كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الفيل الأميركي والثعلب الإسرائيلي ومبررات التحالف بينهما

الفيل الأميركي والثعلب الإسرائيلي ومبررات التحالف بينهما

تاريخ النشر: 2024-06-06 | 11:00

لطالما ردَّدنا أنَّ القرارَ الأميركيَّ يخضع لهيمنة إسرائيل، هذا الطرح مألوفٌ في السَّردية السياسية العربية المليئة بالمبالغات، وأحياناً بالمغالطات. في المقابل، يزعم الساسة الأميركيون أنَّهم يدعمون إسرائيل لأنَّها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وهذا أيضاً ليس صحيحاً. أهمية الدولة اليهودية للولايات المتحدة في كونِها الحليفَ الاستراتيجيَّ لها في المنطقة، تتطابق مع سياستِها العليا وتعدّها رأسَ حربةٍ لها في الشرق الأوسط.

ما أكثرَ الدولَ الصديقةَ للولايات المتحدة في المنطقة! إلا أنَّ إسرائيلَ من قلة الدول المهمة لها استراتيجياً. علاقة المصالح لا تنفِي المؤثرات الأخرى التي تعزّزها مثل التشابه في الأنظمة السياسية والرابطة الدينيةِ واللوبي القوي.

علاقات القوى العظمى بالدول الأخرى غالباً معقدة ومتداخلة، ولا يمكن تفسيرُها بتبسيط يُخلُّ بالمعنى. لواشنطن علاقةٌ بإسرائيل عميقةٌ، فهي الحليف الأهم لها في المنطقة، لأسباب جيوسياسية، مثل حليفاتها كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا. تنحازُ وتساند أميركا إسرائيل، كما تساند حليفاتِها الثلاث في نزاعاتِها ضد الصين وكوريا الشمالية، مسخِّرةً أساطيل وقواعد عسكرية في البحر والجو ومجلس الأمن.

تبسيط العلاقة بتصوير أنَّ الولايات المتحدة فيلٌ مغرَّرٌ به تقوده دولةٌ صغيرة مثل إسرائيل يتجاهل الكثيرَ من المشتركات بين البلدين والديناميكيات السياسية الدولية. يمكن أن نستنكرَ، لكن لا يُفترض أن نستغرب، أن تهرعَ الولايات المتحدة في مجلس الأمن وتستخدمَ حقَّ النقض الفيتو ضد إدانة إسرائيل. الأمر نفسُه تفعله الصين وروسيا دفاعاً عن الحكومات القريبة منها، ضد إدانة إيران وكمبوديا ولاوس. في عامي 2017 و2018 أبطلت روسيا بالفيتو إدانةَ سوريا مراتٍ عندما استعملت الأسلحةَ الكيماوية خلال الثورة التي ماتَ فيها الآلاف. الصين استخدمت الفيتو للدفاع عن حلفائها مثل سوريا وميانمار و«حماس» وكوريا الشمالية.

الولايات المتحدة ترى في إسرائيلَ حيواناً شرساً لا يتردّد في خوضِ المعارك معها فجعلتها حليفتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط لأسباب جيوسياسية وعسكرية. وفي الوقت نفسه تعد واشنطن دولاً صديقةً، مثل السعودية، لكن لاعتبارات في مجالي السياسة والطاقة، في حين لعبت إسرائيل دوراً محورياً في خدمة سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تجلَّى خلال الحرب الباردة، ضمن الكتلةِ الغربية في مواجهة المحور السوفياتي.

لنبدأ من بدايات إسرائيل نفسها. عندما أعلنت الدولة اليهودية استقلالها في 14 مايو (أيار) 1948، سارعت الولايات المتحدة للاعتراف بها بعد 12 دقيقة فقط. كما سارعَ الاتحاد السوفياتي لإعلان اعترافه بإسرائيل، ليكونَ الأول في الأمم المتحدة في 17 مايو. لماذا تَسابق البلدان على كسبِ ودّ الدولة الجديدة؟ هناك مقولة بأنَّ الغربَ أقام إسرائيل تكفيراً عمّا حدث لليهود في المحارق النازية إبان الحرب العالمية الثانية، ربَّما صحيح جزئياً، لكن لا ننسى أنَّ إسرائيل كانت مشروع دولة تحت التأسيس على أرض فلسطين منذ نهاية القرن التاسعَ عشر خلال حكم الدولة العثمانية، ولم تكن حالة نادرة، هناك «دولتا» جنوب أفريقيا وأستراليا، مثل إسرائيل، أُسستا في مطلع القرن العشرين. قيام إسرائيل في 1948 أصبح تحصيلَ حاصل لهم. ثم قدم الغرب الدعم لإسرائيل تكفيراً عمَّا حدث لليهود أمام ناظرَيه، وكذلك لأنَّ الجاليات اليهودية وقفت مع الحلفاء في حربهم ضد دول المحور، في حين اصطفت القيادة الفلسطينية مع ألمانيا النازية. وحتى هذه الحسابات القديمة لا تكفي لاستمرار التحالفات التي تتغير مع متغيرات الجغرافيا السياسية. للعلم، الأميركيون فرضوا لاحقاً حظر تصدير السلاح إلى إسرائيل سعياً لوقف الاشتباكات في فلسطين، وفرنسا كانت البلد الوحيد الذي استمر يقدم الدعم العسكري لتل أبيب.

منذ الخمسينات، تصاعُد التنافس مع الاتحاد السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط دفع الأميركيين إلى استمالة الدول العربية لوقف التمدد الشيوعي. لهذا وقفت الولايات المتحدة مع مصر ضد إسرائيل وبريطانيا وفرنسا في مجلس الأمن وأدانت العدوان الثلاثي على سيناء. ثم أجبرت واشنطن الدول المعتدية على الانسحاب. هذه الحادثة التاريخية مهمة في فهم العلاقة المعقَّدة. فقد تآمر الإسرائيليون مع البريطانيين والفرنسيين على احتلال سيناء والسيطرة على قناة السويس، وبحكم فارق القوة الهائل كسبوا الحرب في تسعة أيام. والقليل ينتبه إلى أن الاحتلالَ دام خمسة أشهر. إسرائيل كانت غاضبة من واشنطن التي أجبرتها على الانسحاب من سيناء. لكنَّ الأميركيين بنظرة كونية أوسعَ كانوا حريصين على كسب مصر حتى لا تقع في أحضان موسكو. ولهذا جلبوا مساعداتٍ من البنك الدولي لمصرَ وتقديم القمح لها مجاناً ووافقوا على دعم بناء السد العالي. لكن لم يدمِ الحال عندما انحاز عبد الناصر للسوفيات.

الفيل الأميركي والثعلب الإسرائيلي

لم يفلحِ الغزلُ الأميركي والهدايا الكثيرة مع عبدِ الناصر حيث قرَّر الانحياز للسوفيات. لهذا عندما هاجمت إسرائيل سيناءَ، واحتلّتها ثانية في حرب 1967 لم تعترضْ واشنطن هذه المرة. إسرائيل دمَّرت بشكلٍ صاعق قدراتِ حليفي موسكو الأهم في المنطقة، مصر وسوريا. أثبتت تل أبيب أنَّها كلبُ أميركا الشرس، الذي نجحَ في تقزيم الدولِ الحليفة للسوفيات والمدّ الشيوعي في منطقة الشرق الأوسط المضطربة، وملأَ وجهَ المنطقة بالدمامل من حكوماتٍ أو جماعاتٍ مسلحة يسارية في اليمن الجنوبي وسوريا والعراق والسودان والصومال، ومصرَ طبعاً.

اتخذت أميركا إسرائيلَ قلعتَها وكلبَها. لهذا عندمَا وصلَ الساداتُ للحكم وجرَّب الحرب، اختار أخيراً التعاملَ مع واشنطن، معترفاً أن لا أملَ من حليفه السوفياتي، ومعلناً أنَّ 99 في المائة من أوراق الحل بيدِ واشنطن، التي قامت بالفعل بترتيبِ عودةِ سيناء لمصرَ والقناة، وفوقها مليار ونصف مليار دولار مساعداتٍ سنوية، لضمانِ ألَّا تعاود إسرائيلُ اعتداءَها على الجارة الكبرى.

وعندمَا بنى صدام مفاعلَه النوويَّ (تموز) ورفضَ نداءات واشنطن بالتخلّي عن المشروع أوعزت لإسرائيل التي قامت بتدميره.

ماذا عن إيران، الخصمِ الصعب؟ هناك تنسيقٌ مع واشنطن، ومصلحةٌ مشتركة جعلت إسرائيلَ في مواجهة إيران ولا تزال في حالة اشتباك معها منذ عام 1982 أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة.

وبطبيعة الحال، يجب الإقرار بأنَّ وجودَ إسرائيلَ واحتلالاتها تسبَّبا في الفوضى الإقليمية والتغول الإيراني، إنَّما هذه إفرازات متوقعة نتيجة وجود محاور متصادمة نشطة إقليمياً ودولياً. والذي يحول دون وقوع حربٍ كبرى مع إيران هي توازنات دولية وقواعد اشتباك متعارف عليها. فإسرائيلُ لن تتجرَّأَ على شنّ حربٍ على إيران، إلَّا برغبة أميركية، الأمر المستبعد حالياً، لنقل مثل حالةِ الكوريتين الجنوبية والشمالية. إيران لن تُقدمَ على شنّ حرب مباشرة على إسرائيل، ولن تسمحَ لوكلائِها بذلك إلَّا في نطاقٍ محدود، وما فعلته «حماس» في السابع من أكتوبر كانَ حالةً استثنائية، وليس معروفاً إن كانَ متعمداً أم أنَّ الهجومَ خرج عن السيطرة. وكذلك الهجمة اليتيمة التي شنَّتها إيران مباشرةً في 13 أبريل (نيسان) الماضي بعد استهداف قنصليتها في سوريا وقتل إسرائيل لقيادات إيرانية، وكانت مبررة. البلدان في حالةِ حربِ استنزاف لعقود، وكلاهما قادرٌ على تحمّل الخسائر.

لعبت إسرائيلُ، ولا تزال تلعبُ دورَ العسكري للولايات المتحدة لأكثرَ من 70 عاماً، ولا يمكنُنا اختزال طبيعة العلاقة بين البلدين بتصوير الأميركي فيلاً ساذجاً والإسرائيليين ثعالبَ ماكرة. ففي هذا تبسيطٌ لطبيعة العلاقة التي أثبتت مع الوقت عمقَها. وهذا لا ينفي أنَّ السياسات الإسرائيليةَ أحياناً تُلحق أضراراً بالمصالح الأميركية وتتناقض معها. حتى مع الحبّ الأميركي الطويل لها، تخشى إسرائيلُ من أن تبيعَها الولاياتُ المتحدة في ليلة مظلمة. وما فعله الرئيس الأميركي الأسبق أوباما عندما فاوضَ ووقَّع اتفاقَه الشامل في عام 2015 مع إيران، عدّته إسرائيلُ خيانةً، وعملت على تخريب الاتفاق ونجحت. إسرائيلُ تتوسَّد ترسانةً من الأسلحة المتقدمة، وما يكفي من الرؤوس النوويةِ كضمانةٍ ولإخافة من يهدّدُها لو تخلَّت عنها الولايات المتحدة. وهناك العديد من الشواهد على أنَّ علاقة الحليفين ليست دائمة سعيدة. فالولايات المتحدة أرغمت إسرائيلَ على وقف تصدير أسلحتِها المتقدمة للصين، خشيةَ تسريبِ التقنية الحديثة ممَّا أغضبَ الإسرائيليين، الذين يعدّون الصينَ سوقاً مهمة، ولهم حضورٌ كبير، فعلاوة على سفارتهم في بكين، هناك 4 قنصليات إسرائيلية في أنحاء الصين! والصينيون تهمُّهم العلاقةُ مع إسرائيل حيث استثمروا في العقد الماضي فيها أكثرَ ممَّا أنفقوه في أي دولة عربية. وسبق لواشنطن أن عاقبت شركاتٍ وأفراداً محسوبين على إسرائيل، مثل جوناثان بولارد، الذي أودعَ السجنَ 30 عاماً بتهمة التجسس للدولة اليهودية، ورفض كل الرؤساء الأميركيين استجداءاتِ إسرائيلَ منحَه العفو، وبعد أن أكملَ محكوميته استقبله نتنياهو شخصياً على أرض المطار.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط