كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القدس: من أنوار الفكر إلى وهج الإيمان

القدس: من أنوار الفكر إلى وهج الإيمان

تاريخ النشر: 2025-08-29 | 11:50

عندما نتأمل المدن التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية، تتقدّم أثينا وروما في الطليعة كعلامتين فارقتين في مسار التاريخ البشري. فقد منحت أثينا البشرية الفلسفة، وأيقظت الوعي النقدي، وقدّمت التجربة الجريئة للديمقراطية، فيما صاغت روما منظومة القوانين، وأرست أسس الحوكمة التي ما تزال تؤطر حياة المجتمعات الحديثة. وبرغم ما رافق مسيرتهما من صراعات ونقائص، يظل إرث هاتين المدينتين شاهدًا على وضع اللبنات الأولى لمسيرة التقدّم الإنساني.

وكما قال الروائي والسياسي البريطاني إدوارد بولوير لايتون: "روما سيطرت على العالم بالقوة، وأثينا أنارته بالفكر." وقد لخّص المفكر الأمريكي رالف والدو إمرسون هذه الحقيقة بقوله: "ترمز روما إلى سلطان الإمبراطورية، فيما تمثل أثينا نور الفكر." وما جسدته أثينا في الفكر، جسدته روما في الفعل، لتكوّنا معًا الأسس الفكرية والسياسية التي ما تزال تؤطر العالم المعاصر.

ثمّ هناك القدس، التي أضافت إلى إرث أثينا وروما بُعدًا آخر، إذ رفدت التاريخ بالروح والمعنى، وجمعت في رمزيتها بين الأرض والسماء. في هذه المدينة يلتقي التاريخ بالإيمان، وتتداخل حضارات العصور المختلفة لتنسج معاني لا تضاهى، فتصبح القدس المدينة الثالثة في مثلث الحضارة، حيث يلتقي العقل بالإيمان، والمادة بالمعنى، لتكتمل بذلك صورة الإنسان والحضارة في رحلة البحث عن التقدّم والمعرفة.

تحتل القدس مكانة بارزة في التاريخ، ليس بوصفها مهد للحياة العقلانية أو المؤسسات المدنية، بل بوصفها موطن نشأت فيه الأديان السماوية الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام؛ المعتقدات التي ألهمت البشرية، وحوّلت الثقافات، وأعادت تشكيل مسار التاريخ. ومع ذلك، إلى جانب العطايا الروحية، حملت هذه الأديان إرثًا من الانقسام والصراع وسفك الدماء، فقد

 

 شهدت المدينة الحروب الصليبية، والجهاد الإسلامي، والمحاكمات الدّينية، وكل أشكال الاضطهاد، ليس كظواهر عرضية، بل كجزء متغلغل في صميم الصراع على الإله الواحد.

على مر العصور، تهدّمت القدس وأعيد بناؤها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة باسم الإيمان. وإذا كانت أثينا خالدة بأفكارها، وروما بخططها القانونية، فإن القدس خالدة بصراعاتها — صراعات لم تكن فقط من أجل الأرض، بل من أجل الحق الإلهي، لتصبح بوتقة تتصارع فيها أتباع الديانات الثلاث على السلطة والهوية والقداسة.

المفارقة عظيمة: فقد دعَت أثينا إلى التساؤل والتحدّي والتشكيك، وإلى مواجهة السلطات باستخدام العقل، سواء أكانت سلطة الآلهة أم سلطة الملوك، وإلى استخدام العقل، وإلى المواجهة النقدية. كما عبّر السياسي الأثيني بريكليس في خطابه الشهير المعروف باسم "خطاب التأبين": "سوف تنبهر بنا الأجيال القادمة كما تنبهر بنا الأجيال الآن." هذه الثقة في العقل والفكر والحياة المدنية لم تُشكّل أثينا فحسب، بل أرست أسس التقاليد الفكرية الغربية.

أما روما، فقد أنشأت أنظمة من شأنها أن تضع حدًا للفوضى التي كانت تعم الإمبراطورية، كما عبّر عن ذلك الكاتب فيرجيل في ملحمته الشهيرة "الإنياذة" قائلًا: "أن تحكم الأمم بقوتك، فذلك سيكون فَنِك، أيها الروماني: أن تفرض سُبُل السلام، أن ترأف بالمهزومين، وتخضع المتعجرفين." وهكذا، صاغت الحضارتان ذاتهما من خلال الفكر وأساليب الحكم، لتصبح كل منهما نموذجًا مختلفًا للقوة الفكرية والتنظيمية التي تبني عليها الإنسانية تاريخها وثقافتها.

على النقيض، صاغت القدس هويتها عبر الوحي الإلهي. فإرث المدينة يكمن في النصوص المقدّسة، التي كثيرًا ما يتم تفسيرها بشكل مطلق لتبرير العنف وتقديسه. فالصليبيون الذين غزوا القدس ذبحوا الآلاف من سكانها

 

باسم المسيح، ثمّ أعادت الجيوش المسلمة استعمار المدينة وخاضت حروبها المقدّسة باسم الإسلام، واليوم تخضع القدس للسيطرة الإسرائيلية، مع استمرار رمزيّتها الدّينية للديانات الثلاث. وهكذا، تحوّلت المدينة عبر التاريخ إلى مسرح للصراعات، حيث تلاقت القداسة والاقتتال في بوتقة واحدة، لتصبح القدس رمزًا للتوترات الجيوسياسية والتعصب الدّيني وادعاءات الملكية التي لا تقبل المساومة.

تدعو الدّيانات السماوية الثلاث إلى السلام والرحمة والعدالة، ومع ذلك، فإن الواقع العملي لهذه المعتقدات كثيرًا ما أسفر عن تقديس العنف وإضفاء شرعية عليه. الحروب الصليبية، والحروب المقدّسة، والجهاد، والمحاكمات الدّينية، وكل أشكال الاضطهاد والظلم، لم تكن مجرد مصادفات تاريخية أو أحداث عارضة، بل هي وقائع متغلغلة في صميم الصراع على الإله الواحد الحقيقي. في القدس، أكثر من أي مكان آخر، سارت القداسة والدمار جنبًا إلى جنب، متحدّتين في رسم تاريخ المدينة المليء بالصراعات والتوترات.

تركَت أثينا وروما للبشرية أدوات للحوار والحكم والإبداع، بينما قدمت القدس البُعد الروحي والإيمان، ومعه الاقتناع بأن خصوم هذا الإيمان ليسوا مجرد مخطئين، بل محكوم عليهم بالهلاك أيضًا. وهكذا، في حين بنت أثينا وروما جسورًا للفكر والمعرفة، بنت القدس أسوارًا من الحصرية الدّينية والمطلقية الإلهية، ليظل إرثها إرث انقسام وتوتر، يعكس جانبًا آخر من التجربة الإنسانية عبر التاريخ.

×
أخبار
الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط