كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القدس تحت الهدم الذاتي: حين يُجبر الفلسطيني على تدمير بيته بيده

القدس تحت الهدم الذاتي: حين يُجبر الفلسطيني على تدمير بيته بيده

تاريخ النشر: 2025-11-06 | 14:40

\تتزايد في الآونة الأخيرة مشاهد الهدم الذاتي لمنازل الفلسطينيين في القدس الشرقية، خاصة في أحياء العيساوية وسلوان، في مشهد يلخص مأساة الإنسان الفلسطيني بين جدران بيته وبين قيود السياسات الإسرائيلية.

المواطن المقدسي يُجبر على أن يكون هو نفسه المنفذ لأمر الهدم الصادر بحقه، تحت تهديد غرامات مالية قد تصل إلى عشرات آلاف الشواكل. وهكذا يتحول المنزل الذي بناه بجهده ومدخراته إلى أنقاض على يديه، لا لأنه خالف القانون عمدًا، بل لأن القانون نفسه صُمم ليقصيه ويحاصره.

تدّعي سلطات الاحتلال أن عمليات الهدم تأتي في إطار «تطبيق القانون» و «مكافحة البناء غير المرخص»، غير أن هذه الذرائع القانونية تخفي خلفها سياسة ممنهجة لإضعاف الوجود الفلسطيني في المدينة ودفعه نحو الهامش. فالحصول على ترخيص بناء في القدس الشرقية يكاد يكون مستحيلًا؛ إذ تفرض السلطات الإسرائيلية شروطًا معقدة ورسومًا باهظة، وتؤجل البت في الطلبات لسنوات طويلة. ونتيجة لذلك، يضطر السكان إلى البناء دون تراخيص لتلبية احتياجاتهم السكنية، في ظل الزيادة السكانية وغياب أي تخطيط عمراني عادل.

الهدم الذاتي في جوهره ليس إجراءً إداريًا، بل فعل قسري يضرب عمق الانتماء الإنساني والنفسي للفلسطيني بأرضه وبيته. فإجبار المواطن على هدم بيته بيده يمثل عقوبة مزدوجة؛ خسارة مادية ومعنوية في آن واحد، وشعورًا مريرًا بالمهانة، وكأن عليه أن يوقّع بيده على نفيه من المكان. إنها ممارسة تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ«العقاب النفسي»، الذي يهدف إلى كسر إرادة البقاء وإيصال رسالة مفادها: لا أمان لك في مدينتك، حتى داخل جدران منزلك.

ولا يمكن فصل هذه الممارسات عن سياسات التهويد الأوسع وإعادة هندسة المشهد الجغرافي في القدس.
فأحياء سلوان والعيساوية تشهد النسبة الأعلى من أوامر الهدم، وهما من أكثر المناطق الفلسطينية قربًا من البلدة القديمة، حيث تسعى إسرائيل منذ عقود إلى تعزيز الوجود الاستيطاني اليهودي عبر مشاريع إسكان ومتنزهات توراتية. وبدلًا من تقديم حلول تخطيطية متوازنة أو السماح للفلسطينيين بالبناء القانوني، تُستخدم قوانين «البناء غير المرخص» كأداة لتقليص الوجود الفلسطيني وإفراغ المدينة من سكانها الأصليين.

الهدم الذاتي أصبح خيارًا قسريًا لا مفر منه. فالعائلات التي تتلقى أوامر الهدم تقف أمام معادلة قاسية:
إما أن تدفع مبالغ طائلة في حال تنفيذ الهدم الرسمي بواسطة جرافات الاحتلال، أو تتحمل عبء الهدم بنفسها لتقليل الخسائر. وغالبًا ما تختار الخيار الثاني رغم الألم النفسي الهائل، كما فعلت عائلة في سلوان حين فضّلت تدمير منزلها يدويًا على دفع غرامة قدرها ثمانون ألف شيكل.

ورغم أن هذه الحالات تُروى في الإعلام كوقائع متفرقة، فإنها في الحقيقة جزء من سياسة متكاملة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية. فهي تُخفف العبء المالي والإداري عن سلطات الاحتلال، وتُجنبها مشاهد المواجهة المباشرة التي تثير الرأي العام، وفي الوقت نفسه تنقل عبء تنفيذ العقوبة إلى الضحية نفسها، لتبدو القضية وكأنها مسألة قانونية داخلية لا علاقة لها بسياسات الإقصاء أو التمييز.

أما على المستوى الإنساني، فآثار هذه الممارسات مدمرة على النسيج الاجتماعي للمجتمع المقدسي.
ففقدان المنزل لا يعني فقط فقدان المأوى، بل ضياع ذاكرة العائلة ومركز حياتها. الأطفال الذين يشهدون هدم منازلهم بأيدي آبائهم يكبرون وهم يحملون شعورًا عميقًا بالاغتراب وانعدام العدالة، مما يترك أثرًا طويل الأمد على استقرار المجتمع وثقته بأي سلطة أو نظام قادر على حمايته.

إن استمرار هذه السياسة يطرح تساؤلات حقيقية أمام المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية:
إلى متى يُترك المقدسيون وحدهم أمام آلة الهدم، سواء كانت جرافة الاحتلال أو أيديهم التي أُجبروا على استخدامها؟ وكيف يمكن لمدينة يُفترض أنها ترمز للسلام أن تتحول إلى مسرح لمعاناة إنسانية ممنهجة؟

في النهاية، الهدم الذاتي ليس مجرد خبر محلي، بل مرآة لسياسة أعمق، حيث تتقاطع أدوات القانون مع أهداف السيطرة، وتتحول الحقوق الأساسية في السكن والكرامة إلى امتيازات مشروطة، في مدينة تُعاد هندستها كل يوم على حساب سكانها الأصليين.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين!

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط