كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القطبة المخفية في الثقافة العربية!

القطبة المخفية في الثقافة العربية!

تاريخ النشر: 2023-08-05 | 09:58

الثقافة والتفكير الثقافي يقودان المجتمعات، إما إلى الفلاح أو الطلاح، ولعل ذلك ينطبق على الثقافة العربية، وخاصة الثقافة السياسية المعاصرة. في الذهن «علاقة الإسلام بالسياسة»، فمعظم المجتمع العربي هو مجتمع مسلم، وإلباس السياسة بالدين عملية جاذبة لجمهور واسع من الناس، إلا أن ذلك الإلباس «إن صح التعبير» قد قاد ويقود إلى طرق مسدودة في التنمية والمعاصرة، ومعظم «المعارك» الفكرية السياسية اليوم حولنا نابعة من ذلك اللبس «بين الدين والسياسة»! لا يحتاج القارئ إلى ضرب أمثلة، فهو يلمسها حوله، وإن تشكلت بصور مختلفة في مجتمعات مختلفة، إلا أن جوهرها واحد، ولم يشرع أحد في علاجها. في معظم الدول العربية أصبح تنظيم «الإخوان المسلمين» تنظيماً محظوراً، ذلك بسبب «شهيته الانقلابية» التي تبشر بسراب «الدولة الإسلامية الواحدة»! كما مرت دول مثل السودان ومصر وتونس «أذكر البعض فقط» في العقود الأخيرة بتجارب مريرة من حكم تلك الجماعات، وهي ما زالت تعاني حتى اليوم من نتائجها الكارثية، كما أن مجتمعات عربية أخرى غير قادرة على التخلص من تأثيره المباشر أو غير المباشر، وقد فرخ ذلك التوجه جماعات متشددة، منها «القاعدة» و«داعش» وأمثالهما، ما استنزف كثيراً من الطاقة والجهد، وضياع جهود التنمية. قد يجد البعض أن بعض أعضاء الجماعة «ذوي نوايا طيبة» يبتغون الإصلاح لما يرونه من أخطاء في نظرهم بالمجتمع المحلي، لكننا هنا بصدد «الآيديولوجية»، وليس نوايا الأفراد. يرغب بعضنا في وضع يده على «القطبة المخفية» في هذه المعضلة الثقافية - السياسية، فهو في الغالب في حيرة بين مقاصد الإسلام السامية، وأهمية الدين للإنسان، وبين تنظيم له مخطط آخر في الغالب خارج عن العصر، إنها معركة الثقافة العربية وربما الإسلامية الكبرى اليوم. القطبة المخفية هي العلاقة بين الإسلام الحركي - السياسي، وبين الإسلام الشعبي، إن صح التعبير، فالأول يتغذى على بحيرة هائلة من الإسلام الشعبي، ما يهيئ له أرضية في المدارس بدرجاتها المختلفة والجامعات، حتى المؤسسات الرسمية والإعلام بأشكاله وتنوعاته. صديق في ديوانية، وهو مربٍ وله اطلاع، حدثنا مرة عن «احتجاج ابنه المراهق على طريقة شربه للماء»، فقد همّ بتناول بعض الماء وهو خارج من المنزل، فنهره ابنه! عليك أن تجلس لتناول الماء! وعندما سأل؛ من علمك ذلك؟ قال المدرس في المدرسة، فلا يجوز «شرعاً» أن تتناول الماء وأنت واقف!

في العشرية الأولى من القرن الحالي كان لكاتب هذه السطور مقال مطول نشر في مجلة العربي حول «التسامح» وأهميته في التعايش بين مكونات المجتمع، أحدهم التقط المقال وقرره قراءة على الصف الأخير في الثانوية، ودعيت في محاضرة للطلاب، وفوجئت بالنص مكتوباً في كتاب القراءة، وعليه أسئلة، وأول سؤال كان: «كيف تثبت أن كاتب المقال مسلم؟»، طبعاً صعقت مما قرأته، لأن موضوعاً عن التسامح أريد به غير ما أنشئ من أجله! لأسباب لا تخفى. تلك بعض التجارب، وأحسب أن القارئ الفطن لديه تجارب أخرى أكثر عمقاً في تطويع النصوص لتهيئة الجيل كي يُلتقط جاهزاً من جماعات التشدد. الكلمات المفتاحية هنا هي «المنهج والمُدرس»، واسمها العام تدريس الدين في المدارس العامة التي تهيئ أرضاً خصبة للمتشددين لالتقاط ضحاياهم، وخاصة المراهقين، تمهيداً لتشكيل عقولهم باتجاه الانخراط في التنظيم، وهو هنا الإسلام الحركي بكل فروعه وتشعباته. لقد أهملت المدرسة لفترة طويلة في معظم الدول العربية وتركت كي تقدم للأجيال «قشور الدين» وليس مقاصده، وكذلك المنهج وتكوين المدرسين، واعتقدت السلطات أن تعلم الدين فيه منفعة للناس والسلطان معاً، ومن ثم تم تركه لتلك الفئة من الناس، ولكن لم يتوقف أحد ليسأل؛ أي محتوى يقدم للشباب من الجنسين؟

لقد استفادت من الفكرة العامة، وهي بحد ذاتها طيبة، استفادت منها الحركات المنظمة لبث أفكار جامدة حول الدين، وخاصة المعاملات، حتى أصبح هناك جيل كامل تلقى هذه الأفكار، دون توقف على حقيقة بشرية جامعة؛ هو أن الزمن يتغير وشروط الحياة تتغير، وبالتالي استخدام الفكر العقلاني لاستنباط الأحكام المناسبة للعصر من النصوص لمواءمة مصالح المجتمع. المؤسف أنه بشكل عام لم يظهر على سطح النقاش في معظم المجتمعات العربية ما يمكن أن يعرف بإصلاح حقيقي في تعليم الإسلام الشعبي، فهو لا يزال فاعلاً ومتشبثاً بالقشور وبيئة صالحة للتجنيد العاجل وغير المكلف، باتجاه التشدد، ولم تكن هناك شجاعة لهذا الإصلاح المستحق. نعم، الدين بشكل عام يشكل حاجة إنسانية، لكن مثله مثل أي شيء آخر في حياة الإنسان يحتاج إلى أن ينقى من الشوائب التي علقها الإنسان عليه لمصلحة ما!

تتردد كثير من الأنظمة بشكل عام في النظر في هذا الملف «خشية أو تجاهلاً أو ابتعاداً عما يُغضب»، لكنها بذلك تترك الباب مفتوحاً لأن يأخذ البعض كل المجتمع بسبب فتوى غامضة وملتبسة تدعي العلم إلى طريق مسدودة، ما ينشأ على أكتافه الإسلام الحركي الانقلابي، بل إن بعض القيادات مسايرة لذلك التوجه تبدأ خطبها وتوجيهاتها بالبسملة والحوقلة في عبارات طويلة قد تأخذ، من دون مبالغة، ثلث الخطاب السياسي!

حظر حركة «الإخوان» هو جزء من كل، أما الحظر فقط، وبالتالي ترك التعليم تتفشى فيه تلك الأفكار المهيئة للتشدد واستقبال من ينصب نفسه «داعية» استقبال الفاتحين، وإغراق الجمهور إعلامياً بأفكار مشوهة عن الدين، وترك جماعات وأفراد يجمعون المال تحت شعار ديني، نتيجة ذلك.

آخر الكلام

الإسلام الحركي سوف يظل باقياً معنا وإن تغير جلده، وسوف يستمر لأن المجتمع يهيئ له المادة الخام لاستمراره.
عن الشرق الأوسط السعودية

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط