كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المتوكل طه في كتابه "الثقافة والاحتلال" ليس "صليباً أحمرَ"

المتوكل طه في كتابه "الثقافة والاحتلال" ليس "صليباً أحمرَ"

تاريخ النشر: 2023-10-08 | 12:19

تميّز كتاب "الثقافة والاحتلال" للدكتور المتوكل طه، والصادر عن منشورات المتوسط في إيطاليا، وتحديداً مركز دراسات ثقافات المتوسط، بغنى المعلومات واللغة العالية والثقافة الثمينة، على امتداد  290 صفحة تقريباً.

كتاب الثقافة والاحتلال يحمل بصمة الكاتب وحمولته المعرفية طوال سنوات حياته وعمله الأدبي والوطني، التي وضعها لنا في وجبة ثقافية دسمة مشبعة بالمعلومات ولكن غير مهدرجة.

حمل الكتاب عدّة عناوين ناقش فيها مختلف المفاهيم والقضايا بجرأة ووضوح، بدأها بمدخل مفاهيمي حول الثقافة الوطنية في مواجهة الصهيونية، وأدوات الاحتلال في تهويدها، ثم ناقش ميزان الثقافة مادياً وروحياً، وقدرتها على المواجهة، وانتقل بعدها إلى الثقافة والهوية من خلال الوعي ومؤثراته، وناقش مفهوم الأنا والآخر، وخصوصية فلسطين، ثم تحدث عن الحرب الثقافية ودور المؤسسات والمجتمع الفلسطيني، ووسائل الغزو التي تحاول النيل من ثقافتنا، لينتقل طه لآليات تفريغ الوعي الفلسطيني، ومن مشكلاته الاحتلال، الذي أسس الطائفية والجهوية وغيرها، ثم إلى دور العولمة والنظام العربي، والنخب المتأثرة بالغرب، باعتبارها مخاطر،أثارها الكاتب ليواجهها المثقف الفلسطيني، فيما أكد على المواقف الثابتة تجاه التطبيع وكمبرادوره الثقافي، بل أعاد تعريفه، مبيّناً أنواعه، ومحذّراً من التكيّف والتعايش معه، ومحاولات الانسياق لتحسين صورة المحتل، مؤكداً أن كل محاولات المنظومات الفكرية المشبوهة،رغم تمويلها ، ستفشل في تحقيق هدفها.

وذكّرنا طه بلقاءات "رودس" كنموذج سيء، لعلاقات بقيت غير طبيعية مع إسرائيل، لينتقل بعدها للحديث عن مواجهة خطاب التطبيع والأزمة المنبثقة عن ذلك، ومنها الخطاب العربي الرسمي، وخطابنا الفلسطيني، وأن التطبيع مطلب القوي، وليس مطلب الضعيف، وبذلك خطاب الأزمة يقبل بهذا التطبيع.

 وعاد بنا المتوكل طه إلى جذور تداعيات الوضع الحالي الذي هو نتاج النكبة، التي فرغت من معناها وتحولت لقضية إنسانية، بعد أن كانت هي إسرائيل، والخيانة، والغزو الغربي الاستعماري، ووقف التطور الطبيعي للشعب الفلسطيني، وأنها فضيحة العالم، والمنفى القاسي للفلسطينيين، لينحسر المفهوم في الخطاب الثقافي.

وتحت عنوان "ثقافتنا المستهدفة"، تناول الكاتب تاريخ الظلم، وكيف وقفت ثقافتنا العربية ضد ذلك، وأن هناك عوامل ضعف منها أعداء من الداخل، والآخر المستبد، وأحلامنا العربية التي لم تتحقق.

 في الصفحة (98)، ناقش طه، تحت عنوان "المثقف بين الثورة والسلطة والنمط"، العلاقة بينهم، وحصار المثقف من السلطة والأحزاب ورجال السياسة والدّين والمتطرفين.

واستكمل ذلك بعنوان "الثقافة بين الأسلوبين"، وصف خلالها شكل السلطات في العالم بين دكتاتوري وديمقراطي، والمنتج الثقافي بينهما، وأوضاع النخب، ثم تناول ثقافتنا والنقيض، وعاد هنا إلى جذورنا التاريخية، ويظهر خلال هذا العنوان تحامل الكاتب على التاريخ، من خلال آراء قطعية لا تحمل رؤية علمية، وخلط بين ما كونه مصطلح وبين ما كونه حالة، وقعنا تحت طائلتها وأصبحنا جزء منها، فبعد أن وصف السمات الثابتة للتاريخ، والتي خذلتنا، حسب وصفه، لكن تعمق في التعريف غير المنهجي، حين استنتج أن للتاريخ وجهة تميل إلى غير صالح الإنسان، واستطرد أن التاريخ لا يتجه إتجاهاً واحداً بل هو خيارات ووجهات نظر محكومة بالوعي أولاً وأخيراً.

وما ذهب إليه مؤلف "الثقافة والاحتلال"، من وجهة نظري، يعتبر قطعاً خاطئاً، بل يعبر عن رؤية الروائي والراوي، أو السياسي للتاريخ، لا نظرة المؤرخ، وكأنّ التاريخ يُكتب بحجم هذا الوعي، وبالتالي كل ما كُتب في التاريخ أسير وجهات النظر هذه!

ولكن عاد الكاتب في فقرة أخرى ليعتبر أن التاريخ إتجاهاً واحداً ثابتاً، ضمن تقدمه إلى لحظة أزمة حقيقية بين الإنسان وواقعه، وبين الإنسان والإنسان وخالقه (...).

وأدقق هنا أن التاريخ لم يكن أبداً في كتابته وجهة نظر، بل قد يكون أسير قراءات خاطئة للأحداث، واستعمال الدلائل التاريخية في غير محلها، بل كان ضحاياه ممّن عاشوا صفحاته قد يحملون وجهات نظر، وهناك الذين لا وجهات نظر لهم أصلاً، وهناك من يسوقهم القدر، وغير ذلك، لكن هنا علينا التأكيد على أن كتابة التاريخ لا تحتمل وجهات النظر، فالتاريخ له قصة واحدة، وحقيقة واحدة، وحادثة واحدة، لكنّ الأعين مختلفة، تأويلها وتفسيرها وغياب مصادرها، أو اختفائها، هو ما يؤدي إلى تعدد وجهات النظر، وهذا ينطبق على الكتابات التي لا تعتمد على المكتشفات الأثرية، مثل التاريخ القديم، وقد ينطبق على التاريخ المعاصر في ناحية واحدة تعتمد على شهادات وروايات لا على وثائق ومخطوطات.

انتقل المتوكل طه، بعدها، ليتساءل عن الإنسان اليهودي والثقافة اليهودية، وفنّد أصولهم غير العرقية، ذات الثقافات المتعددة، لافتاً إلى أنهم ختاروا الانطواء، واسترسل في تسليط الضوء على الجماعات اليهودية في أوروبا والغيتوهات، والعلاقة مع المسيحية الغربية، وناقش مفهوم العداء للسامية، واستغلال هذا المصطلح لمآرب صهيونية.

وتحت عنوان "الحرب المتكررة"، وكانت غزة أنموذجاً لفكرة التفوق العرقي والاثني عند الآخر، كشف عن زيف المواقف تجاه ما يحدث من عدوان، من خلال تناقض مواقف بيانات الاستنكار، ولم يُفوّت الكاتب ما يحدث في القدس؛ فعدّد صحفها ومراكزها، ومسارحها، واستهداف الاحتلال لها وبناء كُنس لتحيط الأقصى، والحفريات من تحته، بالمقابل فنّد التقصير تجاه أن تكون القدس عاصمة للثقافة العربية، ثم انتقل إلى الإبداع تحت الاحتلال، رغم كل الصعاب.

وتحت عنوان "مميزات الثقافة تحت الاحتلال" أشار إلى التعددية، والترميز، وتمجيد صورة الفلسطيني، وخطاب الفلسطنة، وجهوية هذا الخطاب، والطغيان السياسي على الثقافي،أما بعد "أوسلو" فبان ابتعاد الخطاب الثقافي عن السياسي، حيث أصبح الخطاب ذاتياً، يهتم بالذاكرة والتُراث، وتحوّل الخطاب إلى نقدي، وتناول المحرمات (التطبيع، والاعتراف، والتعايش)، والاتجاه نحو الرواية.

واعتبر طه أنه كان لدينا "دولة"، بالمفهوم المعنوي، قبل "أوسلو"، لكن بعده غابت النخب.

وفي إطار العنوان الموسوم بـ"الثقافة تحت الاحتلال"، عدّد الاعتداءات على المكتبات والصحف، والقيود على دور النشر، وإبعاد الكُتّاب، والاعتقالات، والاعتداء على الحركة الفنية التشكيلية، والمسرحيين، والتعليم والمدارس، ومحاولات نشر الفلسفة الصهيونية، وتشمل: الاضطهاد، والقومية اليهودية، وشعب الله المختار، وحذف كل ما يُنَمّي الاتجاهات الوطنية.

أعتقد أن أغلب العناوين الفرعية في الكِتاب صبّت في صالح العنوان الرئيس "الثقافة والاحتلال"، وأن الكاتب قال كل ما يمكن قوله في هذا الخصوص، بل وأجاب على أسئلة القارىء.

لكن، رغم ذلك، لاحظتُ أن أغلب العناوين جاءت متساوية في عدد الصفحات، إلا أن هناك هوّة كبيرة مع آخر العناوين، وقد انعكس ذلك على المضمون الذي كان يمكن للكاتب اختصار بعضه، كونه قد يكون بعيداً قليلاً عن العنوان الرئيسي، حيث جاءت عناوين الكتاب متساوية في مساحة العرض أغلبها، ما عدا أربعة عناوين، منها مثلاً: "المثقف بين الثورة والسلطة والنمط"، و"الحرب المتكررة والثقافة"، أما آخر عنوانيْن للكتاب: "نموذج الثقافة تحت الاحتلال"، و"أبرز المعايير الدولية للحق في التعليم"، فجاءا في أكثر من (40) صفحة علماً أن أغلب العناوين الأخرى لم تتجاوز في متوسطها (15) صفحة، وطبعاً هذا التفاوت مشروع وطبيعي في كتاب فكري، أكثر من كونه أكاديمي، منهجي، بحثي، خاصة أن الأفكار التي طرحها الكاتب تحمل الكثير من المواقف القابلة للنقاش، ولكن هذا التفاوت في مؤدّاه أنه كان يمكن الدمج بعناوين بأخرى، أو فصل عناوين عن أخرى، لتحقيق توازن في التقسيم، كما أن هذا يُظهر تناول بعض المواضيع الخارجة عن عنوان الكتاب، لذلك قلت سابقاً أغلبها كان في صالح العنوان الرئيسي، وحتى في موضوع المراجع كان من الممكن الاستغناء عنها باعتباره كتابا فكريا.

وقد أشار الكاتب للمصادر في المتن نفسه، ولاحظت تفاوت ما بين وجود مراجع قديمة لكُتّاب القرن الماضي، وصولاً إلى كُتّاب حديثي الطرح، لنجد هناك تنوعا وتسلسلا في المضمون، رغم أن الكِتاب جاء عرضياً وليس طولياً؛ بمعنى لم يتسلسل الكاتب حسب تاريخ الموضوع، وإنما حسب أهمية الموضوع ورؤيته هو للعناوين، كما ظهرت بعض الأخطاء المطبعية يمكن علاجها لاحقاً، وخطأ في المراجع بينها كتاب "البروتوكولات واليهود والصهيونية"، والأصح "البروتوكولات واليهودية والصهيونية" للمسيري.

كما أن الكاتب يحيلنا إلى المبادئ والمنطلقات الأولى، ويعيد وضع القطار على السكّة من جديد، بل واضح من مواقفه أنه لم يكن "صليباً أحمرَ"، بل ذكر المعضلة وموقفه منها، كما أنصف هذا الكاتب الثقافة العربية الإسلامية خاصة في ظل تشويه الإسلامي السياسي لها.

والكتاب حمل إعادة التعريف للتطبيع الثقافي، وناقش ظواهر كثيرة من حولنا وضرورة محاربتها وتغييرها، بل أيضاً تسلسل تاريخياً في واقع الثقافة منذ النكبة، حتى ما بعد "أوسلو"، وبذلك أستطيع القول إننا أمام كتاب وطني وعربي متكامل، أعتقد سيعيش، لما يحمله من أفكار صادقة وواضحة للأجيال القادمة، ويعيد البوصلة التي انحرفت إلى مكانها.

جدير بالذكر أن هذا الكتاب يضعنا أمام جانب آخر لصاحبه المتوكل طه ،الذي اشتهر كشاعر له قيمته الطاغية، بحيث يُظهر الجانب الفكري المتميّز بعمق ورؤية شمولية، ما يذكرني بحصر البعض للشاعر الكبير محمود درويش في إطار ما كتب من أشعار جعلت منه رمزاً عالمياً، مع عدم التنبّه للجانب الفكري لديه، وباعتباره كاتب مقال مرموق، ومؤسس، خاصة في فصليّتي "شؤون فلسطينية" و"الكرمل".

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط