كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اللغة والفعل الاجتماعي والنظام الأخلاقي

اللغة والفعل الاجتماعي والنظام الأخلاقي

تاريخ النشر: 2022-08-13 | 06:36

1..  لَيْسَ الهدفُ مِن الفِعْل الاجتماعي تحويلَ أحلامِ الفرد إلى رُموز لغوية هُلامية ، أوْ معايير ثقافية سطحية ، أوْ نظريات فلسفية مُجرَّدة ، بَلْ تحويل السُّلوك اليومي إلى وَعْي مُتَجَدِّد باستمرار ، وتفسير تاريخ المُجتمع باعتباره جُغرافيا حاضنة للمَدَارِك العقلية ومصادرِ المعرفة ، وتَوسيع زوايا الرؤية مِن أجل تَكوين أفكار إبداعية نَقْدِيَّة قادرة على جَعْلِ سياسة البناء الاجتماعي آلِيَّةً لتحليل المفاهيم الفكرية في ضَوء الروابط المجتمعية ، وهذا مِن شأنه تحرير الفرد مِن المُسلَّمات المُتَصَوَّرَة والتأويلات المُتَخَيَّلَة ، وجَعْله قادرًا على تطوير علاقاته ومصالحه بعيدًا عن الاستثمار في الصِّدَام بَين العقل الفَرْدي والعقل الجَمْعي ، وبعيدًا عن الخَوف مِن ضَياع الهُوِيَّة وانكسارِ الماهيَّة . وهُوِيَّةُ الفرد الحقيقية لَيْسَتْ جِينات وراثية ، وإنَّما فلسفته في الحياة على الصعيدَيْن العِلْمي والعَمَلي . والفردُ الواعي لا يَهرُب إلى أعماق الماضي لإيجاد هُويته في الحاضر ، لأنَّ الهُرُوب هاوية لا هُوِيَّة ، وإنَّما يُكوِّن الوَعْيَ بالماضي لصناعة الحاضر، وتحويله إلى زَمَنٍ مُنْفَتِحٍ يَجعل الفِعْلَ الاجتماعي منظورًا أخلاقيًّا،وتحويل الزمن إلى مكانٍ مَفتوحٍ للبُنى الوظيفية وتركيبها، والأبنيةِ اللغوية وتفسيرها، يَجعل الواقعَ المُعَاش سِيَاقًا للتفاعل بين الأفراد مِن خِلال اللغة باعتبارها وسيلةً للتصالح معَ الذات والآخرين ، ولَيْسَتْ أداةً هُجوميةً لتحطيم المُنْجَزَات الفردية والجماعية ، أوْ لُعبةً تأويليةً لفصل النظرية عن التطبيق في مسار المُجتمع ومصيره .

2

     اللغةُ والفِعْلُ الاجتماعي يُمثِّلان نشاطًا تواصليًّا ، ويُفْرِزَان حَرَاكًا ثقافيًّا . ودَوْرُ اللغة هو حماية الفِعل الاجتماعي مِن القوالب الجاهزة ، ودَوْرُ الفِعْل الاجتماعي هو حماية اللغة مِن التَّحَوُّل إلى أداة استهلاكية لإنتاج الوَعْي الزائف. وكُلُّ وَعْي زائف سيتم توظيفه لخداع الرأي العام، والتلاعب بشعور الأفراد، وركوب المَوجة بما يضمن تغيير أولويات المجتمع، واحتكار مَسَاره ، وتهديد مصيره . وفلسفةُ اللغةِ قائمة على التفاهم لا الخِدَاع، وفلسفةُ الفِعْل الاجتماعي قائمة على الحقيقة لا الزَّيْف، وهذا يَعْني أنَّ اللغة كَينونة وُجودية مُتداخلة مَعَ الشُّعور والوَعْي والإدراك ، وقادرة على التفاعل معَ الواقع ، سواءٌ كان سابحًا في الذهن والخَيَال ، أوْ مَحصورًا في إطار الزمن والمكان ، كما يَعْني أنَّ الفِعْل الاجتماعي كِيَان جَوهري مُرتبط بالألم واللذة والأخلاق ، وقادر على مَنْع الوَهْمِ مِن تحطيم شخصية الفرد الإنسانية ، ومَنْعِ العِلْمِ مِن تدمير عناصر الطبيعة لتحقيق مصالح شخصية . والعِلْمُ بلا منظومة أخلاقية سَيَصير وحشًا هائجًا ، يتعامل مع التقنية كأداة استغلال، ولَيست مشروعًا للخَلاص . ولا بُدَّ أن تَصِير اللغةُ تجسيدًا للحُلْمِ الإنساني ، وفضاءً للفِعْل الاجتماعي ، مِن أجل بناء علاقة مُتَّزِنَة ومُتَوَازِنَة بين المعرفة والمصلحة ، بحيث لا يُصبح الفردُ مِسمارًا في نَعْش المُجتمع ، ولا يُصبح المُجتمعُ كابوسًا يُطَارِد الفردَ.ولن يتحرَّر المجتمعُ مِن ثنائية (الصَّياد/الفريسة) إلا إذا تَحَرَّرَتْ شخصيةُ الفرد الإنسانية مِن سُلطة الوَهْم.

3

     الفردُ يُطوِّر علاقاته الاجتماعية لتحقيق مَصْلحته ، ويُطوِّر مَصْلحته لبناء شرعية وُجوده على قاعدة إنسانية رُبَاعية الأبعاد : المُتعة ، والقُوَّة ، والمعرفة ، والمسؤولية . وهذا التطويرُ مُرتبط بفلسفة الواقع المُعَاش ، التي تُوجد في رمزية اللغة القادرة على إنشاء نظام أخلاقي حاضن للجميع،لا يَستبعد الأنساقَ الاجتماعية المُسَيَّسَة، وإنَّما يُؤَنْسِنُها، أي: يَجعلها إنسانيةً خاليةً مِن قِيَم التَّوَحُّش والاستغلال ، ولا يَستثني الظواهرَ الثقافية الفَوضوية، وإنَّما يُعَقْلِنُها، أي: يَجعلها عقلانيةً خاليةً مِن قِيَم العبث والعدمية . وهذا النظامُ الأخلاقي لا بُدَّ أن يتجسَّد في البُنية الحضارية الفاصلة بين النَّسَقِ المادي لإفرازات الفِعْل الاجتماعي ، والنَّسَقِ الرمزي لأحلام الفاعل الاجتماعي. وهذا التَّجَسُّدُ سَيُؤَدِّي إلى تَجسيد الحقائق التاريخية في الخِبرات الحياتية ، فَيُصبح الصراعُ داخلَ المُجتمع سِيَاقًا ثقافيًّا خاليًا مِن العُنف ، وقائمًا على الوَعْي بالتاريخ المُشْتَرَك ، ومُتَوَافِقًا معَ تحوُّلات الهُوِيَّة المعرفية زمنيًّا ومكانيًّا. وبما أنَّ فلسفة المُجتمع لا تَمتلك الحقيقةَ المُطْلَقَةَ، فلا بُدَّ مِن ظُهور تفسيرات مُتعددة لطبيعة الصراع داخل المُجتمع . ولا يَنبغي الغرق في هذه التفسيرات ، وإنَّما تجاوزها بتأسيس نظام عقلاني نَقْدِي يَمنع تحويلَ شخصية الفرد الإنسانية إلى سِلعة ، أوْ ورقة للمُسَاوَمَة ضِمن شُروط الرِّبْح والخسارة . وإذا صارتْ حياةُ الفرد نظامًا للمُقَايَضَة، فلا بُدَّ أن يُصبح ورقةً مَحروقةً . وعندئذ ، تتمزَّق الهُوِيَّةُ المعرفية ، وتتشظَّى العلاقاتُ الاجتماعية ، ويتفكَّك المُجتمع من الداخل . لذلك ، يجب تحريرُ الوَعْي الاجتماعي من المصالح الشخصية الضَّيقة ، والمحافظة على وجود الفرد كَنَسَق أخلاقي حُر ، ولَيس أداة خاضعة للهَيمنة والابتزاز . وهذه هي الضَّمانة الأكيدة لإعادة المجتمع إلى إنسانيته ضِمن السِّيَاق الحضاري ، الذي يَزرع القِيَمَ الجَمَالِيَّة والأبعادَ الأخلاقية في الفرد ، كَي يَكتشف عناصرَ الطبيعة ، ويتفاعل معها لغويًّا ومعرفيًّا ، ولا يُحوِّل الطبيعةَ إلى عَقْل مادي مُهيمن على حياة الفرد ، ولا يَجعل التقنيةَ سَيْفًا مُسَلَّطًا على رقبة المُجتمع . والهدفُ الأساسي من المعرفة هو تحقيق التواصل بين أفراد المُجتمع ، ونشر فِكرة الحِوار والتسامح والنَّقْد البَنَّاء ، وتعميق رُوح الانتماء للحق ، والولاء للحقيقة . وإذا صارت المعرفةُ أُسلوبًا للتَّحَكُّمِ بالفرد ، والسَّيطرةِ على المُجتمع ، واستنزافِ الطبيعة ، فَسَوْفَ تَسقط الحضارةُ الإنسانيةُ في العَدَم ، وتَصير فِكْرًا مُتَوَحِّشًا ، وفَرَاغًا مُوحِشًا .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط