مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

المتلازمة الرابعة: تشريح الفساد في مجتمعات النفوذ المعمم

المتلازمة الرابعة: تشريح الفساد في مجتمعات النفوذ المعمم

تاريخ النشر: 2025-07-26 | 11:53

حين كتب مايكل جونستون عن أنماط الفساد، لم يكن معنيا فقط بتصنيفات سوسيولوجية. ما قدمه في Syndromes of Corruption كان بمثابة مفاتيح لقراءة عوالم كاملة من الشبكات والتموضعات الخفية. من بين هذه المتلازمات، تقف المتلازمة الرابعة، "Influence Market Syndrome"، كأخطرها، لأن الفساد فيها لا يمارس خارج القانون، بل من داخله. ولأن المسؤول النافذ ليس مجرما علنيا، بل فاعلا يتقن اللعب داخل النسق.

أرى أن جوهر هذه المتلازمة لا يكمن في خرق القانون، بل في خلق سوق بديلة للقرار. المؤسسات ما تزال قائمة، القوانين تطبق جزئيا، والرموز الرسمية لا تزال تتصدر الواجهة. ولكن كل هذا يعمل كواجهة زائفة، فالقرارات تصاغ خلف الستار، والمواقع تحدد بالعلاقات، وليس بالاستحقاق. وهنا، لا يعود الفساد فعلا طارئا، بل أداة توزيع السلطة والفرص داخل النظام نفسه. حين يصف جونستون المسؤول النافذ، لا يقدمه كشخصية فاسدة فقط، بل كنقطة تقاطع بين النخب الاقتصادية والسياسية، بين ما هو رسمي وما هو غير رسمي، بين ما هو قانوني وما هو فعلي. إذن نحن أمام هيكل ظل مواز للمؤسسة، يتحكم دون أن يظهر، ويطوع القواعد دون أن يكسرها.

وهنا تكمن خطورة هذا النمط من الفساد. فهو لا يولد فقط اختلالا وظيفيا، بل إعادة صياغة للوعي الاجتماعي. المواطن، في هذه المتلازمة، لا يواجه فسادا صريحا حتى يتمرد عليه، بل يتعامل مع بنية معقدة تخضعه وتطلب منه التكيف. وهنا، أرى أن الفساد لا يفرض بالقوة، بل يمارس كعرف. يصبح تقديم الرشوة إجراء عاديا، وطلب خدمة من مسؤول نافذ طريقا ذكيا، والغش في الإجراءات حيلة مجربة. لا أحد يصيح في وجه الظلم، لأن الظلم لم يعد يرى كظلم. لقد تم تطبيعه. وهنا، نفهم ما يعنيه جونستون حين يصف هذا النموذج بأنه تسويق للنفوذ، إذ يباع القرار، لا من خلال الابتزاز، بل عبر تبادل راق داخل شبكة من المصالح. إذن، نحن لا نتحدث عن تحايل على الدولة، بل عن سوق بديل داخل الدولة. وكلما ازداد عدد المؤمنين بهذه السوق، كلما بدا الفساد طبيعيا، معقولا، وأحيانا ضروريا. وهكذا، تتحول بنية النفوذ إلى منطق جمعي، لا مجرد انحراف فردي.

انطلاقا من وصف جونستون، لا يمكن اختزال المسؤول النافذ في كونه مجرد فاسد. بل هو في جوهره تركيبة مزدوجة، هو نتيجة بنية تسمح له بالعمل كهكذا، وفي الوقت نفسه فاعل يعيد إنتاج تلك البنية. هو يتقن استخدام النظام، لا لتطبيقه، بل للالتفاف حوله. لا يحطمه، بل يخضعه، ويوجه رموزه لصالحه. من هنا أرى أن المسؤول النافذ ليس مشكلة فردية، بل مؤسسة موازية بحد ذاتها. من يطرق بابه لا يطلب خدمة استثنائية، بل يمارس حقه الغير معلن. ومن يرفض الدخول في هذا السوق، يقصى بهدوء، يعاقَب بصمت، وتغلق أمامه الأبواب الشرعية. وهكذا، لا يصير الفساد فقط شبكة مصالح، بل آلية ضبط اجتماعي. وما يضاعف خطورة هذه البنية، هو أنها تعمل بكود داخلي لا يعلن، لكن الجميع يعرفه. الجميع يتصرف وفقه، وإن لم يكتب. وبهذا، تعاد كتابة الأخلاق، وتمسخ فكرة القانون، ويضيع المعنى الأصلي للمؤسسة.

في نموذج المسؤول النافذ، لا نواجه فقط أزمة قيم، بل انهيارا في تعريف الدولة، في وظيفة القانون، وفي معنى العدالة.

من خارج النموذج، قد يبدو هذا فسادا ناعما.

لكن من الداخل، هو منظومة شرسة تنسف إمكانية الإصلاح من جذورها.

الخطير هنا ليس أن المسؤول فاسد، بل أن النظام لا يعرف كيف يعمل إلا عبر الفساد.

وهذا ما يجعل المواجهة مع المتلازمة الرابعة أكثر تعقيدا مما يبدو.

×
أخبار
عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط