كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الكتابة ما بين زمنين

الكتابة ما بين زمنين

تاريخ النشر: 2018-11-08 | 09:22

لم يترك التقدم العلمي والتكنولوجي دربا من دروب الحياة المعاصرة إلا وترك بصماته الإيجابية وأحدث فيه ما يشبه الانقلاب أو الثورة ، في الطب والزراعة والثقافة والصناعة والتعليم ووسائل النقل والاتصالات والمعلوماتية الخ ، مع ذلك فإن هذه الثورة العلمية أثارت تخوفات عند بعض الفلاسفة والعلماء أنفسهم الذين حذروا من هذه الوتيرة المتسارعة للعلم والتكنولوجيا وتأثيراتها السلبية على نمط معيشة البشر ومستقبل البشرية مثل : تلوث البيئة البرية والبحرية والتأثير على طبقة الأوزون ، الثورة البيولوجية والتلاعب بالجينات البشرية ، تطور الأسلحة التقليدية والنووية ونتائجها المدمرة في الحروب والنزاعات ، تفكك أو ضعف العلاقات الاجتماعية والأسرية ، انتشار ما تسمى أمراض العصر كالتوتر والقلق والضغط والخوف من المستقبل الخ ، تنميط الانسان بحيث أصبح ذي بُعد واحد على حد قول الفيلسوف هيربرت ماركوز في كتابه "الإنسان ذو البُعد الواحد" ، صناعة المجتمع الاستهلاكي وتباعد الفجوة بين طبقات المجتمع ،الافتقار لبساطة الحياة الأولى والحنين إليها كما عكسته ظاهرة الهيبيز Hippies في السبعينات والثمانينيات ثم جماعات الخضر و تزايد النستالجيا nostalgia بمعنى الحنين إلى الماضي بما يتضمن من رفض للحاضر أو الاغتراب عنه ... .

لا غرو أن إيجابيات العلم والثورة التكنولوجية ثم المعلوماتية والبيولوجية أكثر بكثير من سلبياتها ، هذا ناهيك أن التطور العلمي والتكنولوجي وبالرغم من أنه نتاج العقل والجهد البشري إلا أنه أصبح مفروضا على البشر كثقافة وسلوك ونمط حياة وعلى الدول كضرورة حتى تحافظ على بقائها وتحتل مكانتها بين الدول الأخرى وتلبي احتياجات شعبها ، وبالتالي لم يعد الأخذ بناصية العلم والتحضر خيارا إلا لمن يريد العيش في الكهف . لقد أصبحت قصة البشرية مع العلم وثورة المعلوماتية تشبه رواية الكاتبة الإنجليزية ماري شيلي (1797-1851)حول فرانكشتين (( Frankenstein أو المخلوق الذي تمرد على خالقه حيث طوعت الثورة العلمية والتكنولوجية البشر لها .

كما سبق الذكر ، كثيرة المجالات التي تأثرت بالثورة المعلوماتية والرقمية وخصوصا ما يتعلق بمجالات الكمبيوتر والانترنت وتأثيرها على الكتابة والتأليف والنشر . صحيح ، إن الكاتب فقد متعة استعمال القلم والورق عند الكتابة وملامسة صفحات الكتاب أو الصحيفة وتقليبها عند القراءة وهو على كرسيه أو متكئا على الأرض أو متمددا في سريره متنشقا العبق الخشبي للورق ، إلا أنه في المقابل استفاد من سرعة الكتابة على الكمبيوتر وحفظِ ما يكتب مباشرة وتعديله ، كما أن الكمبيوتر والانترنت جعلا عملية الحصول على المراجع والتواصل مع القراء ودور النشر أكثر سهولة وسرعة .

وسأعرج على جزئية صغيرة عايشتها ومر بها كثيرون ممن يشتغلون في مجالات الكتابة والبحث العلمي . فإذ أعود بذاكرتي إلى منتصف الثمانينيات حيث بداية تعاملي مع الكتابة والبحث وأتذكر كيف كان الكاتب يجد صعوبة في عملية الكتابة سواء في حصوله على المراجع والأدبيات اللازمة لموضوع بحثه – كتابا أو رسالة جامعية أو بحثا علميا أو مقالا- أو في نشره وتوزيعه عبر الصحف والمجلات ودور نشر الكتب ، ألمس التحول المذهل الذي طرأ في هذا المجال .

فمن خلال تجربتي الشخصية المتواضعة وعندما بدأت مشواري في مجال البحث الأكاديمي والكتابة السياسية اضطررت للسفر من الرباط في المغرب إلى بيروت ودمشق عام 1979 للحصول على كتب ووثائق حول رسالة الماجستير ومقابلة شخصيات سياسية معنية بموضوع بحثي ، ونفس الأمر بالنسبة لرسالة الدكتوراه حيث سافرت للبلدين بالإضافة إلى القاهرة عام 1982 للحصول على المراجع اللازمة . وأذكر أنني احتجت لكتاب باللغة الإنجليزية حول موضوع بحثي منشور في لندن وورد في أحد المراجع ، وبحثت عنه في مكتبات المغرب ولم أجده فتواصلت مع المركز الثقافي البريطاني في الرباط للاستفسار عن إمكانية الحصول عليه وكان عليَّ أن انتظر شهرا تقريبا ليعلموني بوجود الكتاب وثمنه ، وبعد أن دفعت ثمنه مقدما انتظرت أكثر من ثلاثة اشهر حتى وصلني الكتاب .

أما في مجال الكتابة والنشر فقد كانت أولى كتاباتي بداية الثمانينيات في صحف ومجلات تصدر في بيروت كمجلة المستقبل العربي و في لندن صحيفة الشرق الأوسط والحياة والقدس العربي ، وفي الكويت صحيفة القبس الدولي بالإضافة إلى الصحافة المغربية . في ذاك الوقت كانت الكتابة على الورق بداية بما تتضمنه من متعة ملامسة القلم للورقة ومتعة امتلاء الصفحة وبداية صفحة جديدة ومتعة نفاذ الحبر من القلم والبحث عن قلم جديد أو تعبئة أنبوبة القلم بالمداد ،وبعد ذلك تأتي مرحلة طباعة ما هو موجود على الورق بالدكتيلو dactylo)) أو الآلة الكاتبة ثم تصحيح ما هو مطبوع يدويا وإعادة طباعته ، وأخيرا تأتي مرحلة مراسلة المعنيين بالنشر ، حيث يتم وضع المقال أو البحث في مظروف والتوجه لمركز البريد لوضع الطوابع البريدية المناسبة مع جهة الإرسال ، وكان علينا الانتظار لأسبوع أو أكثر حتى تصل الرسالة لجهتها ووقت مثله حتى نتلقى الرد ، ومع تشريف الفاكس لبلداننا العربية أصبح التواصل أسهل مع كُلفة أكثر .

مع ظهور الكمبيوتر والانترنت أصبحت الكتابة والتواصل أكثر سهولة ، حيث ،ومن خلال تجربتي الشخصية ، نكتب مباشرة على الكمبيوتر ونصحح ونعدل مباشرة ونحفظ لوقت لاحق ما يتم كتابته ، وأثناء عملية الكتابة نستطيع الاستعانة بالمراجع وإجراء عملية التوثيق مباشرة من خلال الانترنت أو ما هو مختزن في ذاكرة وملفات الكمبيوتر ، وبعد إتمام الكِتاب أو البحث أو المقالة نستطيع إرساله مباشرة وخلال ثوان إلى جهات النشر المطلوبة وقد نتلقى الرد بعد دقائق أو ساعات .

وأخيرا فإن الانسان المعاصر يعيش حالة من التنازع الداخلي أو الوجداني ما بين حنين للماضي ومسايرة للحاضر وتفاؤل بالمستقبل . قال أحد الفلاسفة بأن داخل كل إنسان طفل وهو كلام صحيح ، ونضيف ما هو قريب من هذا المعنى بأن كل انسان يحمل في داخله تاريخه الشخصي ، يتوق من خلاله لما هو جميل منه ويستحضره دوما كنوع من النستالجيا وفي نفس الوقت يحاول أن يُبعد من الذاكرة ما هو مؤلم ومُحزن أو شاهد على أخطائه وزلاته ، ولكن دائما تكون الغلبة للواقع حيث يستطيع الإنسان الانسلاخ عن تاريخه ولكنه لا يستطيع أن يهرب من الواقع واستحقاقاته ، ومع مرور الوقت سيتحول الحاضر بدوره إلى ذكرى حيث الحاضر مستقبل الماضي وفي نفس الوقت ماضي المستقبل .

[email protected]

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط