كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القطاع المصرفي الفلسطيني: بين الضغط السياسي والهندسة المالية الجديدة

القطاع المصرفي الفلسطيني: بين الضغط السياسي والهندسة المالية الجديدة

تاريخ النشر: 2025-12-02 | 14:18

بالأيام الأخيرة عادت العلاقة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية إلى واجهة المشهد بعد قرار وزير المالية الإسرائيلي سموترتش بإلغاء الحصانة القانونية التي كانت تحمي البنوك الإسرائيلية من أي تبعات أثناء تعاملها مع نظيراتها الفلسطينية، هذا القرار لم يكن مجرد إجراء مصرفي، بل خطوة سياسية دقيقة تهدف إلى فرض قيود مباشرة على النظام المالي الفلسطيني، وجعل القطاع المصرفي أداة ضغط على السلطة، وبناءً على هذا القرار، أصبح كل تحويل فلسطيني محتملًا بوصفه «خطر قانوني»، ما يجعل أي تعامل مصرفي طبيعي محفوفًا بمساءلات ودعاوى محتملة أمام القضاء الإسرائيلي.
هذا التطور كشف هشاشة النظام المصرفي الفلسطيني واعتماده الكلي على شبكة المراسلة الإسرائيلية؛ فالاقتصاد الفلسطيني لا يمتلك عملة وطنية، ولا بنك مركزي قادر على إدارة سياسات نقدية مستقلة، ويعتمد عمليًا على الشيكل الإسرائيلي لجميع معاملاته؛ من تسديد رواتب، إلى دفع فواتير الكهرباء والوقود، والاستيراد، والتجارة ، وبمبالغ تقدر بعشرات مليارات الشواكل سنويًا، وعليه أصبح أي خلل في هذه العلاقة يُعدّ خنقاً مباشراً للاقتصاد الفلسطيني.
إلغاء الحصانة أدّى إلى تكدّس نقدي كبير داخل البنوك الفلسطينية وهو ما يُعرف بـ «فائض شيكل محتجز» ، بينما يعاني القطاع من نقص في السيولة القابلة للتحويل، وهذا ما أشار إليه تقرير حديث عن النظام المصرفي الفلسطيني، الذي أوضح أن البنوك تمضي نحو ما يشبه «مصيدة السيولة»؛ نقد فعلي محتجز في الخزنات مع محدودية قدرة على الاستخدام أو التحويل.
نتيجة لذلك، انخفضت فعالية البنوك كبنوك وسيطة؛ حيث لم تعد قادرة على الإقراض بصورة طبيعية، أو دعم النشاط التجاري والتنموي، ولم تعد تؤدي دورها في تحريك السيولة داخل الاقتصاد وبالمحصلة؛ نشاط بنكي اتجه نحو الركود، اقتصاد يسير نحو الشلل، وانعدام القدرة على إعادة التوظيف للنقود المجمدة.
تأتي هذه الضغوط في وقتٍ تعاني فيه ميزانية السلطة من ضائقة كبيرة؛ فبحسب تقرير لمنظمات دولية، عجز مالية السلطة بعد المساعدات وخصم عوائد التخليص العامة وصل إلى نحو 1.3 مليار دولار في 2024، أي ما يزيد بنحو 145٪ مقارنة مع عام 2023، هذا العجز يضع ضغوطًا إضافية على البنوك لأنها معرضة لتزايد الاقتراض الحكومي داخلياً، ما يزيد من المخاطر على جودة الأصول ومن ثم استقرار النظام المصرفي.
مع هذا الواقع الصعب، لم يعد من الكافي القول إن البنوك "ما تزال سليمة" على الورق أو إن الودائع محمية ، كما يتردد دوماً من تصريحات على لسان سلطة النقد الفلسطينية، فالمعادلة تغيّرت؛ فلم تعد فقط مسألة ملاءة مالية، بل قدرة على التحويل، على تأمين السيولة اللحظية، على ضمان استمرار الخدمات، وعلى استقرار اقتصادي، وكل ما سبق تحوّل إلى رهينة قرار سياسي يمكن تجديده أو سحبه متى شاءت إسرائيل، وهنا تكمن الحاجة الملحّة إلى إعادة هندسة مالية استراتيجية، ليس للبنوك فقط، بل للسلطة ككل، وليس من باب "الإصلاح" التقليدي، بل من باب بناء استقلال مالي فعلي.
وهنا نرى أن من بين الركائز التي يجب أن تُبنى عليها هذه الهندسة ؛ تنويع قنوات التحويل والدفع، فبدلاً من الاعتماد الكلّي على شبكة مراسلة مع إسرائيل، يجب إطلاق قنوات دفع محلية أو إقليمية، عبر بنوك عربية، بنوك دولية، أو أدوات رقمية مثل عملة إلكترونية محلية، وهذا يعطي السلطة خيار تحويل السيولة عبر مسارات شفافة أوسع، تقلّل من التبعية، وتزيد من سيادتها النقدية، كما يمكن تحويل النقد المحتجز إلى أصول منتجة؛ بدلاً من إبقاء الفائض النقدي مجمّد في خزائن البنوك، يمكن إنشاء صندوق استثماري وطني، يُستخدم لتمويل مشاريع بنية تحتية، طاقة، زراعة، أو مشروعات تشغيلية، ما يُحوّل "فائض نقدي هشّ" إلى "رأس مال منتج"؛ هذا لا يساعد فقط على امتصاص الفائض، بل يخلق عائدات مستقبلية مستقلة، ويخفّف الضغط على الموازنة العامة والصرف الحكومي.
ولا يمكن ان نغفل عن أهمية إعادة هيكلة دور البنوك الفلسطينية، و تحويلها من خزنات نقد إلى منصات تمويل ديناميكية و تمويل مشاريع إنتاجية، قروض تنموية، أدوات ائتمانية متقدمة، نظام دفع رقمي متكامل، وهذا يتطلب ترسانة تشريعية وتنظيمية تدعم التمويل الإسلامي، التمويل البديل، التكنولوجيا المالية (FinTech) ، وتحليل مخاطر فعال.
ولا يمكن تناسي دور السلطة الفلسطينية المطلوب في تنويع مصادر الإيرادات العامة؛ فبدلاً من الاعتماد على عوائد التخليص والتحويلات من الخارج، يجب تعزيز الإيرادات الضريبية المحلية، تشجيع الاستثمار المحلي، وإبرام شراكات تمويلية إقليمية ، مما يقلّل من تأثر المالية العامة بالعوامل الخارجية.
وفي الختام، فاننا نرى أنه إذا ما طبّقت السلطة الفلسطينية المعادلة التي تتحدث عن (استقلالية نقدية نسبية + نظام مالي مرن + أدوات تمويل وتنمية محلية) فإن ما يُرى اليوم كأزمة بنوك قد يتحوّل إلى نقطة انطلاق نحو إعادة هندسة شاملة للاقتصاد الفلسطيني، حيث ان الباب ما زال مفتوحًا، فالأزمة الحالية ليست نهاية، بل فرصة لإعادة بناء بنية مصرفية، اقتصادية، مالية، وسيادية، بايدي ذوي الخبرة الفنية.

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط