كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الفوضى في واشنطن

الفوضى في واشنطن

تاريخ النشر: 2021-01-10 | 15:19

عبدالله بن بجاد العتيبي
عبدالله بن بجاد العتيبي

الفوضى تضرب قلب واشنطن، عاصمة الولايات المتحدة، بلد الحرية والديمقراطية، ومركز الإمبراطورية الأقوى في التاريخ، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ورأس منارة الحضارة البشرية المعاصرة، فالفوضى غير محترمة فهي لا تحترم أحداً.

الصور ومقاطع الفيديو التي خرجت من داخل مبنى الكونغرس الأميركي كانت صادمةً للتاريخ والواقع وستبقى خالدة طويلاً في الذاكرة، غوغاء تقتحم مبنى الديمقراطية العريقة وجماهير تزدحم في مكتب رئيسة مجلس النواب وأروقة المبنى ومكاتبه وقاعاته وهي تشبه نفس الجماهير والغوغاء التي كانت تتحرك في عدد من العواصم العربية ولكن أميركا صحت في ليلة وبعض العرب لم يستفيقوا بعد.

كانت بالفعل ذروةً صارخة ومعبرة عن مدى الانقسام الذي تعيشه أميركا من أكثر من عقد من الزمان، صراع اليسار واليمين، بشتى التباينات بينهما وداخل كل منهما، وقد انتصر اليسار بالضربة القاضية بالرئاسة وبمجلسي الشيوخ والنواب، ولكن من الخطأ أن يظن الفرحون بالنصر أن خصمهم انتهى وأن المعركة حسمت مرةً واحدةً وإلى الأبد.

الحديث هنا عن تيارات السياسة والثقافة والمجتمع والاقتصاد وليس عن أشخاص، وصراع التيارات مستمر ودائم والأشخاص زائلون، وكم سيكون واهماً من يحسب أن خمسة وسبعين مليون مواطن أميركي سينتهون ويتلاشون في بضع سنوات وما سيزيدهم قوةً هو الشعور الذي غرسه فيه ترامب وخصومه على حد سواء بأنهم مضطهدون في بلادهم ومظلومون في وطنهم.

أحد مظاهر الانحياز الواضح ضد ترامب وتياره وأنصاره هو الانحياز الإعلامي القوي والواضح ضد كل من وما يمثلهم من قريب أو بعيد على مدى سنوات، ومن المنتظر أن تنطلق حملات إعلامية منظمة لمحاكمة فترة ولاية ترامب برغبة عارمة للإجهاز عليها وتحويلها إلى ما يشبه الشتيمة في السنوات القادمة وهو ما سيمنح مناصريها مزيداً من الحطب للاستمرار والإصرار.

الانحراف في السياسة الأميركية بدأ مع فترة أوباما وكانت ولاية ترامب ردة فعل شرسة، وفترة بايدن يعتقد كثيرون أنها ستكون امتداداً لفترة أوباما، وتعييناته والشخصيات التي اختارها تدفع بهذا الاتجاه، ويبدو أنه لن يتهيأ قريباً من يستطيع أن يجسر الفجوة بين التيارين العريضين داخل أميركا، فكل من الفريقين يعتقد امتلاك الحقيقة الكاملة في كل التفاصيل ولا يرى في أفكار التيار المقابل إلا ما يثير السخرية وهي وصفة لمعنى التطرف في الفكر من الجانبين.

أميركا الحضارة والعلم والمعرفة هي رأس الحضارة البشرية المعاصرة وعنوانها الأبرز بلا شك، وليس من الحسن تقديم النصائح لها بل المراقبة والتعلم مع الاحتفاظ بحق التأمل والنقد، ولا أقسى من الانقسامات الحادة والعميقة في تفتيت الإمبراطوريات وإضعاف الحضارات من داخلها، وسيبقى البشر يتعلمون من الكبار الخطأ والصواب.

أفعال التيارين في السنوات الأخيرة متشابهة حد التطابق والاختلاف هو التفسير الذي يقدمه كل منهما لأفعال أنصاره، فاقتحام الكونغرس جريمة لا تغتفر لدى فريق الديمقراطيين ولكن احتلال مركز مدينة سياتل بقوة السلاح مسألة فيها نظر، وقتل آشلي بابيت في الكونغرس لا يختلف عن قتل جورج فلويد في الشارع، فالأمر سيان، ولكنها التفسيرات الآيديولوجية الحادة حين تكون مادة لتغذية الصراع وتبرير الصدام حيث تعمل العاطفة ويغيب العقل.

حظي الرئيس ترامب بتأييد في الدول العربية من بعض المثقفين والكُتّاب نظراً لالتقاء مصالح هذه الدول مع رؤيته للنظام الإيراني واستراتيجيته القوية ضده، واختار آخرون مناصرة خصومه الديمقراطيين، وقد تطرف الجانبان بشكل مثير في تأييد هذه الأطراف الأميركية، بل بدا وكأن البعض يعيش معركة وجود وعدم في معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، ولكن وللحقيقة فأنصار اليسار الأميركي من العرب هم أكثر حدةً وتطرفاً وانتشاراً من أنصار اليمين الأميركي.

أمام اتساع الصراع الأميركي الداخلي ووصوله إلى درجات غير مسبوقة في التاريخ الحديث فقد تفشت نظريات مؤامرة من الطرفين، اليمين واليسار، بلا عد ولا حصر، وكل يدعي وصلاً بالحقيقة، ويرمي الأخطاء القاتلة من طرفه على خصمه، والحقائق باردة وتطفو على السطح بعد هدوء العواصف، وسيتمكن المؤرخون والباحثون المنقبون عن الحقائق من استخراجها ولو بعد حين، وسيكتشف المتحمسون من كل الأطراف أنهم كانوا على خطأ لسبب بسيط وهو أن العواطف الساخنة مظنة الزلل والتيه بينما البحث العلمي الهادئ هو الوحيد القادر على الوصول إلى العلم.

هذا في الحديث عن حقائق ما جرى وسيجري وليس عن المكاسب السياسية لهذا الطرف أو ذاك، فالمكاسب السياسية يمكن تحصيلها بطرق شتى منها الكذب الصراح على سبيل المثال، والكذب عدو الحقيقة ونقيضها دائماً وأبداً.

صحيح أن الرئيس ترامب ارتكب بعض الأخطاء بل وبعض الشناعات وتحديداً داخل أميركا وصراعاته مع خصومه داخلها ولكنه بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط كان أفضل من سلفه الذي أدخل المنطقة في شناعات تاريخية لا تغتفر، ومن ينسى جرائم وفظاعات ما كان يعرف بالربيع العربي ودعم الجماعات الأصولية الإرهابية والتحالف مع خصوم أميركا وحلفائها في المنطقة؟

التحريض السياسي خطير جداً وهو جل حديث اليسار الأميركي وأتباعه في المنطقة لأجل تحميل ترامب شخصياً وزر اقتحام الكونغرس، ولكن هذا تحديداً ما يرفضه اليسار أميركياً وعربياً حين تحدثهم الدول العربية عن خطورة هذا التحريض السياسي الذي تمارسه جماعات الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي، ولئن تخلصت أميركا من الفوضى التي سببها التحريض السياسي في ليلة واحدة بسبب عراقة مؤسساتها وثقافتها فإن بعض الدول العربية لم تزل تعيش في هذه الفوضى منذ عشر سنوات ولم تر النور في آخر النفق حتى الآن.

مشاهد اقتحام الكونغرس تذكر بما كتبه علماء الاجتماع عن الجماهير ونفسياتهم وأنهم غير الشعب وأن الفرد يفقد هويته مهما بلغ من العلم حينما ينخرط في الجماهير ويصبح منخرطاً في حراكها، والتخريب الذي مارسته الجماهير في الكونغرس هو نفس التخريب الذي مارسته الجماهير المقابلة بالسطو المسلح والحرائق والجرائم على مدى أشهر مضت داخل أميركا.

أخيراً، فمطالبة نانسي بيلوسي بمنع ترامب من التحكم في الشفرات النووية هي جزء من تشويه ترامب والضغط السياسي عليه لإظهار رئيس أميركا لأربع سنوات وكأنه ناقص العقل وغير كفء، وهو جزء مفهوم من مظاهر الصراع والانقسام غير المسبوق في أميركا.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط