كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القطيع الهائم… من اليأس يولد الأمل

القطيع الهائم… من اليأس يولد الأمل

تاريخ النشر: 2025-09-03 | 13:19

##مقدمة:
لكل عملية بناء أسس وقواعد، ولكل زرع تمهيد، من إعداد الأرض إلى تسويق المحصول، فهذه فطرة الله في الطبيعة وضعها الله لإعمار الكون. المجتمعات، مثلها مثل أي عملية بناء أو زرع، تبدأ من الأساس: الأسرة، ثم الحي، ثم ثقافة المجتمع، وصولًا إلى الوعي الجمعي. لكن عندما تتشقق هذه القواعد الأساسية، يبدأ الانهيار، وتظهر فوضى القطيع، حيث يغلب الانفعال على الوعي، ويصبح الناس أسرى للردود الفورية المتسرعة بدل التفكير النقدي والواقعي.

في العالم العربي، كانت البداية منذ بداية تفكك الدولة العثمانية، حيث بدأ إنهيار النظام وانهاء الخلافة، وصعود الأحزاب المتنوعة، وانتشار الأفكار المتناقضة، ما جعل المجتمع العربي عرضة لغزو فكري وثقافي مستمر إضافة إلى الاحتلال الاستعماري. هذا الغزو ألقى بالمجتمعات كالقطيع في حالة من الهيجان الدائم، كما لو أن مجموعة من الضباع بدأت تطارده، تحركه من خوفه، ومن انقسامه، ومن شعوره بالعجز، حتى اختلطت الحقيقة بالوهم، وامتزجت الحرية بالهيمنة الخارجية، فلم يعد يعي المخاطر و الضلال.

##الإحباط واليأس:
الجمود واليأس الذي تعيشه المجتمعات العربية اليوم لم يكن وليد اللحظة، بل تراكم عبر عقود طويلة من الانقسامات والتأثيرات الخارجية والداخلية. تفكك الدولة العثمانية وتقاسمها بين المستعمرين ترك فراغًا سياسيًا استغله صعود الأحزاب والمصالح الضيقة، وانتشار الأفكار المتناقضة التي لم ترتبط بواقع المجتمع، بل جاءت مستوردة أو مفروضة من الخارج. هذا الانقسام المستمر أدى إلى انتشار حالة من الإحباط واليأس الجماعي، حيث أصبح المواطن يعيش في دائرة من عدم الثقة، يتبع الخطابات الحماسية الفارغة، ويبحث عن تفسيرات جاهزة لمشاكله في المؤامرة أو في نظام الحكم، ولم يعد يفرق بين الشخص والمؤسسة وبدل أن يواجه التحديات بوعي ومبادرة تنتهج مبدأ النقد لكل شيئ دون أن يدرك الصواب من الخطأ فوق ومزيدا من التيه والضياع.

##التاريخ العربي الحديث:
التاريخ العربي الحديث مليء بالمحطات التي كشفت هشاشة البنى الاجتماعية والسياسية أمام اليأس والانقسامات. حيث إنه بعد الاستعمار حاولت بعض الدول العربية الإصلاح وإعادة البناء، لكن صراعات ما بعد الاستقلال والانقسامات الطائفية والعرقية أعاقت أي مشروع نهضوي وحدوي حقيقي. الأحزاب والنخب غالبًا ركزت على مصالحها الذاتية، والخطابات كانت تركز على المؤامرة الخارجية وعلى الاخر أكثر من النقد الذاتي، ما جعل المجتمع يظل أسيرًا لدائرة ثقافة القطيع والشعارات الفارغة. وبالرغم من ذلك، يكمن في هذا التاريخ درس مهم: حتى في أكثر اللحظات قتامة، تظهر شرارات التغيير، أحيانًا على شكل حركات شبابية، أو مشاريع ثقافية، أو وعي جماعي جديد قادر على كسر الحلقة المغلقة بين الجمود والفوضى.

##الاستهلاك مقابل الإنتاج:
أحد أبرز مظاهر الجمود في المجتمعات العربية هو اعتماد الاستهلاك على حساب الإنتاج في كل المجالات. وتحولت العقلية من البناء والإبداع إلى متابعة كل ما هو جاهز ومستورد، واستُبعدت فكرة الاكتفاء الذاتي أو التكامل الاقتصادي، حتى أن أصحاب الشعارات يهتفون عبر مكبرات الصوت المصنوعة بالخارج، يصرخون ويلتقطون الصور بكاميرات الاستعمار ويحرصون الندوات ويذهبون إلى المؤتمرات بسيارات الاستعمار وطائراتهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التفكير بالعمل الجاد أو الإسهام في بناء مجتمعهم. كأنهم يركضون في سباق صاخب بلا خطوط نهاية، حيث الصخب والحماسة يحلان محل التخطيط والإنتاج. وفي الوقت نفسه، ابتدع البعض ثقافة النقد والاتهام المتبادل، كل يرى نفسه الفاضل والصالح، وكل من يخالفه الطالح والضال. عداك عن كثرة المحللين في شتى المجالات وعندما تسمع كلامهم المنمق تحسبهم يديرون العالم بفطنتهم ولكنهم في الواقع لم يستطيعوا إدارة حوار بناء هادف داخل الاستوديو. لا نريد الحديث هنا عن المنجمين والفلكيين فلا مجال لذلك!!!!!

هكذا يغدو الشعار مجرد بديل عن الفعل والإبداع، ويظل المجتمع أسير دائرة القطيع والسطحية، بعيدًا عن البناء والإنتاج الحقيقي، ويبقى المجتمع يجهل كيف يحول هذه الطاقة إلى فعل ملموس يغير واقعه ويصنع مستقبله، بينما مصالح الفئة الصاخبة هي المحرك الخفي وراء كل هذا الصخب والضياع. ولا سيما أن دول الاستعمار تستمتع بجموح القطيع المنفلت حيث أصبح مسرحًا للتسلية بالنسبة لأولئك الطامعين. ويجدر بالذكر أن معظم أصحاب هذه الشعارات هم بعيدون عن هموم الشعوب، مترفون، يعيشون غالبًا في الخارج، أو متفرغون بشكل يثير الشكوك، ويبدو أنهم بيادق محترفي مطاردة القطيع وإرهاقه، يوجّهون الصخب والشعارات لخدمة مصالحهم الخاصة بعيدًا عن الواقع اليومي للمجتمع.

##هل من طفرة قادمة؟
ورغم هذا الواقع المترهل، يظل السؤال الأكثر أهمية: هل ستظهر الطفرة القادمة في العالم العربي من داخل المجتمع نفسه، على شكل وعي متجدد وثورة فكرية هادئة، تعيد ترتيب أولويات الناس وتحوّل طاقتهم إلى إنتاج وبناء؟ أم أنها ستكون انفجارًا اجتماعيًا، سريعًا وصاخبًا، يطيح بالقدرة على التخطيط ويترك آثارًا عميقة قبل أن يتمكن من البناء؟

كمثال حي، شاهدنا الكثير من المتحدثين في موجة الربيع العربي، الذين ألهبوا الجماهير بالكلمات والشعارات، وأشعلوا الحماسة في الشوارع، ليصلوا إلى ذروة التأثير في موجة الربيع العربي المفعمة بالطاقة، لكن سرعان ما تحول الكلام الحماسي إلى خريف الفعل، حيث تلاشت الخطط، وظهرت الفوضى، وتبين أن الطاقة لم تتحول إلى بناء وإنتاج حقيقي بل إلى ندم لدى الأغلبية، وعلقوا الفشل على شماعة المؤامرة. إن معرفة مصدر هذه الطفرة وطبيعتها هو ما سيحدد مصير المجتمعات العربية، بين الفوضى المدمرة والوعي البناء.

##الخاتمة: وعي وبناء المستقبل
في النهاية، المجتمعات العربية تواجه مفترق طرق واضح: الاستمرار في دائرة القطيع والصخب والاعتماد على الشعارات الفارغة، أو تحويل الطاقة الجماعية إلى وعي وإنتاج حقيقي قادر على بناء المستقبل. التاريخ مليء بالدروس؛ من سقوط الأندلس إلى نهضة اليابان، ومن ذروة الحماسة في الربيع العربي إلى خريف الفعل ومزيد من التردي، كل ذلك يذكرنا بأن التحولات الكبرى لا تأتي من الفراغ، بل من تراكم الوعي والفعل المنظم.

والسؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: الطفرة القادمة، أيًا كانت طبيعتها، هل ستأتي بعد سنوات الألم واليأس؟ التاريخ يعلمنا أن العديد من الأمم حققت النهضة والتحول من شدة اليأس والألم، فهل سيأتي الأمل للعالم العربي بنفس الطريقة، أم ستظل الدائرة مغلقة بين الفوضى والصخب ونظرية المؤامرة؟ إن الإجابة على هذا التساؤل مرتبطة بمدى قدرة المجتمع على تحويل الطاقة السلبية إلى فعل واعٍ ومنظم، بدل أن يبقى أسيرًا للفوضى وتبادل الاتهامات والخوض في الإشكاليات والمعضلات، بلا أي حلول بناءة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط