كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الفيلم والرواية: اللص والكلاب وممكنات تصالحية إصلاح المنظومة

الفيلم والرواية: اللص والكلاب وممكنات تصالحية إصلاح المنظومة

تاريخ النشر: 2022-08-20 | 15:38

في حوار الرفيق أحمد إبراهيم شوكت حفيد أحمد عبد الجواد "سي السيد"، مع زميلته في مجلة الإنسان الجديد، في رواية السكرية التي حمل فيلما اسمها، تهنئه بأن الرقيب أجاز نشر مقاله، لكن بعد شطب أجزاء منه، فتنصحه أن يكتب أفكاره لكن من خلال شكل أدبي آخر غير المقال!

هل كان نجيب محفوظ ينصح نفسه هنا؟ هل كان ينصحنا؟

بالرغم من تقديرنا للكتابات الفكرية في مختلف المجالات، كونها تؤسس وتضع إطارا لما يتم البحث فيه، إلا أن الأدب يظل مجالا جذابا للكتابة والبوح، كمقترح جمال، يسمح بالتعبير غير المباشر. ولعل نجيب محفوظ، خريج كلية الآداب قسم الفلسفة، قد مال في مرحلة ما من حياته لكتابة أفكاره من خلال الروايات، دون أن يجعلها تقريرية، وذلك هو سحر محفوظ في إمتاعنا، وإثارة تفكيرنا. وهكذا أدعي أن أعمق نقد فكري وسياسي قرأته كان لدى نجيب محفوظ عبر رواياته.

بعد 61 عاما على صدور الرواية، و60 عاما على الفيلم بالاسم نفسه، ترى ما الذي جدّ؟ وكم من مياه جرت هناك في النهر وفوقه وتحته؟

إنها المنظومة نفسها، وإن اختلفت الأشكال والشخصيات؛ فأية عبقرية تلك التي انطلق منها نجيب محفوظ حين صور بطريقة ذكية موحية حال المجتمع، والقوى المؤثرة فيه؟

لقد عانى نجيب محفوظ بسبب الرواية، ولكن وعي بعض المستويات السياسية وتقديرها للكاتب الكبير، سمحت بهذا الهامش من حرية التعبير، وربما هذا ما شجّع صديقه المخرج كمال الشيخ بالتقاط الفرصة وجعل الرواية فيلمه.

ها أندا الخمسيني أعود لقراءة الرواية من جديد، كما أعود الآن الى "ميرامار" رواية وفيلما للمخرج نفسه، كما فعلت قبل عام مع "القاهرة "30، للمخرج صلاح أبو سيف.

لنفكر معا، من قرأ الرواية أو شاهد الفيلم، علما أن المخرج التزم النص الروائي حتى في الحوار، كما فعل صلاح أبو سيف في القاهرة 30، ولنتساءل لم استفز نجيب محفوظ نظام الحكم في ذلك الوقت كما فعل في غير رواية؟

لم يكن الانتقاد الخفي للمؤسسة الرسمية من خلال مؤسسة الإعلام ممثلة بالصحفي الانتهازي رؤوف علوان، وللمؤسسة الأمنية ممثلة بالشاويش حسب الله والضابط صديق/حليف الصحفي علوان، (كما تجلى بشكل واضح في آخر الفيلم بعد قتل سعيد مهران، حين أشعل أحدهما للآخر السيجارة احتفاء بالتخلص من مهران، بما شكل من كابوس لهما)، وللمؤسسة الدينية الرسمية من خلال شيخ الجامع، والمؤسسة الدينية غير الرسمية ممثلة بفرق الصوفية، ..أقول لم يكن نقد مؤسسة الحكم فقط هو الدافع لاستفزاز الشخصيات المتنفذة في النظام، بل أمر آخر! ترى ما هو؟

يخرج سعيد مهران الذي من السجن على إثر تهمة السرقة، للانتقام من عليش، صديقه اللص الذي وشى به، والذي أخذ مكانه في كل شيء، كما أخبرت نور بائعة الهوى، سعيد مهران وهي تزوره في السجن، حيث تزوج نبوية وأقام في بيت سعيد مهران، والانتقام فيما بعد من الصحفي رؤوف علوان، الذي شجعه وهو طالب مقيم في بيت الطلبة على السرقة، ثم تنكر له فيما بعد تحولات رؤوف علوان، لكن يتم قتل اثنين بالخطأ، حيث يكون عليش ونبوية قد تركا الحارة، فيما يصاب سائق رؤوف علوان أو يقتل.

وهنا، كما جاء إيحاء وبعض المباشرة في النص والفيلم، من خلال نصح نور لسعيد مهران بتسليم نفسه، كأننا إزاء إيحاء فكري عميق، لربما هو من استفز المتنفذين في الحكم.

كأن القضية ليست شخصية هنا، فلو كانت كذلك، لربما نجح سعيد مهران في قتل عليش أو رؤوف علوان. إذن المسألة أمر آخر.

ما أراد نجيب محفوظ قوله هو وكمال الشيخ، بأن التغيير لا يكون شخصيا، بل عاما، أي لا بد من تغيير البنية الحاكمة نفسها. والدليل على ذلك استماتة "الكلب رؤوف علوان" في التحريض على سعيد مهران.

تحريض رؤوف علوان هو تحريض ينطلق من مصلحته الشخصية تجاه النظام بأسره، وهو المنتفع به، وليس فقط لثأر شخصي.

هذا إذن بيت القصيد، وهو الدعوة للتغيير الحقيقي بعيدا عن الفعل/القتل الدموي الخطأ.

"اللص والكلاب"، من العنوان هناك لص معروف، فاللص هو اللص، لكن ثمة مجاز ورمز في "الكلاب"، وهو ما عدّ تحريضا ضد النظام السياسي، في وقت كانت حرية الرأي فيه محدودة.

إن تأمل حلم سعيد مهران من خلال خطابه للقضاة: "أنا لص أنا علمني رؤوف علوان...أنا خلم الملايين...شوف السبب إيه واحكموا علي.."، يقود باتجاه تصوير نفسه كمكروه تمت المبالغة في كراهيته إعلاميا، دون أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه، (بل حتى رئيس التحرير لمح لذلك في اجتماع هيئة التحرير في الصحيفة)، وباتجاه نقد المؤسسة بشكل عام.

في عام 1961 كان نجيب محفوظ، الذي تبلورت الرواية العربية على يديه يدخل الخمسينات من العمر، كذلك كان يدخل مذهبيا يدخل الرواية الواقعية باتجاه نقدي من منظور فلسفي حالم بمجتمع أكثر عدالة، فيما كان المخرج كمال الشيخ يدخل الأربعينات، حيث لم تمض سوى أشهر، حتى ظهر فيلمه عن الرواية في العام التالي أي عام 1962.

 محاولة جادة وشجاعة، كانت في وقتها تمثل اختراقا في النقد السياسي، ولم يكن ذلك سهلا، لكن أمكنه ذلك، بل أمكنهما معا محفوظ والشيخ كونهما علمين كبيرين، من الصعب حتى على المتنفذين في الحكم التعرض لهما، بل إن منتج الفيلم كانت مؤسسة السينما الحكومية نفسها. أي دوما هناك أمل في النقد خاصة ما كان جديا وملتزما.

والآن، نتناول عناصر المنظومة التي أبدع محفوظ وبالتالي مخرج الفيلم في البعد عن المباشرة في تصويرها ونقدها:

سعيد مهران: العامل البسيط، القروي الذي ترك قريته ليعمل مكان أبيه في بيت الطلبة بالقاهرة، والذي يحب نبوية. ليصير اللص، الذي تنكر له الجميع ما عدا بائعة الهوة نور، وطرزان ونياطة، من الكباريه.

رؤوف علوان: طالب في بيت الطلبة، يعمل في مجلة النذير يقدم نفسه كطليعي، يظهر حقده على الطبقة الغنية، ثم يستخدم مهاراته الكلامية، للعمل في جريدة يومية كبيرة هي الزهراء، فتتغير حياته، بسبب أسلوبه التسلقي والتزلف بالطبع. حين يكتشف الطلبة سرقة العامل سعيد مهران لساعة أحدهم، ينصحه بترك بيت الطلبة، وبأن يأخذ حقه من الأغنياء مباشرة عن طريق سرقتهم. حين يخرج سعيد مهران من السجن، يتنكر له رؤوف الذي لا يريد تذكر ماضي نفسه؛ كونه الآن مستفيدا من الوضع: مال وفيلا ونساء وسيارة.

وهو يؤكد لسعيد مهران أن ذلك جاء من كدّه وعرقه، والحقيقة كما يعرفها سعيد مهران، أنها جاءت من انتهازيته. وهو في ملاحقته لمهران، يجد في ذلك سببا في زيادة توزيع الجريدة.

الشاويش حسب الله: يمثل المخبر الذي يبحث عن خلاصه الشخصي، بالاستفادة من مال عليش، والذي هو مسروق، ودليل ذلك موقف المسبق ضد سعيد مهران والاصطفاف مع عليش، الذي يناديه من النافذة باسمه فقط، دون ذكر الشاويش. يتم تعبئة طفلته ضده، فتخاف منه، وبذلك ضاعت زوجته وطفلته وماله وبيته، وحينما يطلب حاجته الشخصية، لا يجد عليش ما يعيده له إلا الكتب التي أهداها رؤوف علوان له عندما ترك بيت الطلبة للعمل ك "لص".

الشيخ: مثل دور المحايد السلبي تجاه المجتمع؛ فمن خلال زيارتين لسعيد مهران، الأولى بعد الخروج من السجن، يكتفي الشيخ بمخاطبته بأنه خرج من "السجن الصغير الى السجن الكبير"، ونصحه ب "خذ مصحف واقرا"، وحين يخبره أنه خارج من السجن، يضيف: توضأ واقرأ، وحين يحاول أن يشكو له، يرد بأنه "بسمع كثير لدرجة بسمعش حاجة"، ثم ينصحه: "اتجه للسماء". لكن سعيد مهران لا يقتنع فيرد: "انا لسة ع الأرض"، في حوار يكشف سلبية المؤسسة، أما في الزيارة الثانية، فيجد الحلقة الصوفية، المكررة.

اخراج السينما الواقعية، بشيء من بوليسية كمال الشيخ التي عرف بها، تبدأ الكاميرا بلوحة "عطفة الصرفي"، اسم الحارة، ومشهد سعيد مهران وتابعه عليش، بنظراته الموحية بأمر ما، يتعمق ذلك بحركات وكلمات نبوية، وبالموسيقى،...تتابع الأحداث، يخرج من السجن بعد 4 سنوات فيعود للحارة، وتظهر الكاميرا تلك العودة على أن المكان هو نفسه، ثم تظهر زيارته ليلا للحارة حين يأتي للثأر من عليش، فيقال شخصا بريئا بالخطأ.

يستخدم المخرج الفلاش باك في حنين سعيد مهران لقريته، وهو داخل السجن، وهناك أي في السجن، يكتشف مهران تحولات رؤوف علوان.

لأن الفيلم طويل بلا داع، ساعتان وخمس دقائق، يلجأ المخرج للمطاردة والأكشن، ويبدو أنه ينجح جزئيا بذلك.

تأمل دلالة المقبرة التي يطل عليها بيت نور، بائعة الهوى، ثمة دلالات رمزيو هنا لها علاقة بالسياق العام، "كأنه ميّت"، ولربما له علاقة بفكر محفوظ عن الموت والحياة كما ذكر النقاد.

وأخيرا، هنا وفي بلاد كثيرة، لنتأمل شخصيات الفيلم ورسالته، ولنتأمل حالنا، سنجد أن الزمان يعيد دائرته في المكان، وأماكن كثيرة، والعبرة، ألا نستسلم لتكرار الدوائر، فلنا دور، وإن لم نقم به، فتلك سخرية أكثر عمقا وألما من عودة الدائرة من جديد، التي كانت في المرة الأولى مأساة.

هل كان نجيب محفوظ ينصح نفسه هنا؟ هل كان ينصحنا؟

الأدب والإعلام والسينما والتعليم كلها روافع لبناء إنسان جديد ووطن حرّ.

لا تتناقض بل تتكامل.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط