كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الكاتب يتكلَّم والشاعر يغنِّي!

الكاتب يتكلَّم  والشاعر يغنِّي!

تاريخ النشر: 2022-04-10 | 09:51

إنَّ الأمور تسير في الشِّعر «كما لو كان الشاعر يسعَى إلى تقوية أسباب الخلط، خلافًا للمقتضيات العاديَّة للتواصل».  صحيحٌ أنَّ «الشاعر يستعمل اللُّغة لأنَّه يريد التواصل، أي يريد أن يُفهَم، ولكنه يريد أن يُفهَم بطريقةٍ ما.  إنَّه يهدف إلى إثارة شكلٍ خاصٍّ من الفهم عند المتلقِّي، يختلف عن الفهمِ التحليليِّ الواضح الذي تثيره الرسالة العاديَّة»(1).  إنَّ الشِّعر يرضَى أن يضع نفسه في منزلةٍ بين الفهم وعَدَمه.(2) إنَّه يعني «ما يجعلنا نُحِسُّ شيئًا، فيما النثر يعني ما يجعلنا نفهم شيئًا.  فكاتب النثر يتكلَّم، أمَّا الشاعر فيغنِّي»(3).  لذا فإنَّ استخدامَ الشِّعرِ اللُّغةَ يخالف استخدامَ العِلم إيَّاها؛ فالشاعر لا يختار ألفاظه اختيارًا منطقيًّا، قاصدًا معنًى واحدًا، وإنَّما على العكس من ذلك. 

إنَّ الشِّعر منطقٌ فوق المنطق، وعقلٌ خارج العقل والواقع المألوف.  وهذا وعيٌ نقديٌّ لم يكن لدَى مُعظم نُقَّادِنا العَرَب قديمًا؛ الذين لم يكونوا يفرِّقون بين الشِّعر وغير الشِّعر إلَّا بالأوزان والقوافي.  ولولا ذلك لما مَرَدوا على تخطئة الشُّعراء؛ كما فعل بعضهم مع بيت (المرقِّش الأصغر)، مثلًا:

صحا قَلْـبُـهُ عـنها، على أنَّ ذِكْـرَةً ::: إذا خَطَرَتْ دارتْ بِهِ الأرضُ قائمًا

الذي اعترض عليه متحذلقوهم، ممَّن يحكِّمون منطق العقل في كلام الشُّعراء، قائلين: «وكيف صحا عنها مَن إذا ذُكِرت له دارت به الأرض؟!»  قالوا: «والجيِّد في السُّلُوِّ قول (أوس): 

صَحا قَـلبُـهُ عَن سُكْرِهِ وتأمَّلا ::: وكانَ بِذِكْرَى أُمِّ عَمْرٍ مُـوَكَّلا

فقال: «وكان بذِكْرَى أُمِّ عَمْرٍ مُـوَكَّلا»!»(4) هكذا السُّلُوُّ، إذن، وإلَّا فلا!  فالجيِّد لدَى نقَّادنا القدامى أن يُحدِّد الشاعر كلامه تحديدًا قاطعًا: «سلوٌّ» يعني سُلوًّا!  لا مجال لديهم لأوساط المواقف، ولا لتعدُّد الأوجه في الاحتمالات والدلالات!  وهذا عِيٌّ عجيبٌ في تذوُّق الأساليب البلاغيَّة، حتى في غير الشِّعر.  وإنَّما أراد المرقِّش- لو كانوا يقرؤون- المبالغةَ في تصوير تعلُّقه بمحبوبته، حتى إنَّ صَحْوَه عنها ليس بصَحْوٍ على الحقيقة؛ وحتى إنَّ ذِكراها، بالرغم من الصَّحْو، تجعل الأرض به تميد.  فكيف بحاله قبل أن يصحو؟! 

قالوا: «ومثل قول (المرقِّش) في الخطأ قول (امرئ القيس):

أَغَـرَّكِ مِـنِّي أَنَّ حُبَّـكِ قـاتِـلي؟! ::: وأَنَّكِ مَهْما تَأْمُري القَلْبَ يَفْعَلِ؟!»

عادِّين هذا «من فساد المعنى»، معلِّلين حُكمهم بالقول: «إذا لم تَغْرُرها هذه الحالُ منه، فما الذي يغرُّها؟!»  ثمَّ استدركوا، لكي يقفلوا الباب بالتِّرباس على الشِّعر والشُّعراء ومن لفَّ لفَّهم: «وليس للمُحتجِّ عنه أن يقول: إنَّما عنى بالقَتْل هاهنا التَّبريح، فإنَّ الذي يلزمُه من الهُجْنَة مع ذِكر القَتْل يلزمه أيضًا مع ذِكْر التَّبريح.»(5) والحقُّ أنَّ هذا النقد هو الذي يُعَدُّ من فساد المعنى، وفساد الشِّعر، بل من التبريح بهما وقتلهما.  وإنَّه ليتعذَّر على السَّويِّ أن يفهم كيف كان يُفَكِّر هؤلاء؟!  وإنَّما كان الشاعر يتساءل تساؤلًا تعجُّبيًّا من حالِه مع صاحبته (فاطمة)، لا تساؤلًا تحقيقيًّا منطقيًّا.  وإذا كان غرور المحبوب محبوبًا عادةً، وأوامره مطاعة، فإنَّ سؤال الشاعر هنا هو على سبيل التقرير أيضًا.  لسان حاله: «معكِ حقٌّ في أن تَغْتَرِّي!»  لكنه ما كان له أن يأتي بالمعنى على هذا النحو البارد، وإلَّا لما كان شِعرًا، بل جاء به في تساؤلٍ تعجُّبيٍّ تقريريٍّ معًا.  بل لو أراد أولئك البلاغيُّون الاتِّساق مع مَنْطَقَتهم الشِّعر، لتسنَّى لهم ذلك، ولكن بتفسير النصِّ دون اجتزاء؛ بإيراد البيت السابق- أو اللاحق، على اختلاف الروايات في ترتيب الأبيات- وهو:

وإنْ  تَكُ قد ساءَتْكِ مِنِّيْ خَلِيْقَةٌ ::: فَسُلِّي ثِيابِـي  مِـنْ   ثِيابِـكِ  تَنْـسُلِ

مُؤْذِنًا إيَّاها بالبَين الاختياريِّ والنهائيِّ من طَرَفها، وبأن تَسُلَّ ثيابَه من ثيابها، بكلِّ يُسْر.  ولماذا يكلِّفها هي بأن تَسُلَّ ثيابه، ولا يسلُّها هو، فلم يقل: «فَسُلِّي ثِيابَكِ مِن ثِيابِـي»؟ أ بمقتضى الوزن، لا أكثر؟  أم لأنَّه أراد القول إنَّه شخصيًّا لا يطيق سَلَّ ثيابه من ثيابها، أي لا يُطيق فراقها؟  إنَّ الشاعر الذي يَحْكُمُه الوزن والقافية ليس بشاعرٍ أصلًا!  وما نرى إلَّا أنَّ الشاعر أكبر من ضرورات الوزن، وإنَّما أراد مخاطبة فاطمته بقوله: بوسعك أن تَبيني عنِّي، فلا تعودي أبدًا إلى رؤية «رُقعة وجهي»- كما يُقول الناس اليوم بالدارجة- وكفى الله العاشقين القتل وما يترتَّب عليه من غرور!

ـــــــــــــــــــــــ

(1)  كوهن، جان، (1986)، بنية اللُّغة الشِّعريَّة، ترجمة: محمَّد الولي ومحمَّد العمري، (الدار البيضاء: دار توبقال)، 76، 95. 

(2)  يُنظَر: م.ن، 95. 

(3) Crump, Geoffrey, (1953), Speaking Poetry, (London: Methuen), 18.

(4)  العسكري، أبو هلال، (1971)، كتاب الصِّناعتَين: الكتابة والشِّعر، تحقيق: علي محمَّد البجاوي، ومحمَّد أبي الفضل إبراهيم، (القاهرة: عيسى البابي الحلبي)، 73.

(5)  م.ن، 73- 74. 

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة المَلِك سعود)

[email protected]

https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify

واقرأ للكاتب:

شِعر ابن مُقبل (قلق الخضرمة بين الجاهليّ والإسلاميّ: دراسة تحليليّة نقديّة)، جزءان، (جازان: النادي الأدبي، 1999).  [أصله: رسالة ماجستير].

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط