كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

«القاعدة» في سورية... مولود النظام وعدوه الذي يرتجيه

للنظام في سورية قدرة شيطانية على إنتاج الجماعات التكفيرية، أو ربما الأصح على توظيفها في برامجه. ومناسبة هذا الكلام معاودة مثقفين وكتاب سوريين مناقشة هذا الأمر، والنظر فيه انطلاقاً من مجريات ميدانية جديدة. ولعل أبرز هذه المجريات الهزيمة التي ألحقتها «جبهة النصرة» بجيش النظام في إدلب، وهنا تقدم السؤال: كيف يُمكن النظام أن يساهم في إنتاج جماعة ألحقت به هزيمة؟ وهل يصح الاعتقاد أن «النصرة» تعمل في خدمة النظام؟ وهذان السؤالان، وإن نمّا عن سذاجة في فهم كلا الجماعتين (النظام والنصرة) إلا أنهما يصلحان كبداية لاستدراج ذاكرة ليست بعيدة محشوة بالوقائع الدالة في سياق العلاقة بين الجماعتين.

لا يمكن التأريخ للعلاقة المعقدة بين النظام السوري والجماعات التكفيرية من دون العودة إلى ظاهرة «فتح الإسلام» في لبنان. ذاك أن «فتح الإسلام» تم تقميشها بالكامل في دمشق، وهي أدت وظيفة بالغة الأهمية للنظام السوري ولحلفائه اللبنانيين حينذاك، من دون أن تتمكن القوى المناوئة لهذا المحور من تبديد روايته الركيكة حول هذه الجماعة. فقد تحولت «فتح الإسلام» أيقونة تكفيرية وُضعت في رقبة خصوم النظام السوري اللبنانيين، وهم كما أقرانهم السوريون ارتبكوا بها وتصدعت صفوفهم نتيجتها.

صناعة «فتح الإسلام» جرت بمقدار كبير من الذكاء، واستعين خلال اختراعها بخبرات هائلة حصّلها النظام السوري خلال عقود من العمل الميداني مع هذه الجماعات اضطهاداً وتوظيفاً وتغطية. وهنا علينا العودة إلى ما قاله مسؤول «حركة فتح الانتفاضة»، الجماعة الموالية للنظام السوري في شمال لبنان، أبو ياسر ديب للصحافي نير روزن، في مقابلة كاشفة على نحو غير مسبوق لمجريات عملية إنتاج «فتح الإسلام»، علماً أن ديب ما زال مسؤولاً عن «فتح الانتفاضة» إلى اليوم، وهي ما زالت في حضن النظام السوري، وما قاله لم يأت في سياق مراجعة وظيفتها إدانة النظام.

والحــــال أنه لــــيس لدى النظام في سوريــــــة أي وهم بأن هذه الجماعات ستبقى في حظيرته بعد تهيئته الظروف لإطلاقها، ذاك أن وظيفتها تتمثل في خروجها من هذه الحظيرة وتحولها عدواً له. هذا ما جرى تمـــاماً مع «فتح الإسلام». الانطلاقة كانت أيضـــاً من سجون النظام، حيث كان شاكر العــــبسي محكوماً بالسجن لمدى الحياة. ثـــــم جـــرى ما جرى، وأهدى النظام في سورية لحلفائه اللبنانيين عدواً جعلوا يلصقونه بخصومهم، وهم نجحوا بذلك إلى حد بعيد.

هذه الخبرة هي كنز النظام وسلاحه الأكثر فاعلـــية في وجه خصومه اليوم. وهؤلاء بدورهم يبـــدون عجزاً يفوق عجز أقرانهم اللبنانيين خلال تخبطهم بـ «فتح الإسلام». ثم إن القول بمسؤولية النظام عن إنتاج هذه الجماعات لا يعني إطلاقاً أن المجتمعات والبيئات المعارضة لا تملك قابلية احتضان لها. هنا يكمن الذكاء الشيطاني للنظام، أي في معرفته واختباره مدى قابلية جماعة مثل «النصرة» و «فتح الإسلام» على العيش والتطـــور فـــي مجتمعاتنا المنهكة والمتنازعة وغير المنسجمة. أطلق «فتح الإسلام» حينذاك وراح «المجاهدون» من أصقاع الأرض يقصدون الإمارة المستجدة في شمال لبنان. وهؤلاء أعداء النظام في سورية وليسوا حلفاءه، لكن قدومهم لا يخدم سواه.

لهذا الكلام وقائع صلبة تؤكده ولا تقبل الشكوك. كما أن مجريات تكررت عشرات المرات في كل محطة من محطاته. الخطاب الذي يتبلور وفق مقتضياته واحد. ودائماً ينجح النظام في سورية في تقديم نفسه وحلفاءه بصفتهم منقذاً من الاحتمالات التكفيرية.

لا يمكن جهة أن تستفيد من نقل الثورة في سورية إلى حرب أهلية إقليمية أكثر من النظام. هذه المهمة ما كان يُمكن أن تتحقق له من دون وجود عدو مثل «النصرة» ولاحقاً «داعش» وما حولهما من جماعات أصغر مثل «أحرار الشام» و «جيش الإسلام». وإضافة إلى أن الأمراء السوريين لهذه الجماعات هم من المفرج عنهم من السجون السورية، فهم أيضاً ممن التحقوا متأخرين بمنازعة النظام، ومعظمهم دخل سجونه بعدما أدى وظائف «جهادية» خارج سورية، ضمن جماعات سهل النظام طريقها إلى العراق.

أن تكون «النصرة» قد هزمت النظام في إدلـــب فهذا ليس مؤشراً إلى براءتها أو إلى «نقاء» نشأتها. فالنظام هناك كان سيُهزم، وهــــو اختار أن يُهزم من طريق «النصرة» لا مـــــن طريق جماعة كان سيؤسس نصرُها عليـــــه لمستقبل مختلف لسورية. ثم إن نصر «النـــصرة» في إدلب هو طريق الحرب الأهلية التي اختارها النظام، فيما نصر جماعة غيرها ربما كان طريقاً لمستقبل مختلف.

لا بد من مراجعة خبرات النظام في سورية مع الجماعات التكفيرية حتى نفهم ما يجري اليوم في سورية. فقد أمضت مخابراته سنوات طويلة في العلاقة مع هذه الجماعات. لبنان والعراق وسورية كانت ساحات لهذه العلاقة، وفي الوقت الذي تولى النظام توظيفها، كانت هي أيضاً تختبر آليات العلاقة معه. هي تعرف أنه ليس مخلصاً لها إلا أنها تعرف أيضاً مقدار حاجته إليها. لا تُمانع في أداء وظائف له، وتخوض في الوقت نفسه حروباً دموية معه. التعاون بينهما بلغ ذروته في سنوات «الجهاد» في العراق، ثم صارت هدفاً للنظام بعدما عقد صفقته مع الأميركيين بعد 2009.

وفي هذه الأثناء تأسس خطاب «الحرب على التكفير». النظام يُدرك قابلية خصومه غير التكفيريين للسقوط في أفخاخه. فتيار المستقبل في لبنان التبست عليه «فتح الإسلام» فسهُل اتهامه بها، على رغم البدايات «الممانعاتية» الواضحة لهذه الجماعة. فهي تسللت إلى لبنان تحت جنح «حزب الله»، وفي بدايات «فتح الإسلام» رفع أمين عام «حزب الله» إصبعه المعهودة متوجهاً للجيش اللبناني قائلاً: «مخيم نهر البارد خط أحمر». ولاحقاً صار «المستقبل» هو المتهم.

اليوم يجري الأمر نفسه مع «النصرة» و «داعش». وتسقط المعارضة السورية في الفخ نفسه، لكنها تدفع أثماناً أكبر، في حين ينعم النظام بعدوّ يساعده في تحويل سورية إلى موطن حرب لا يبدو أن ثمة أفقاً لنهايتها، وبالتالي لنهايته.

أليس هذا كافياً للقول أن «النصرة» و «داعش» وغيرهما من الجماعات المشابهة لهما هي أبناء النظام.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط