كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القدس الشرقية تحت وطأة الجمود

القدس الشرقية تحت وطأة الجمود

تاريخ النشر: 2025-10-22 | 15:25

بين ركود الاقتصاد وتصلب السياسة… المدينة تدفع ثمن الحرب بصمت

تتوقف عقارب الساعة في القدس الشرقية، ليس إيذانًا بانتهاء مرحلة الصراع، بل لاستيعاب الثقل التاريخي للأيام الماضية التي عصفت بالمنطقة منذ اندلاع الجولة الأخيرة من الحرب. ومع الحديث عن تنفيذ المرحلة المركزية من اتفاقات وقف إطلاق النار، يجد المقدسيون أنفسهم أمام مشهد أعادت الحرب تشكيله بقسوة، تاركة ندوبًا عميقة لا تُمحى بمجرد توقف القذائف. إن ما يجري في الأراضي الفلسطينية، وغزة على وجه الخصوص، يجد صداه الأعمق في نبض هذه المدينة العتيقة التي تُعدّ دائمًا مقياسًا لحرارة الصراع وعمقه.

لقد كان العامان الماضيان بمثابة زلزال اقتصادي واجتماعي لأهالي القدس الشرقية. الأرقام لا تكذب، فإغلاق ما يقرب من 450 شركة في السوق المقدسي، إلى جانب التجميد شبه الكامل للنشاط التجاري بسبب الاختناق السياحي والأمني، ليس مجرد إحصائية عابرة، بل انهيار مادي ومعنوي حقيقي لآلاف العائلات. ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وتحولت الشوارع التي كانت تضج بالحياة إلى ممرات خاوية يطاردها شبح الضائقة المعيشية. هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة باتت أداة ضغط غير مباشرة لكنها فعالة، تعمل على تعميق اليأس ودفع شرائح واسعة من المجتمع المقدسي نحو حافة الهاوية.

ولا يقتصر المشهد على الانهيار الاقتصادي فحسب، فمع الوجود الأمني الإسرائيلي المكثف الذي بدأ في أواخر عام 2023 ولم يُظهر أي بوادر للتراجع، تحولت القدس الشرقية إلى ما يشبه الثكنة المحاصرة بصريًا وماديًا. الأسوار الحديدية ونقاط التفتيش الجديدة لم تعد مجرد إجراءات أمنية، بل رموزًا لتقييد الحركة وخنق الحياة اليومية، تُغذي الشعور الدائم بالاضطهاد وتزيد من الفجوة بين المقدسيين ومحيطهم. هذا التضييق الممنهج هو الوجه الآخر للحرب، يُمارَس ببطء وثبات لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للمدينة وتقييد وجود أهلها الأصليين.

وفي المقابل، أنهت مفاوضات شرم الشيخ جولتها المركزية في منتصف أكتوبر الحالي بعد أيام من المداولات المكثفة، لتخرج باتفاق تهدئة مرحلي يشمل ترتيبات أمنية وإنسانية، وفتح قنوات لإعادة إعمار غزة تحت إشراف مصري وأممي. ويُنظر إلى الاتفاق على أنه أول خطوة عملية نحو تثبيت الاستقرار ووقف دوامة التصعيد التي أنهكت المدنيين في القطاع. وقد حظيت القاهرة بإشادة دولية لدورها في تحقيق هذا التقدم، الذي اعتُبر اختراقًا سياسيًا مهمًا في بيئة مشبعة بالتوتر وانعدام الثقة.

ومع بدء تنفيذ المرحلة المركزية من الاتفاق، يواجه الفلسطينيون — لا سيما في القدس — سؤالًا مفتوحًا حول مدى قدرة هذه التفاهمات على التمدد لتشملهم، أو ما إذا كانت ستبقى حبيسة الجغرافيا والسياسة في غزة وحدها.

في ظل هذه التطورات، يطرح المقدسيون سؤالهم المشروع: متى تبدأ مفاوضات إعمار القدس؟ فهذه المدينة لا تحتاج إلى إسمنت وحديد بقدر ما تحتاج إلى إزالة الجدران وتخفيف القبضة الأمنية لتعود إليها الحياة. إن غياب الملف المقدسي عن طاولات المفاوضات الإقليمية يكشف أن جذور الصراع لا تُعالج بالعمق المطلوب، وأن أي حل لا يضع القدس في قلب النقاش محكوم عليه بالبقاء ناقصًا ومؤقتًا.

في خضم هذا المشهد المأساوي، يظل التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين هو استدامة الصمود والبحث عن استراتيجية واقعية تحفظ ما تبقّى من الثوابت. الحرب الأخيرة أثبتت أن كلفتها تقع بشكل غير متناسب على كاهل المدنيين، وأن أي حلول مؤقتة لا تُعالج جذر المشكلة — المتمثل في استمرار الاحتلال والحصار — ستعيد الدمار من جديد. وحتى حركات المقاومة التي أثبتت حضورها الميداني بحاجة اليوم إلى مراجعة سياسية توازن بين صمود الميدان وضرورات حماية المدنيين وتخفيف المعاناة اليومية.

الأمل اليوم لا يأتي من الوعود بقدر ما ينبع من جدية التحركات الجارية على الأرض. فالمجتمع الدولي، بوساطة مصرية فاعلة، أنجز خطوة مهمة في تثبيت التهدئة وتهيئة مناخ يسمح بإعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد الفلسطيني. ويبقى التحدي الأهم هو ضمان تنفيذ الاتفاقات بروح من المسؤولية والاستمرارية، بحيث تمتد آثارها إلى القدس الشرقية التي ما زالت تنزف اقتصاديًا وإنسانيًا.

لقد آن الأوان لأن تكون القدس جزءًا من الحل لا هامشًا من النقاش، وأن تُترجم التحركات السياسية والدبلوماسية الحالية إلى خطوات ملموسة تُعيد الحياة إلى قلبها النابض. فالسلام العادل لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل بقرارات ترفع المعاناة وتمنح الأمل. تبقى القدس صامدة، لا كرمز للتحدي فقط، بل كاختبار حقيقي لصدق النوايا في صناعة مستقبل أكثر استقرارًا وإنصافًا للمواطن الفلسطيني.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط