كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الكلفة الحقيقية لعفرين

الكلفة الحقيقية لعفرين

تاريخ النشر: 2018-03-23 | 09:52

تملكت الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وأنصاره حالة من النشوة والحماسة البالغة عند رؤيتهم العلم التركي يرفرف فوق مبنى بلدية عفرين. من الممكن تفسير تلك على أنها المرة الأولى خلال 100 عام التي تحقق فيها تركيا انتصاراً عسكرياً على خصم متأهب للقتال (فقد تمكنت تركيا من احتلال جزء من قبرص عام 1974 من دون الحاجة إلى خوص معركة حقيقية). لكن الواقع على الأرض يجب أن يحد من حالة الحماس التي أشعلها إردوغان وما اعتبره «انتصاراً تاريخياً». والمقصود هنا أن تحقيق أكبر جيوش حزب شمال الأطلسي (ناتو) في أوروبا النصر على جيش من العصابات الكردية الصغيرة المبعثرة ضعيفة التسليح لا يشكل مفاجأة، فلا هو ألب أرسلان بعد الاستيلاء على بلدة ملاذ غرد، ولا هو السلطان محمد الفاتح بعد الاستيلاء على بيزنطة.
فالاستيلاء على عفرين يعد حلاً من العصور الوسطى جرى تطبيقه مع إحدى مشكلات القرن الواحد والعشرين التي تواجهها تركيا.
فبالحكم استناداً إلى التصريحات الرسمية الصادرة من أنقرة نستطيع القول إن إردوغان يحاول عمل ما أطلق عليه الخبراء الاستراتيجيون في القرن التاسع عشر «الكردون» أو الحصار المفترض أن يحمي تركيا من الغزاة في المناطق الكردية. غير أن التاريخ العسكري، على الأقل منذ كارثة ما يعرف بمغامرة ماجينو لاين عام 1939، أظهر أن مثل تلك المصطلحات لم يعد لها وجود في الحروب الحديثة، خاصة في ذلك النوع غير المتكافئ الذي تنفذه تركيا.
فقد جاء مصطلحا «كردون» و«حصار» ليتسببا بالمزيد من عمليات التوسع وبناء الإمبراطوريات، إذ يتطلب حماية مدينة أن تفرض حصاراً على مدينة أخرى وعلى غيرها وغيرها، إلى ما لا نهاية. ولذلك فإن الحصار الذي فرضه إردوغان على المنطقة السورية الكردية سيتطلب حماية من المناطق المجاورة في سوريا وكذلك في المناطق الكردية في العراق، ناهيك عن إيران التي ربما تقدم لحزب العمال الكردستاني ملاذاً آمناً، أو حتى قواعد للعمليات ضد تركيا كما فعلت في السابق وعلى مدى عقود طويلة. وإذا ذهبنا إلى مستوى أقل، فإن «الإرهابيين» الأكراد الذين يشكلون تهديداً على تركيا بإمكانهم عبور الحدود بصعوبة أقل، وهو العمل الذي يجيده الإرهابيون في جميع أنحاء العالم على اختلاف مشاربهم.
وعلى النقيض، فإن الاعتماد فقط على القوة وعلى المحاولات الحثيثة لإهانة الخصم ربما تساعد في إعادة إشعال مزاعم حزب العمال الكردستاني بشأن المظلومية كمبرر لممارسة العنف والإرهاب. وهذا في حد ذاته مؤسف لأن الأقلية الكردية التركية عاشت حياة كريمة في عهد إردوغان.
يدرك الذين اعتادوا على الحياة في أرض الواقع في تركيا في عهد إردوغان أن رعاية إردوغان للمناطق ذات الأغلبية الكردية قد خلصتهم من الفقر المدقع ومتعهم بقدر من الرخاء لم يعهدوه من قبل.
وقد أشارت الأدلة المبنية على الملاحظة والتجربة إلى أن آيديولوجيا حزب العمال الكردستاني الماركسية اللينينية ووهم إنشاء الدولة البلوريتارية لتحل مكان الجمهورية التركية لم تلق سوى قبول محدود بين الأتراك، لكن ما نجح حزب العمال الكردستانى في استقطاب التعاطف بشأنه يكمن في جوهر «قضية الهوية» أو مبدأ «هم في مواجهتنا» الذي يغذي الفكر الانفصالي حتى في إقليم مثل اسكوتلندا أو كتالونيا.
وبالتخلص من العديد من «قضايا الهوية» تلك، فقد نجح إردوغان في فترة ولايته الأولى في أن يحرم حزب العمال من الكثير من غذائه الروحي الآيديولوجي. وتجلى ذلك الإنجاز الكبير في التغير العام الذي طرأ على قيادة حزب العمال الكردستاني، تحديداً الأب المؤسس المعتقل حالياً عبد الله أوجلان.
فالاستيلاء على بلدة عفرين، وحتى لو افترضنا أن الوضع سيدوم، لن يحل المشكلة التركية الكردية. لكن في ضوء قانون العواقب غير المقصودة، ربما يؤدي بتركيا إلى متاهة من المشكلات الجديدة. فعدد كبير من قوات النخبة التركية تتعثر حاليا في قبرص، ولا تبدو لوجودها نهاية واضحة في الأفق، والحصار الذي يريد إردوغان فرضه في سوريا ربما ينتهي في نهاية الأمر بحشد المزيد من قوات النخبة التركية هناك، مما يؤدي إلى خلل استراتيجي في التوازن في الفكر الدفاعي للدولة وفي الوسائل المطلوبة للإبقاء عليها، ناهيك عن الكلفة الاقتصادية للتدخل. كذلك فإن من شأن الحصار السوري أن يشرك تركيا في أي مشروع يهدف إلى خلق سوريا جديدة على أنقاض سوريا الحالية الممزقة. وبإمكان باقي الدول المتورطة في المستنقع السوري، ومنها روسيا وإيران والولايات المتحدة، النأي بأنفسها عن ذلك المكان بسهولة لأن وجودها لن يعود عليها بمنافع جغرافية على الأرض. وحتى لو أن روسيا قررت التمسك بقاعدتها في سوريا، فستتمكن من الدفاع عن تلك المنطقة المحاصرة على البحر المتوسط من دون مواجهة تهديد لأراضيها أو احتمال تعرضها لغزو أجنبي. بإمكان إيران أيضاً سحب المرتزقة اللبنانيين وغيرهم من التابعين لها من دون تعريض أراضيها لاختراق الإرهابيين.
كذلك يمكن لتركيا الانكفاء على ذاتها بسبب الوضع السوري، بالضبط كما حدث لرواندا في مسألة الكونغو كينشاسا في دوامة لا نهائية.
فالتورط في المنطقة الكردية السورية قد يفسد من العلاقة الهشة التي بنيت على مدار عقود بين تركيا وأكراد العراق المستقلين. ومن شأن ذلك في المقابل أن يضعف من قدرة رجل تركيا القوي من لعب دور القيادة في خطط العراق الطموحة لإعادة الإعمار.
وعلى مدار العقد الأخير، فقدت المشروعات التركية أسواقاً رئيسية في تونس وليبيا ومصر وسوريا. ويعد مستقبل العراق كسوق جديدة صاعدة ضمن الأخبار السارة التي تتمسك بها المشاريع التركية، وهو ما تجلى في توقيع عقد بقيمة تخطت 20 مليار دولار. بيد أن صورة إردوغان الجديدة كعدو للأكراد قد تجعل تركيا تفقد حلفاءها الأقربين في كردستان العراق، فيما تلعب إيران بالكارت الشيعي للحد من النفوذ الكردي. ربما تتسبب مغامرة إردوغان الكردية ببعض الضغط أيضاً على علاقات أنقرة مع حلفاء حلف شمال الأطلسي «ناتو».
بعدما ما غضت الطرف عن حملة تركيا على أكراد سوريا، فمن غير المرجح أن تهمل الولايات المتحدة حلفاءها الأكراد كلياً بعد أن ساعدوا في هزيمة تنظيم داعش. ولذلك، ربما يكتشف إردوغان أن انتصاره في عفرين لم يكن محسوماً كما أراد أو كما اعتقد. ومن المؤكد أن لا أحد يستطيع إقصاءه بالقوة، على الأقل في القريب العاجل. لكن الولايات المتحدة وغيرها بإمكانها المساعدة في رفع كلفة «انتصاره العظيم».
فمنذ نحو عقدين، أبلغنا إردوغان بأن المشكلة الكردية مشكلة سياسية من دون حل عسكري. وفي دورته الأولى كرئيس للوزراء، فقد أظهر إردوغان أنه بإمكانه أن يطبق تلك الرؤية بقدر من الصبر والتحمل. لكن الآن يبدو ذلك الصبر والتحمل وكأنه قد تبخر، وما يقدمه حالياً ليس أكثر من وجبات سريعة تافهة لانتصار عسكري أجوف.
فمشهد رفع العلم التركي على عفرين قد استنسخ من مشهد قوات البحرية الأميركية وهي ترفع العلم الأميركي عقب انتهاء معركة «أيو جيما» مع اليابان.
وكما كل عمل بهوليوود، فالصورة المستنسخة لا يمكن أن تكون في جودة الأصل، وغالباً ما ينتهي الأمر بإفلاس الأستوديو الذي شهد التصوير.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط