كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"القذارة" كقوة تغيير وتقدّم في تركيا

تبيّن من الاعتقالات الأخيرة أن "حزب العدالة والتنمية" أقام "نظاما عميقا" إسلاميّاً داخل الدولة العلمانيّة بعدما ضرب "الدولة العميقة" العسكرية التي كانت وصيّةً على الدولة العلمانيّة. اليوم تحاول "حركة غولن" التبشيرية الإسلامية أن تضرب هذا "النظام العميق" من داخله.

منذ تظاهرات منتزه ساحة "تقسيم" في اسطنبول، كلُّ حالةِ اعتراضٍ على حزبه أو حكومته أو سياساته يعتبرها رئيس الوزراء التركي رجب طيِّب أردوغان "عملية قذرة".
هكذا باتت تركيا، لو أردنا أن نتبنّى توصيف أردوغان، ممتلئة بـ"القذارات". وآخرها عملية الاعتقالات التي قام بها البوليس في اسطنبول وأنقرة لعدد كبير (80) من المشتبه بضلوعهم في أنشطة فساد مختلفة وأبرزهم أبناء ثلاثة وزراء في حكومة أردوغان بينهم ابن وزير الداخليّة ومدير بنك تركي كبير عُثر في منزله خلال المداهمة على أربعة ملايين ونصف مليون دولار أميركي من الأوراق النقدية.
الذي لا يريد أن يفهمه أردوغان، وبصورة خاصة منذ تظاهرات الشباب والمثقفين والفنانين والناشطين العلمانيين وبعض الإسلاميين في "تقسيم" أن ما يسمّيه "قذارات" قد يتحوّل إلى محرّك لتاريخ جديد لتركيا! فنظرية "المؤامرة" التي يرد بها على منتقديه لم تصبح فقط مستهلكة بل هي أيضاً عقيمة سياسيا لأن ما تكشفه الأحداث، وآخرها عملية الاعتقالات، أن قوى جديدة وخطيرة تنضم تباعا إلى مسرح الاعتراض على سياسات حكومة "حزب العدالة والتنمية" ومنها قوى كانت حليفة للحزب الحاكم بل ساهمت في قوته الانتخابية: غير المعارضة التقليدية الممثلة بـ"حزب الشعب الجمهوري" الأتاتوركي و"حزب العمال الكردي" هناك فئات وسطى جديدة في المدن تعترض على حدة الاستقطاب الاجتماعي الذي تحدثه الرأسمالية الجديدة في تركيا بقيادة "حزب العدالة والتنمية". ومؤخّرا انضمّت علنا قوة اعتراض من نوع جديد: حركة غولن العميقة التأثير في المجتمع التركي والتي تبيّن بعد الاعتقالات الأخيرة ضد حكومة أردوغان أنها موجودة بقوّة في عمق المؤسسات القضائية والأمنية.
حتى وقت قريب لم يكن كثيرون من القراء العرب قد سمعوا بحركة غولن ومؤسّسها الشيخ فتح الله غولن الداعية الإسلامي ذي الطروحات التربوية الحديثة والمشرف على "امبراطورية" من المدارس داخل وخارج تركيا تبلغ حوالي الخمسماية مدرسة تعمل على بقعة ممتدة من آسيا الوسطى إلى إفريقيا ويقودها غولن من مركز إقامته في بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية، المركز الذي أقامه بعد اضطراره في أواخر تسعينات القرن الماضي للهرب من ضغط الجيش التركي عليه. وهو يملك داخل تركيا إحدى أبرز صحفها "زمان" التي يتجاوز توزيعها الورقي مليون نسخة يوميا والتي تخوض حاليا المعركة المباشرة مع الصحف المؤيّدة لأردوغان (راجع مقالنا: مرشدون ودول- المرشد الإسلامي الليبرالي فتح الله غولن 22-5-2013).
ماذا يعنينا مما يحدث هناك؟
يعنينا أن "حزب العدالة و التنمية" يواجه أخطر تصدّع في "بنية" سلطته التي أقامها في السنوات العشر الأخيرة ونجح خلالها- بالتحالف مع "حركة غولن"- في تحقيق أول إقصاء نوعي للجيش التركي عن الوصاية على الحياة السياسية منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، الإقصاء التاريخي الذي يعبِّر عنه بما لا يقبل الالتباس وجودُ رئيس أركان سابق للجيش في السجن حاليا ومعه العديد من كبار الضباط بعد عمليات تحقيق كان أحد أبرز قضاتها القاضي الذي كان وراء عملية الاعتقالات الأخيرة. المثير أن صحافيا تركيا كشف مؤخّرا عن وثيقة وقّع عليها أردوغان ووزراؤه في مجلس الأمن القومي عام 2004 تضع خطة لضرب "حركة غولن". تفسير ذلك يومها قد يكون في "تقية" أردوغان حيال العسكر القوي سياسيا يومها وحيال "غولن"!!؟
كنتُ كتبتُ بعد تظاهرات "ساحة تقسيم" في أوائل الصيف الماضي أن تلك الأحداث هي "بداية شيخوخة" رجب طيِّب أردوغان وحزبه في السلطة (تركيا: بداية شيخوخة حزب العدالة والتنمية- 4-6-2013).
اليوم أعتقد أنه تقدّم في هذه الشيخوخة ولم يعد في أوائلها المبكرة بل في وسطها... فالشروخ المعنوية والسياسية لهذه الاعتقالات ستكون كبيرة ومتواصلة مهما فعل أردوغان للبقاء في السلطة حتى الانتخابات المقبلة.
نحن هنا أمام شيخوخة نظام سياسي أقامه أردوغان داخل العلمانية التركية. فالاتهام بالفساد على هذا المستوى واضطرار أردوغان إلى الرد بتغيير قادة البوليس في أنقرة واسطنبول يُظهِرن أن الاعتقالات وضعتْه في خانة سلطوية محشورة يبدو معها حتى الآن وكأنه ينتقم من الضباط الذين يحاربون الفساد... وهذه أسوأ وضعية أخلاقية يمكن أن يجد حاكمٌ ما نفسه فيها حيال الداخل والخارج.
لا شك بوجود نوع ما من "المؤامرة" بل "المؤامرات" بين بعض معارضي أردوغان ضده... فهذا طبيعي لكن الأساس أن المؤامرة تزدهر في مناخ التصدّعات الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والثقافية لأي حكم وحين لا يرى الحاكم، أيّاً كان، هذه التصدعات بما تعبِّر عنه من تحوّلات عميقة في المجتمع والدولة ويكتفي بالرد السلطوي الذي سيصبح تسلّطيا مع الإيغال في المكابرة : المكابرة الناتجة عن أن أردوغان لا يريد أن يعترف أن حكومته بل "نظامه" يفشل تباعا في السياسات الخارجية ولاسيما في الموضوع السوري والداخلية حيال المسألتين الكردية والعلوية ويثير مخاوف رجال الأعمال الأتراك من انعكاس ذلك على الاقتصاد وعبر كل هذا تتفاقم شخصية سلطوية لممارساته أحد أكبر مظاهرها استمرارُ تركيا كأحد أكثر بلدان العالم معاقبةً وسجناً للصحافيين وضغطا سياسيا عليهم رغم المساحة الديموقراطية المكرّسة في تركيا قبل ومع أردوغان.
سنكون أمام أسابيع مقبلة مثيرة في تركيا بعد عملية الاعتقالات ضد الفساد. لكن يبدو أن السؤال حول مصير رجب طيِّب أردوغان لم يعد نظريّاً بل أصبح في طور عملي للمرة الأولى.
ضربت مرحلة أردوغان "الدولة العميقة" لنظام الوصاية العسكرية على الحياة السياسية مستندةً إلى التطلعات الديموقراطية للنخب الليبرالية المتقدمة من المجتمع التركي وليس فقط الإسلاميين وإلى نجاحات اقتصادية "نِمْريّة". لكن الاعتقالات الأخيرة، ولاسيما أبناء الوزراء الثلاثة، تُظهر أن أردوغان أقام أيضا "نظاما عميقا" داخل الدولة التركية يتعرّض الآن لضربة من أحد عناصر بنيته: نفوذ إسلاميّي حركة غولن داخل البوليس والقضاء.
إذن نحن في تركيا اليوم أمام:
1 - توجيه ضربة لـ"النظام العميق" من داخله، وهو نفسه النظام الذي ضرب "الدولة العميقة" السابقة وعسكرييها.
2 - عدد من قضايا الفساد يُلاحَظ أنها تتصل بالاستفادة من الهوامش التي تتيحها علاقات تركيا الاقتصادية الخاصة بروسيا وإيران وتحديدا في ظل العقوبات على إيران.
3 - لا يمكن تلافي الأسئلة المهمة المتعلّقة بالتوقيت السياسي الخارجي للأزمة الداخلية الجديدة: فالشيخ فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة قد يكون مع أركانه استفادوا من توقيت خارجي ما ولاسيما التوقيت الأميركي، للقيام بالانقضاض على أردوغان؟
الخلاصة: شيء ما آخذٌ بالتلاشي في وضعية رجب طيّب أردوغان. لقد أصبحت أيامه صعبة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها أصبحت معدودة(؟). فقد زال الزمن الذي يستطيع فيه أردوغان أن يعتبر مستقبله السياسي مضمونا.

عن النهار اللبنانية

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط