كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القانون والتعهد والأزمة

القانون والتعهد والأزمة

تاريخ النشر: 2019-02-06 | 14:53

في حمأة وإحتدام التنافس بين مكونات اليمين واليمين الصهيوني المتطرف على إستقطاب اصوات المقترعين الإسرائيليين تحتل مسألة الإستيطان الإستعماري، وتكثيفها في أراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، وإستباحة الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية أولوية في الخطاب الأيديولوجي والسياسي لها، حيث لا يمكن فصل المعركة الآنية (الإنتخابات) عن الهدف الإستراتيجي للحركة الصهيونية، وقاعدتها المادية إسرائيل الإستعمارية، لا بل هناك تكامل عميق بينها. 

وفي قراءة سيوسولوجية لصعود المشروع الصهيوني الكونيالي الإجلائي والإحلالي، لاحظنا مرحلة نشوء وتأسيس دولة إسرائيل عام 1948، وإعتمادها على ثلاثة عوامل: اولا الدعم والإسناد الغربي الرأسمالي للمشروع الصهيوني، وتأمين قواعد الإرتكاز السياسية والقانونية (وعد بلفور، تأمين الهجرة والإستيطان، والإسهام في بناء القاعدة المادية الصناعية والزراعية، وقلب المعايير والحقائق رأسا على عقب بين الشعب صاحب الأرض والوطن الفلسطيني، وبين المستعمرين الجدد، ومنحهم الأفضلية والأولوية، لدرجة ان الشعب العربي الفلسطيني تم ذكره كأقلية دون تسميته، ثم قرار التقسيم نوفمبر 1947، وقيام إسرائيل على انقاض النكبة عام 1948)؛ ثانيا تلازم ذلك مع تأسيس نواة جيش الإستعمار الإسرائيلي من مجموع المنظمات الإرهابية الصهيونية المعروفة للجميع، وارتكاب سلسلة من المجازر لإقتلاع الشعب العربي الفلسطيني عبر سياسة التطهير العرقي الصهيونية؛ ثالثا تواطىء النظام السياسي العربي آنذاك مع الغرب والحركة الصهيونية. مما هيأ الشروط لنشوء إسرائيل، ولم تقتصر حدودها على ما نص عليه قرار التقسيم، بل تمددت مساحتها لتصل إلى 78% من مساحة فلسطين التاريخية. 

تلا ذلك مرحلة جديدة من المشروع الصهيوني تمثلت في الآتي: تثبيت شرعية إسرائيل في الجيو بوليتك الأقليمي؛ تعزيز قدراتها وإمكانياتها الإقتصادية، وتطوير قوتها العسكرية؛ ومواصلة إستقطاب المستعمرين الصهاينة من مختلف بقاع الأرض وخاصة من الدول العربية؛ بالتلازم مع تعميق سياسة التمييز العنصري والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين العرب حتى هزيمة العرب في حرب حزيران 1967. مما منح الدولة الصهيونية تأكيد الذات من خلال الحروب، وأعطى جيشها صورة سوبرمانية بدعم جلي من دول اوروبا وأميركا. 

ما بين 1967 و1993 تعزز الإستيطان الإستعماري الصهيوني في أراضي دولة فلسطين المحتلة عموما والقدس العاصمة الفلسطينية خصوصا إستنادا إلى الأبعاد الأمنية والإقتصادية والدينية والأيديولوجية، فتنامى الإستيطان بشكل ملحوظ، وإشترك في العملية كل من حزب العمل بشكل خاص حتى 1977، ثم حزبي العمل والليكود بعد ذلك، وتلا ذلك صعود اليمين واليمين المتطرف من كل الوان الطيف الصهيوني بما في ذلك الحريديم المتزمت. 

غير ان مرحلة مؤقتة حصل فيها تراجع نسبي في مسار وصعود المشروع الصهيوني، تمثلت في الإنتفاضة الكبرى 1987/ 1993، والتوقيع على إتفاقية أوسلو. إلآ ان الكمون والمراوحة المحدودة لم تدم طويلا، لإن المطبخ الإستراتيجي الصهيوني لم يقبل فكرة وجود دولة فلسطينية ما بين البحر والنهر، وجرى التحريض على رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، إسحق رابين، وتم إغتياله باكرا عام 1995، كإنذار لكل صهيوني يفكر بإمكانية التساوق مع اية تسوية سياسية. ولذا تعاملت القوى الصهيونية المختلفة وخاصة اليمين واليمين المتطرف على القتل البطيء لإتفاقية أوسلو، وما أن جاءت الإنتفاضة الثانية 2000و 2005 حتى تغيرت الكيفية، التي تعاملت فيها القوى الصهيونية مع القيادة والمشروع الوطني الفلسطيني، رغم تفكيك المستعمرات من قطاع غزة سبتمبر 2005، التي لم تكن سوى مناورة لإستباحة مظاهر السلطة الوطنية الفلسطينية، والعمل بالتعاون مع قوى محلية على إضعافها، وشل قدراتها، حيث جرى العمل بشكل حثيث لفصل القطاع عن الصفة عبر الإنقلاب الأسود لحركة حماس على حساب الشرعية الوطنية اواسط 2007. وفي ذات الوقت، تصاعد الإستيطان الإستعماري بشكل غير مسبوق مع تولي الليكود رئاسة الحكومات المتعاقبة، وتعزيز تحالفه مع اليمين المتطرف والحريديم.

وباستثناء فواصل زمنية متقطعة برز فيها إمكانية بناء ركائز تسوية زمن حكومة أولمرت 2006/2009، غير انها سرعان ما إنتهت. وتوالى صعود مضاعف للمشروع الكولونيالي الصهيوني بسن سلسلة من القوانين العنصرية في دورات الكنيست ال18 و19 و20، والتي تجلت بوضوح في المصادقة على قانون "القومية ألأساس"، الفاشي، الذي نفي اي حق للفلسطينيين بتقرير المصير على اي جزء من ارض وطنهم الأم فلسطين، وحصر الأمر بالصهاينة اليهود. وبالتالي لم يعد خيار حل الدولتين قائما في الفكر السياسي الصهيوني. 

ومع صعود اليمين الأميركي، ووصول الرئيس ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية، وإعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل نهاية 2017، ونقل السفارة مايو 2018، وغيرها من القرارات المعادية للحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، تجرأت حكومة نتنياهو الأخيرة (الرابعة والحالية) على نفض يدها من فكرة التسوية السياسية، وآخر ما تفتقت عن العقلية الإستعمارية الإسرائيلية، هو إصدار تعهد من قبل عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست، أكدوا فيه على مضاعفة الإستيطان في الضفة الفلسطينية والقدس العاصمة وصولا لتركيز مليوني مستعمر فيها على حساب الشعب العربي الفلسطيني، حسب ما ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الثلاثاء الموافق 5/2/ 2019. 

لكن هذا الخيار هل هو قابل للتحقق؟ أم انه سيصطدم برفض قطاع واسع من اليهود في العديد من دول اوروبا واميركا الشمالية وغيرها من تلبية نداء الحركة الصهيونية؟ وهل الشعب العربي الفلسطيني سيرضخ للمشيئة الإستعمارية الإسرائيلية، ويبقى واقفا ومستسلما، أم انه سيرد الصاع صاعين للمخطط الإستعماري؟ وهل إسرائيل جاهزة لخيار الدولة الواحدة، أم ستلجأ لسياسة الترانسفير والتطهير العرقي للكل الفلسطيني داخل حدود فلسطين التاريخية؟ وإذا ما تم السير قدما في خيار اليمين الصهيوني، وتم تصفية السلطة الفلسطينية، هل ستكون دولة إسرائيل واجهزتها الأمنية وكل مركباتها السياسية والقانونية والإقتصادية والدينية الحريدية قادرة على مواجهة التحديات الجديدة، التي ستكون اصعب وأعقد من كل المراحل، التي مرت بها الدولة الكولونيالية؟ 

يبدو ان القيادة الصهيونية الحاكمة تقرأ التطورات من زاوية أحادية الجانب، من رؤيتها هي للواقع، دون قراءة الرؤية الفلسطينية، والإبتعاد عن فهم ومعرفة حدود المرونة السياسية، والقدرة الكفاحية الفلسطينية الكامنة، والمؤهلة في كل لحظة على قلب الطاولة على رأسها. لإن كل عمليات التطهير العرقي الصهيونية، لن تتمكن من طرد الفلسطينيين، لإنهم تعلموا درسا تاريخيا عدم ترك أرض وطنهم الأم مهما كانت التضحيات، وعدم التنازل عن الحد الأدنى من حقوقهم الوطنية المتمثلة بإستقلال دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194، والمساواة الكاملة لإبناء الشعب في داخل ال48. وهو ما يضع القيادة الصهيونية بمركباتها الأيديولوجية والسياسية والعسكرية والإقتصادية في أزمة عميقة، لاحل لها من حيث المبدأ إلآ الذهاب إلى احد خيارين لا ثالث لهما: أما التمسك بخيار حل الدولتين، والعودة لتأصيله، وهو الأقل ضررا، وأما الدولة الواحدة، وعندها مطلوب منها تغيير كل معادلاتها ومخططاتها، لإن آفاق المشروع الصهيوني سيكون نحو الأفول والإندثار، لإنه سيصطدم بالبعدين الديمغرافي والسياسي والقانوني وحتى الأمني. خاصة وان الشروط ستختلف، والمعادلات السياسية لن تبقى كما هي عليه الآن، والعالم يسير تدريجيا نحو التغيير، والعرب لن يبقوا في دائرة التراجع والإنكفاء والهزيمة. والمستقبل كفيل بالجواب على الصهيونية وخياراتها العدمية والإرهابية.      

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط