كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المتسللون الفلسطينيون من قطاع غزة

المتسللون الفلسطينيون من قطاع غزة

تاريخ النشر: 2016-07-20 | 07:58

كنا قد تحدثنا في مقالنا السابق "المتسللون الفلسطينيون إلى قطاع غزة" عن الأزمة الأخلاقية التي تواجه السلطات الأمنية إزاء المواطنين الفلسطينيين الذين يتسللون إلى قطاع غزة، الذي هو جزءٌ عزيزٌ من وطنهم، وقطعة غالية من بلادهم، ورأينا أنه بغض النظر عن بعض الحوادث الأمنية التي يعمد إليها البعض بدفعٍ وتوجيهٍ من المخابرات الإسرائيلية، فإنه ينبغي التعامل مع هذه القضية بالكثير من الحيطة والحذر، والحرص والمسؤولية والدقة والاتزان، والتعامل مع كل قضية على حدة، لأن الأصل في الأشياء الحل، والأصل في المواطنة هو الحق في التنقل الحر بين كل أرجاء الوطن الواحد، وبالتالي لم تستوقفنا حوادث التسلل العديدة كثيراً، لأننا نراها ضمن السياق الطبيعي والسلوك الوطني، خاصة بعد الحروب الطاحنة التي شهدها القطاع، ورغبة المواطنين الفلسطينيين في زيارة غزة والتضامن مع أهلها.

أما الآن فنحن أمام مسألةٍ أخرى وظاهرةٍ مختلفةٍ، قد لا يبدو في أغلبها البراءة والطهر، كما كان ذلك في نقيضها، فهي مثيرة في معظمها للشبهة والريبة والشك، ولا تبعث على الطمأنينة والارتياح، إذ أنها عملياتٌ مخزية وأفعالٌ معيبةٌ، يخجل منها فاعلوها، ويستحي منها مرتكبوها، الذين يقومون بها خفيةً بالليل والنهار، ويتسللون بصمتٍ ويتوارون عن الأنظار خوفاً من العيون الفلسطينية التي قد ترقبهم لئلا يكشف أمرهم ويفضح سرهم، وإن كانوا لا يخشون أن يكشف العدو أمرهم أو أن يعلم بشأنهم.

أغلب هذه الفئة من المتسللين هم ممن ينوون تسليم أنفسهم للعدو، إذ لا يستطيع أحدهم اجتياز الحدود والمرور على الحواجز الأمنية إلا إذا سلم نفسه للعدو، الذي يقوم بدوره بتوقيفه ودراسة حالته، فإن كان قادماً للتعاون والارتباط فإنه يخفي أمره، ويدرس حالته، ويقرر فيها فيما بعد.

أما إن كان قد تسلل هرباً من ضائقةٍ، أو فراراً من أزمةٍ فإن العدو في الغالب يقرر إعادته، ولا يتحمل مسؤوليته، ولا يقوم بمساعدته، إلا إذا قرر ابتزازه والضغط عليه لربطه معه والاستفادة منه، وغالباً يكون هذا النوع من المتسللين ضعيف النفس فاقد الثقة، يقبل بأي عرض، ولا يقوى على مواجهة أي ضغطٍ أو إكراه، فضلاً عن استعداده للخضوع للإغراءات والفتن، وقبوله للارتباط والتعاون، علماً أن مخابرات العدو تكاد تعرف جميع سكان القطاع وتصنفهم، وتميز بينهم وتعرف اتجاهاتهم، وتقرر في نواياهم ومقاصدهم لمعرفتها المسبقة بخلفياتهم وانتماءاتهم.

أما إن تبين من خلال التحقيقات أو من المظهر العام للمتسلل، أو لنوعية الأشياء التي يحملها، كالأسلحة والمتفجرات والوصايا والمصاحف، وغير ذلك مما يدل على نيته ويكشف عن حقيقة هدفه، فإن جيش العدو يوقفه ويعتقله، وقد يشتبك معه ويقتله، فإن اعتقله فإنه يخضعه للتحقيق ويعرضه للمحاكمة، وغالباً ما تفرض المحاكم العسكرية الإسرائيلية على هذا النوع من المتسللين أحكاماً قاسية، تكون عقاباً لهم ودرساً وعبرة لغيرهم.

علماً أن هذا النوع من المتسللين بات نادراً وقل أن يحدث إلا في أوقات الحرب والقتال، وأثناء المواجهة ومحاولات المناورة والالتفاف خلف خطوط العدو لمفاجئته ومباغتته، وإرباكه وضعضعة صفوفه، لكن إجراءات العدو الأمنية وترتيباته العسكرية تجعل هذا النوع من العمليات صعبة، إذ فضلاً عن العقبات والصعاب فإنها تتمكن من إجهاضها وإفشالها، وذلك بالاستناد إلى القدرات التكنولوجية والتقنية الحديثة التي تستخدمها في أعمال الرصد والمتابعة والاستكشاف المبكر.

إلا أن العدو في غالب الأحيان لا يرضيه أن يتسلل عملاؤه من قطاع غزة، إذ أنه في حاجةٍ لهم في داخل القطاع، ليكونوا عيوناً له يرصدون ويراقبون وينقلون له المعلومات، ويحذرونه وينبؤونه بتحركات المقاومة ومشاريعها، وأسماء نشطائها وأماكن تواجدهم، وبالتالي فهو ليس في حاجةٍ لهم خارج القطاع، إذ سيكونون عبئاً عليه ومسؤولين منه، ولهذا فهو يعمد في مثل هذه الحالات إلى اعتقالهم ومحاكمتهم لينفي عنهم صفة العمالة، حتي يسهل عليهم العودة إلى القطاع بعد الإفراج عنهم لمواصلة عملهم واستئناف تعاملهم.

رغم أن الصورة في مجملها واضحة، لا تحتاج إلى عظيم جهدٍ للحكم عليها بأن أغلب الذين يلجأون إليها ويقومون بها ليسوا أبرياء، وأنهم إما عملاء قدامى يخشون انكشاف أمرهم وانفضاح ارتباطهم، فيعجلون بالهرب، ويسرعون بتسليم أنفسهم للعدو ظناً منهم أنه سيحميهم، وأنهم سيجدون عنده الأمن والسلامة والأمان، وأنه سيكافؤهم على نهاية الخدمة إحساناً وعرفاناً، أو أنهم جهلاء يرغبون في العمالة، ويتطلعون للتعاون مع العدو، لضعفٍ في نفوسهم، أو مرضٍ في قلوبهم، واعوجاجٍ في أخلاقهم.

لكن هذه الفئة الضالة لا تنفي وجود فئاتٍ أخرى من اليائسين المحبطين من سوء الأوضاع العامة، وتردي الحياة المعيشية، والبطالة وضيق ذات اليد، والإحساس بالظلم والمعاناة من القهر، والشكوى من التفرقة والمحسوبية والمحاباة وعدم المساواة، فضلاً عن الذين يعانون من أمراضٍ نفسيةٍ وعصبيةٍ، ويشكون الحاجة وعدم القدرة، التي تنعكس نزاعاً في البيوت، وتفسخاً في الأسر، وطلاقاً بين الأزواج، أو انتشاراً للسرقة والجريمة، فضلاً عن الأحلام والطموحات بالغنى السريع والأمل في العلاج من المرض، أو استكمال الدراسة، أو ضمان السفر، وغير ذلك مما يشكو منه سكان قطاع غزة.

أمام مظاهر التسلل والهروب المختلفة من قطاع غزة تجاه العدو، سواء السوداء القاتمة المتمثلة في العمالة الواضحة، وتلك التي تنم عن الضعف والجهالة، فإنه ينبغي على السلطات الحاكمة أن تتعامل مع هذه الظواهر بحكمةٍ أكبرٍ ومسؤوليةٍ أشد، بحيث تحقق علاجاً لها ووقايةً منها، ففي الوقت الذي ينبغي عليها فيه محاربة العملاء والتضييق عليهم، واعتقالهم ومحاكمتهم، والحيلولة دون هروبهم، فإنها معنية أيضاً بدراسة أحوال المواطنين والتعرف على مشاكلهم، وانتشالهم مما هم فيه من يأسٍ وضيقٍ وفاقةٍ، وأن تقف إلى جانبهم في ملماتهم وأحزانهم، وأن تحسن إليهم، وأن تساوي بينهم قبل أن تحكم عليهم وتعاقبهم.

ينبغي التوقف ملياً أمام هذه الظاهرة الخطيرة المريضة، إذ أنها لا تنم عن خيرٍ أبداً، بل إنها تكشف عن عيوبٍ وأمراضٍ وأدواءٍ مجتمعيةٍ خطيرةٍ جداً ينبغي مواجهتها والحد منها، وعلاجها بحزمٍ وحكمةٍ، وينبغي قبل ذلك وقاية المجتمع منها ومحاربة أسبابها، ذلك أن العدو الصهيوني معنيٌ ببعضها أحياناً، فهي ظاهرةٌ تفسخ المجتمع وتضعفه، وتمزق نسيجه وتزرع في صفوفه الفرقة والانقسام والشك والريبة وعدم الثقة. 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط