كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

اللواء صلاح شديد «أبو عدي»... سيرة رجلٍ حمل فلسطين من ساحات الثورة إلى ذاكرة المؤسسة

اللواء صلاح شديد «أبو عدي»... سيرة رجلٍ حمل فلسطين من ساحات الثورة إلى ذاكرة المؤسسة

تاريخ النشر: 2026-09-10 | 14:18

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

ليست كل السِيَر تُكتب بالحبر، فهناك رجالٌ كتبتهم فلسطين في صفحاتها بالنضال، وبسنوات العمر، وبقسوة المنافي، وبالتعب الذي لا يراه إلا من عاشه.
وحين نقترب من سيرة اللواء صلاح شديد «أبو عدي»، فإننا لا نقف أمام اسمٍ عابر في سجل الرتب والمناصب، وإنما أمام مسيرة رجلٍ ارتبط اسمه بجيلٍ من أبناء حركة فتح، وبالمؤسسة العسكرية الفلسطينية، وبقضية المتقاعدين العسكريين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.
إنها سيرة بدأت في 25 مارس/آذار 1949، من جذور فلسطينية أصيلة تعود إلى بلدة علّار في محافظة طولكرم، حيث تربّى في بيئةٍ تعرف معنى الانتماء، وتعرف أن فلسطين ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة وكرامة ومسؤولية.
ومنذ سنوات الشباب الأولى، اختار صلاح شديد طريقًا لم يكن يومها طريقًا مفروشًا بالراحة.
كان من أبناء البدايات المبكرة في حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، وواحدًا من الرجال الذين انخرطوا في العمل الوطني والتنظيمي والعسكري في مرحلة كانت الثورة الفلسطينية تشق طريقها وسط العواصف.
تنقّل بين ساحات العمل الفلسطيني في الأردن ولبنان وسوريا، وعاش مرحلةً كان فيها الفلسطيني يحمل قضيته معه أينما حلّ، ويؤمن أن الوطن يمكن أن يُبعد الجسد عنه، لكنه لا يستطيع أن يُبعد فلسطين عن الروح.
هناك، في ساحات الثورة، تشكلت شخصية «أبو عدي».
الانضباط لم يكن عنده مجرد سلوك عسكري، بل طريقة حياة.
والالتزام لم يكن شعارًا، بل ممارسة.
والقيادة لم تكن امتيازًا، وإنما مسؤولية.
ثم جاء عام 1994، وبدأ فصلٌ جديد من الحكاية: فصل الانتقال من زمن الثورة إلى زمن بناء المؤسسة الوطنية الفلسطينية.
ومع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، كان اللواء صلاح شديد ضمن الكوادر العسكرية التي ساهمت في بناء وترسيخ الأجهزة الأمنية والعسكرية الفلسطينية، والمشاركة في وضع اللبنات الأولى لمؤسسةٍ وطنية كان مطلوبًا منها أن تجمع بين إرث الثورة ومتطلبات الدولة.
وهذه مرحلة لا يمكن اختزالها في مسمى وظيفي؛ فبناء المؤسسة أصعب من إدارة المؤسسة، لأنك لا تدير شيئًا مكتملًا، بل تضع القواعد، وتبني الكادر، وتؤسس الانضباط، وتحاول أن تنقل تجربة سنوات الثورة إلى مؤسسات الوطن.
وهكذا مضت سنوات الخدمة العسكرية، وتدرج الرجل في المسؤولية حتى حمل رتبة اللواء، وهي رتبة لا تكتسب قيمتها من نجومها، وإنما من سنوات المسؤولية التي تقف خلفها.
لكن المفارقة الجميلة في سيرة صلاح شديد أن التقاعد لم يكن نهاية علاقته بالمؤسسة، بل كان بداية مرحلة أخرى من العطاء.
حين يصبح المتقاعد قضية
تولى اللواء صلاح شديد رئاسة الهيئة الوطنية للمتقاعدين العسكريين وكبار الضباط الفلسطينيين في الوطن والشتات، بعد انتخابه من الجمعية العمومية للمتقاعدين العسكريين، ليجد نفسه أمام مسؤولية من نوع مختلف.
لم يعد الأمر يتعلق بقيادة وحدة أو إدارة مؤسسة عسكرية، بل بآلاف الرجال الذين حملوا السلاح ذات يوم، وخدموا المؤسسة، ثم خرجوا منها وهم يحملون معهم سنوات طويلة من التعب والخدمة والانتظار.
ومن هنا أصبحت قضايا المتقاعدين العسكريين جزءًا أساسيًا من مسيرته.
عمل على متابعة ملفاتهم الحقوقية والمطلبية والإدارية والصحية والمعيشية، وسعى إلى إيصال مطالبهم إلى الجهات الحكومية والرسمية، خصوصًا أولئك الذين أُحيلوا إلى التقاعد بصورة قسرية وفي سن مبكرة، وظلت قضاياهم تحتاج إلى معالجة وإنصاف.
وكانت رسالته في هذا المجال واضحة:
أن من خدم الوطن لا ينبغي أن يصبح منسيًا بمجرد أن يغادر موقعه العسكري.
فالمتقاعد العسكري ليس رقمًا في كشف، ولا اسمًا في ملف، ولا راتبًا يصرف في نهاية الشهر.
إنه إنسانٌ أعطى سنوات من عمره للمؤسسة والوطن، ومن حقه أن يجد من يحمل صوته حين تضعف قدرته على طرق الأبواب.
ومن هذا المنطلق، عمل «أبو عدي» على إعادة تنظيم الهيئة وترتيب فروعها في الوطن والشتات، وتعزيز حضورها، ومتابعة قضايا المتقاعدين، مع اهتمام خاص بحقوق الشهداء والجرحى والمتقاعدين من أبناء القوات المسلحة الفلسطينية.
وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الرجل بعد التقاعد:
لقد تقاعد من الوظيفة، لكنه لم يتقاعد من المسؤولية.
رجلٌ يحمل ذاكرة جيل
ومن يعرف اللواء صلاح شديد يعرف أن شخصيته لم تُبنَ على الرتبة وحدها.
فهو، كما عُرف بين زملائه، رجلٌ يتميز بالانضباط العسكري، والتواصل المباشر، والقرب من القواعد العسكرية والمدنية، والعمل المؤسسي والمجتمعي.
وربما كان هذا القرب هو أحد أسباب ارتباط اسمه بملف المتقاعدين؛ لأن من عاش تجربتهم يستطيع أن يفهم وجعهم، ومن عرف المؤسسة من الداخل يعرف أين تتعثر الملفات وأين يجب أن تُطرق الأبواب.
إنه رجلٌ ينتمي إلى جيلٍ لم يكن يملك كثيرًا من الخيارات.
جيلٌ حمل فلسطين في المنافي، ثم حملها إلى الوطن.
جيلٌ عاش زمن البدايات، ثم شارك في بناء المؤسسات.
جيلٌ قاتل من أجل أن يكون للفلسطيني عنوان، ثم أمضى سنواته في الدفاع عن كرامة من شاركوه الطريق.
وهذه ليست سيرة وظيفة.
إنها سيرة عمرٍ فلسطيني كامل.
بين السيرة والاختلاف
وحين تكون الشخصية عامة، فمن الطبيعي أن تحيط بها الأسئلة والنقاشات والاختلافات.
وفي عام 2026، أثيرت نقاشات حول بعض الملفات المتعلقة بترتيبات وكشوفات عضويات المؤتمر الثامن لحركة فتح، وما قيل عن انعكاس ذلك على تمثيل متقاعدي قطاع غزة.
وهذه القضايا، مهما كانت طبيعتها، ينبغي أن تبقى في إطارها المؤسسي، وأن تُناقش بالوثائق والحقائق، بعيدًا عن التجريح أو اختزال مسيرة رجلٍ طويلة في ملفٍ خلافي واحد.
فالإنصاف لا يعني أن نغلق باب النقد، كما أن النقد لا يعني أن نفتح باب إنكار التاريخ.
هناك فرق بين أن تختلف مع رجلٍ في موقف، وبين أن تنكر عمرًا من النضال.
وهذه قاعدة ينبغي أن تحكم حديثنا عن كل من خدم فلسطين، مهما اختلفنا معه.
أبو عدي... حين يصبح التقاعد بدايةً أخرى
قد يتقاعد العسكري من البزة.
وقد يغادر مكتبه.
وقد تنتهي علاقته بالقرار التنفيذي.
لكن هناك رجالًا لا يستطيعون التقاعد من همّ الوطن.
واللواء صلاح شديد واحدٌ من هؤلاء.
من علّار بدأت الجذور.
ومن ساحات الأردن ولبنان وسوريا بدأت رحلة الثورة.
ومع قيام السلطة عام 1994، انتقلت الرحلة إلى بناء المؤسسة العسكرية والأمنية الفلسطينية.
ثم جاء التقاعد، فإذا به يجد نفسه أمام مسؤولية جديدة: حمل صوت المتقاعدين العسكريين والدفاع عن حقوقهم في الوطن والشتات.
وهكذا تبدو سيرة الرجل كأنها خيط واحد لم ينقطع:
من الثورة... إلى المؤسسة... إلى المتقاعد... إلى الإنسان.
ولذلك، فإن الحديث عن صلاح شديد «أبو عدي» لا ينبغي أن يكون مجرد تعدادٍ للمناصب والرتب.
فالرتبة عنوان، والمنصب محطة، أما القيمة الحقيقية فهي ما يبقى بعد انتهاء الرتبة والمنصب.
وما بقي من سيرة «أبو عدي» هو رجلٌ عاش زمنًا فلسطينيًا صعبًا، وشارك في محطاتٍ من مسيرة الثورة، وساهم في بناء المؤسسة الوطنية، ثم حمل هموم رفاق السلاح حين أصبحوا متقاعدين.
وهذه وحدها سيرة تستحق أن تُروى.
سلامٌ على الرجال الذين حملوا فلسطين في زمن البنادق،
وسلامٌ على الذين لم يتخلوا عنها حين وضعت الحرب أوزارها،
وسلامٌ على من عرف أن خدمة الوطن ليست وظيفةً تنتهي بقرار تقاعد،
وإنما عهدٌ يبقى ما بقي في القلب نبض.
اللواء صلاح شديد «أبو عدي»...
رجلٌ من زمن الثورة،
وقائدٌ من زمن المؤسسة،
وصوتٌ من أصوات المتقاعدين،
وسيرةٌ فلسطينية لا تختصرها رتبة، ولا يحتويها منصب.
فبعض الرجال لا يحتاجون إلى أن نقول إنهم كبار...

×
أخبار
نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط