كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

القوميون والإسلاميون مستقبلٌ غامض

الأمة في خطر، فهي تواجه مستقبلاً قلقاً، يكتنفه الغموض الشديد، وتحاصره شبهات الاختلاف والتناقض، وتنتشر فيه بذور الفتنة والاحتراب، وعوامل الصراع والاقتتال، وأسباب الفرقة وعامل الانقسام، فالخطر المحدق خطرٌ حقيقي، وهو ليس بالوهم ولا بالخيال، كما أنه ليس بالفزاعة المزيفة، أو الخطر السراب، بل هو حقيقة مخيفة، وواقعٌ مريرٌ، قد عشنا ويلاته قديماً، وخبرنا آثاره القاسية على أجيالناً سنين طويلة، ولم نتمكن من التحرر منه، والتخلص من ويلاته، أو تجنب منزلقاته، رغم الجهود التي بذلت، والمساعي الجبارة التي قام بها رجالٌ يؤمنون بحتمية التوافق، وضرورة التعايش، وخطأ التناقض والاختلاف.

إلا أنه لم يعد بالإمكان إخفاء حجم الهوة والتناقض التي باتت تحكم العلاقة بين تياري الأمة العظيمين، اللذين يمثلان جناحي الأمة العربية والإسلامية، بعد أن ظنا أنهما قد نجحا في ردم الهوة التي كانت بينهما، وتمكنا من تجاوز الماضي، وإرثه الأسود، وأنهما استطاعا أن ينعتقا من ربقة العقول المشددة، والأفكار المتطرفة، والنفوس المريضة، وورثة الاستعمار القديم وأدواته الجديدة، وأنهما قد نجحا في نزع الإسفين الذي وضعه الغرب الاستعماري في بلادنا بين تيارات أمتنا قبل أن يرحل عن أوطاننا، مخلفاً وراءه، بين قطاعات الأمة، شروخاً عميقة، وخلافاتٍ شديدة، ومصالح متناقضة، ورهاناتٍ وتحالفاتٍ وعلاقاتٍ لا تخدم الأمة، ولا تصب في صالحها، بل تعود بالنفع على صناعها، وتخدم أهداف المروجين لها، والمحافظين عليها.

يبدو أننا على مشارف استنهاض الماضي، وبعثه من جديد، بكل ما فيه من سوءٍ ومرض، وفي كل البلاد والأوطان، رغم أننا جميعاً ندرك أن الماضي صعب، وأن إعادة انتاجه مرةً أخرى سيكون مؤلماً وقاسياً على الأمة، التي لم تعد تحتمل المزيد من النكبات أو النكسات، فقد أدمتها الأحداث، وأصابها في الماضي القريب من المحن والابتلاءات ما يكفيها، مما هدَّ عزائمها، وأضعف انتماءها، وهز عقيدتها، وشكك أتباعها في جدية الأفكار التي يؤمنون بها، وصدقية المفاهيم التي يضحون من أجلها، مما انعكس سلباً على كثيرٍ من أجيال الأمة، التي كفرت بالمفاهيم، وتنكبت للقيم، وتنكرت للموروثات، وحاولت التخلص من كل ما يقيد عقلها، ويربك تفكيرها، ويُظلم المستقبل أمامها، فابتعدت في ردة فعلٍ قاسية، هجرةً أو انعزالاً، وسلبيةً وانكفاءً.

وإن كنت لا أبرئُ أحد الطرفين، ولا أنحازُ إلى أحدهما ضد الآخر، وأدينهما كلاهما، وأحملهما مسؤولية ضياع الأمة، واختلاف أبنائها، وشتات أهلها، وفرقة شعوبها، وأرى أن عليهما يقع وزر الصراعات والجراحات العميقة التي أصابت جسد الأمة، وأثخنته سنين طويلة بالجراح.

إلا أنني أرى أن التيار القومي في الأمة، الذي أجل وأحترم وأقدر، وقد عملت إلى جانب رموزه سنواتٍ طويلة، لم يكن صادقاً في توجهاته، ومخلصاً في تطلعاته، بل أغاظه صعود التيار الإسلامي، وأزعجه امتداده الكبير في صفوف الأمة، والتحاق الكثير من أبنائها في صفوف القوى الإسلامية المختلفة، التي أثبتت عبر التاريخ تفوقها وتميزها، وسطوعها وذيوعها، وقد تقدمت صفوف المقاومة، وأبلت في مقاومة العدو بلاءً حسناً، وامتازت في عطائها كأعظم ما يكون التمايز، فقدمت وضحت وتحملت الكثير من الأعباء.

إلا أن التيار الإسلامي في أغلبه كان مؤمناً بضرورة التكامل، وأهمية مواصلة التلاقي والحوار، وعدم الانزواء وصد الأبواب، والانكفاء على الذات، والانغلاق عن الآخر، والاكتفاء بالقدرات الذاتية، وتجاوز قدرات الآخرين، والاستغناء عن مساهماتهم، ورفض أن يبقى أسير الماضي، وحبيس المظالم التي تعرض لها.

ولهذا فقد رصد التيار الإسلامي للحوار أموالاً طائلة، وأنفق على المؤتمرات والمنتديات وحلقات البحث مبالغ كبيرة، وكان حريصاً على المشاركة، مجتهداً في الحضور الفاعل، يعد ويجهز، ويناقش ويحاور، وعينه على الأمة بجناحيها العظيمين، معتقداً أنه بدونهما فإنه يستحيل على الأمة أن تحلق، وكان التيار الإسلامي يدقق في اختيار ممثليه، وانتقاء مندوبيه، ليكونوا من تياره الوسط المعتدل، المنفتحين على الآخر، والمؤمنين بضرورة التكامل والحوار، مستبعداً كل من لا يؤمن بالحوار، أو يسعى لتفجيره وتخريبه، ومنع تواصله واستمراره.

وكان الإسلاميون وهم ضحية الماضي، الذين عانوا من ظلم وبطش الأنظمة العربية، التي كانت تدعي القومية، وتلبس رداءها، وتتغطى بعبائتها، وتحمل وتنادي بشعاراتها، رغم أنها لم تكن صادقة في قوميتها، ولا مخلصة في ادعاءاتها، بل كانت أنظمة تسلطية ديكتاورية فردية، تخدم مصالحها، وتحارب كل من خالفها، من القوميين واليساريين قبل الإسلاميين أحياناً، وتمارس القمع ضد الجميع ولا تبالي، ولكن الإسلاميين كانوا أكثر من دفع الثمن، وضحى في السجون والمعتقلات وعلى أعواد المشانق، وحُرمَ المنتسبون إليه من حرية العمل والسفر وأحياناً الامتلاك، وإن كنا نبرئ التيار القومي من هذه الجرائم النكراء، التي يندى لها جبين العرب الكرماء، فإننا نعيب عليهم صمتهم وسكوتهم، وامتناعهم عن رفع الصوت والنصرة، واستنكار الظلم ورفض ممارسات السلطات العنيفة ضدهم، بل وقبولهم أحياناً باجراءات الأنظمة، وتبريرهم لممارساتها، وتشجيعهم على المضي فيها، وعدم التوقف عند حد، في الوقت الذي يحملون فيه الضحية مسؤولية ما نزل بهم.

اليوم وكما كان الإسلاميون بالأمس هم الضحية، فإننا نؤكد على أنهم لن يكونوا هم الضحية وحدهم، وأن سدنة السلطة وعبيد الغرب، وهواة السلطة وأدوات الفتنة والقهر، لن يستهدفوا الإسلاميين دون غيرهم، ولن يوجهوا إليهم سهامهم وحدهم، بل إنهم سيستهدفون الجميع، وسيتطاولون على الكل، وستكون الديمقراطية هي الضحية القادمة، وسيعتدون على حريات الشعوب وكرامتها، وعلى مبادئ حقوق الإنسان، وسيغتالون كل القيم، وسيدوسون على كل المعاني، ولن يبقوا على قيمةٍ غير القوة والقهر، والسجن والاعتقال والقتل.

تقف أمتنا العربية اليوم على أعتاب مراحل جديدة، وهي تتهيأ لدخول نادي الديمقراطية، وإن تعثرت وانقلب عليها الخائفون المرجفون، وحاولوا جرفها وحرفها، وإعادة عقارب الزمن إلى الوراء، وقهر الشعوب بالقوة، وإرغامهم بالسلطة، كيما يخنعوا ويسكتوا، ويتخلوا عن شعاراتهم وينقلبوا على مبادئهم، لذا فليعد القوميون إلى رشدهم، ولينتصروا إلى القيم والمبادئ، وليكونوا إلى جانب الديمقراطية والشرعية، وألا ينصروا حاكماً على شعبه، ولا يكونوا من جديداً قفازاً يلبسه الحكام، يزينون به أنفسهم، ويخدعون به غيرهم، ويمارسوا باسمه القهر والتعذيب والقتل، وليرفعوا إلى جانب إخوانهم أشرعة الحق، ورايات الشرعية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط