كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القتل والإعدام في الفكر والممارسة الصهيونية الإسرائيلية

القتل والإعدام في الفكر والممارسة الصهيونية الإسرائيلية

تاريخ النشر: 2026-04-01 | 12:52

يُشكّل تحليل ظاهرة القتل والإعدام الممنهج في الفكر والممارسة الصهيونية والإسرائيلية مدخلاً مهمًا لفهم البنية العميقة للصراع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي. هذه الممارسات لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد ردود فعل ظرفية أو تدابير أمنية مؤقتة، بل هي جزء من منظومة فكرية وسياسية متكاملة، ارتبطت منذ نشأة المشروع الصهيوني بفكرة الحسم القسري وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي في فلسطين.
تهدف هذه المقالة المختصرة؛ اإلى تقديم قراءة تحليلية تربط بين المرجعيات الفكرية والدينية وبين التطبيق العملي الذي تجسّد في سياسات القتل والإعدام كسلوك وممارسة لدى دولة الاحتلال عبر مراحل تاريخية مختلفة.
يعتبر العنف في الفكر والممارسة الصهيونيين قديماً قدم اليهودية، وقد تركّزت قواعده الأولى منذ أن كان الوعد الإلهي المزعوم بمنح خصوصية "شعب الله المختار" للشعب اليهودي بالذات دون سواه من سائر بني البشر. وفي هذا المجال يقول الدكتور حسن ظاظا: "قد يستطيع الإنسان تزييف الحقائق، وقد يسهل عليه أن يكذب ويكذب حتى يصدّق هو نفسه كل أكاذيبه، وينسى أنه مخترعها الأصلي، ولكن مع ذلك يبقى دائماً شيء واحد: الكلمة المكتوبة منذ آلاف السنين والآثار التي تحدّد بالضبط عمر الأشياء وعمقها، ومخطوطات التاريخ التي تظل دائماً المرجع وكلمة الصدق الوحيدة التي لا تميل مع أهواء البشر، وحتى إذا حدث ومالت، فبين سطورها تستطيع الحقيقة دائماً أن تجد مكاناً لها".
ويتابع قائلاً: "عدونا الإسرائيلي حاول كثيراً أن يزيف ويخدع ويبتزّ العواطف والأموال والمعونات. وما يزال يفعل ذلك متجاهلاً وناسياً أن مخطوطاته هو وآثاره وتلموده وكتب تفسيره تروي بلغته العبرية حكايات وحكايات تفضح كل محاولاته... تفضح وجوده وتاريخه وتراثه وحقّه المدّعى في الأرض المغتصبة".
وعندما تبنّت الإيديولوجيا الصهيونية المسلّمات اليهودية وجعلتها إحدى مرتكزاتها الأساسية، كرّست نهج القوة كوسيلة وحيدة لتحقيق أهدافها، وجعلت استخدام القتل والإعدام أداتها الحتمية. فلكي تتحول المقولات الفلسفية والنظرية إلى وقائع على الأرض، لا بد من استخدام أقصى قدر من العنف والقسوة والبطش، باعتبار أن "قوة التقدّم في تاريخ العالم ليست للسلام بل للسيف"، كما يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "مناحيم بيغن".
الإيمان بـ"الشعب المختار" في الفلسفة الدينية اليهودية والفلسفة السياسية الصهيونية يقود حتماً إلى استخدام أساليب العنف مع الآخر الأضعف، إذ لا يمكن تحقيق دولة يهودية نقيّة أو العودة إلى ما يسمى بـ"أرض الميعاد" دون ممارسة العنف والاغتصاب. وقد عبّر عن ذلك زئيف جابوتنسكي بقوله: "هل رأيتم على مدى الزمن شعباً يعطي بلده بمحض إرادته؟ وعرب فلسطين كذلك لن يتخلوا عن سيادتهم من دون استخدامنا القتل ضدهم”.
وغي إطار هذا الفكر يقول بيغن: "لقد قامت دولة إسرائيل بالدم والنار، بالإكراه والتضحيات، ولم تكن لتقوم بغير ذلك، ولكننا لم ننته بعد، يجب أن نحارب ونكمل قتالنا"، مؤكداً أن إقامة ما يسمى "إسرائيل الكبرى" أو "الإمبراطورية الإسرائيلية اليهودية" لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال سحق الآخرين، وهم في هذه الحالة الفلسطينيون والعرب، وإلغاء وجودهم، وأنه “من العبث القول بالمشاركة والتعايش".
تلعب النصوص التوراتية والتلمودية دوراً محورياً في تبرير القتل الممنهج تجاه "الغوييم" أي الغرباء، وتبيّن أن ما تنفذه الدولة اليهودية الصهيونية ليس سوى تطبيق عملي لما توحي به هذه التعاليم. وهناك مجموعة من الأمثلة والنماذج المستمدة من النصوص المشار اليها نفسها.
فقد جاء في سفر أشعيا: "بقيت أرض للإمتلاك كثيرة جداً، كل بقاع الفلسطينيين، وكل أرض الكنعانيين، الى تخوم الأموريين، وأرض الجبليين، وجميع لبنان، جهة مشرق الشمس، من بعل جاد حتى جبل حرمون الى مدخل حماه، كل سكان الجبل من لبنان الى مياه حشرفوت، كل الصيدونيين سأطردهم من وجه بني إسرائيل". وجاء في التلمود: "أهل الغَرلة (الذين لم يُختنوا من المسيحيين) وثنيون... وإناس من دون إيمان، لا ذمة لهم ولا ذمام، وأهل الختان من الاسلام لا يشذّون عن هذه القاعدة فهم ليسوا أخياراً... وكما أن الإنسان يعلو البهيمة كذلك اليهود هم أرفع من شعوب الأرض لأن نطفة الغرباء كنطفة الحصان”.
وتبلغ النصوص التوراتية ذروة التطرف حين تحضّ على استباحة بلاد الأمم وسفك دمائهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، كما في سفر التثنية 20/10: "اذا تقدّمت إلى مدينة لتقاتلها فادعها أولاً إلى السلم، فاذا أجابتك الى السلم وفتحت لك، فجميع الشعب الذي فيها يكونون لك تحت الجزية ويتعبّدون لك. وان لم تسالمك بل حاربتك فحاصرها، وأسلمها الرب إلهك الى يدك، اضرب كل ذكر بالسيف، وأما النساء والأطفال وذوات الأربع وجميع ما في المدينة من غنيمة فاغتنمها لنفسك وكل غنيمة أعدائك التي أعطاكها الرب إلهك”.
لعبت المنظمات الصهيونية دوراً أساسياً في تنفيذ الإعدامات قبل عام 1948م، غلى سبيل المثال لا الحصر: مثلت "الهاغاناة" وتعني بالعبرية الدفاع، تأسست في القدس في عام 1920م، كانت تمثل كبرى المنظمات الصهيونية المسلحة، ترعرعت المنظمة خلال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين, ومكّنت الييشوف "الاستيطان" من إقامة الدولة اليهودية عام 1948م، ولعبت دوراً في مواجهة الانتفاضة الوطنية للشعب الفلسطيني في عام 1921م، خصوصا،ً في منطقة يافا وضواحيها، ومدينة القدس، وشاركت في مواجهة الهبات الفلسطينية الأخرى خلال الأعوام 1926- 1929م وشكلت بعد ذلك اللبنة الأساسية للجيش الإسرائيلي. وكذلك، منظمة الحارس الفتي "هاشومير هاتسعير” التي تأسست عام 1913م، وتلقّت التدريب على السلاح، وكان شعارها "بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستنشأ يهودا"، ولعبت دوراً في مواجهة الانتفاضات الفلسطينية بين 1921-1929م، وأقامت مستوطنات شبه عسكرية خلال الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939م. وأيضاً منظمة "آتسل" وهي اختصار للعبارة العبرية "إرجون تسفاي ليومي بإرتس إسرائيل" أي المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل تأسست عام 1931م، ونفذت أعمالاً انتقامية وإعداماتميدانية ضد الفلسطينيين، من بينها اقتناص وقتل ونصب كمائن وتفجيرات في المدن العربية. كما قامت "منظمة ليحي" وهي اختصار للعبارة "ليحي حيروت يسرائيل"، أي المحاربون من أجل حرية إسرائيل، أسسها المتطرف "أبراهام شتيرن" عام 1940م، ونفذت عمليات إعدام لعشرات الفلسطينيين، وزرعت قنابل موقوتة، أبرزها تفجير مبنى السرايا في يافا 1948م. وأيضاً "منظمة بيتار" وهي منظمة شبابية أسسها الفاشي "زئيف جابوتنسكي"، نفذت مذبحة في مدينة اللد 1948م بقيادة "مناحم بيغن". أما "منظمة البالماخ" وتعني القوة الضاربة، فقد نفذت عمليات إرهابية وإعدامات ميدانية ضد القرى العربية أثناء حرب 1948م، بما في ذلك ترحيل السكان وتنفيذ مجازر في قرية سعسع ويزور، بقيادة المجرم "إيغال إيلون".
وفي إطار هذه الفلسفة، يشير المؤرخ الإسرائيلي "بني موريس" إلى وقوع عشرات المجازر ضد الفلسطينيين في أذار/مارس ونيسان/أبريل من العام 1948م، منها:
- انتهاك أعراض النساء الفلسطينيّات في عكا ويافا والجليل، وفق أوامر قائد لواء كرياتي. وتنفيذ حوالي 24 مذبحة في دوايمة، صلحة، دير ياسين، اللد، أبو شوشة، يافا، الجش، عيلبون، عرب المواسي، دير الأسد، مجد الكروم، وسعسع، تحت توجيهات الطرد التي أصدرها "ديفيد بن غوريون".
- عملية داني: هي نموذج آخر من نماذج المذابح والتطهير العرقي خلال عام 1948 حيث أصدر قائد الجبهة الشمالية "موشيه كرمل" أمراً إلى وحداته بتسريع عملية إخراج السكان العرب, وكانت التعليمات من غوريون مباشرةً, أما طرد سكان مدينة اللد فكانت بناءً على أوامر من اسحق رابين مباشرةً.
عموماً، إن اعترافات بني موريس تمثل قدر محدود من الحقائق العسكرية وعمايات القتل والاعدام والتهجير التي تم تنفيذها ضد السكان الفلسطينيين خلال أحداث عام 1948م وما بعدها، وهدفها "التنظيف" أي تطهير القرى والمدن العربية من سكانها العرب.
وفي إطار هذه السياسة، يُفهم القتل والإعدام بوصفهما جزءًا من منظومة أوسع للضبط والسيطرة، تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني والسياسي. فالعنف لا يؤدي فقط إلى إقصاء الأفراد المستهدفين، بل يسهم أيضًا في خلق حالة من الردع الجماعي، وتثبيت سيطرة القوة من خلال بث الخوف وعدم اليقين داخل المجتمع الفلسطيني.
باعتقادي، أن القتل والإعدام في السياق الصهيوني، ليسا مجرد ممارسات عابرة، بل مكوّنًا بنيويًا في مشروع استيطاني قائم على القوة. ومن خلال الربط بين المرجعيات الفكرية والتطبيقات التاريخية، يتضح أن هذه السياسات شكّلت أداة مركزية في إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في فلسطين. وبالتالي، فإن فهم هذه الظاهرة يتطلب مقاربة نقدية شاملة تأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي، والشهادات الميدانية، والقراءات القانونية، بما يعزز حضور الرواية الفلسطينية في الحقل الأكاديمي.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط