سيقرؤه أحفادنا يُكتب اليوم بأقلامنا، بريشاتنا، وبوعينا النقدي، وبكل تغريدة صادقة، فليكن دورنا هو "الشهادة الصادقة" ولنكن نحن "المؤرخين الحقيقيين" الذين يوثقون بمداد الحق في وجه طوفان الزيف،  فالحقيقة مهما طالها التشويه،  تظل كالشمس قد تحجبها الغيوم حيناً، لكنها لا تنطفئ أبداً، والصمت في مواجهة التزييف ليس حياداً بل هو اختيار للانحياز لصالح الباطل. وكما قال الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" ... وعلى هذه الأرض كذلك ما يستحق الكتابة والتوثيق والدفاع بكل ما أوتي المثقف من شجاعة وقلم وريشة وبصيرة.

دامت قيمنا ودام جمالنا ووعينا

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط