كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام

المثقف الميت... حين يغيب الضمير وتبقى الأقلام

تاريخ النشر: 2026-07-07 | 11:23

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

ليس كل موتٍ يعني انقطاع الأنفاس، فثمة موتٌ أشد قسوة من موت الجسد، إنه موت الضمير. وهناك من يمشي بين الناس، يتحدث ويكتب ويخطب، لكنه في الحقيقة قد مات من الداخل؛ لأن رسالته انتهت، وموقفه سقط، وكلمته فقدت شرفها.

ذلك هو المثقف الميت...

ليس المقصود به من رحل عن الدنيا، وإنما ذلك الذي فقد جوهر الثقافة، فحوّل المعرفة إلى سلعة، والقلم إلى أداة للتملق، والفكر إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية. إنه مثقف يحمل الألقاب، لكنه يفتقد الشجاعة، ويحفظ النصوص، لكنه ينسى الإنسان، ويجيد الخطابة، لكنه يعجز عن قول كلمة الحق عندما تكون أثمانها باهظة.

لقد كانت الثقافة عبر التاريخ رسالة تحرير، وليست وظيفةً للارتزاق، وكانت الكلمة الحرة سلاحًا في وجه الظلم، لا جسرًا للوصول إلى المناصب. لذلك لم يكن المثقف الحقيقي يومًا تابعًا للسلطة أو أسيرًا للمال أو رهينةً للخوف، بل كان دائمًا ضمير شعبه، ولسان المظلومين، وعين الأمة التي ترى ما يحاول الآخرون إخفاءه.

غير أن الزمن أنجب نوعًا آخر من المثقفين؛ أولئك الذين يتقنون صناعة الصمت أكثر من صناعة الفكر، ويبرعون في تبرير الأخطاء أكثر من الدفاع عن المبادئ. يغيرون مواقفهم بتغير أصحاب النفوذ، ويبدلون قناعاتهم كلما تبدلت المصالح، حتى أصبح الثبات على المبدأ عندهم مغامرة، والصدق مخاطرة، والحق وجهة نظر قابلة للبيع والشراء.

إن أخطر ما يصيب الأمم ليس انتشار الجهل، فالجاهل يمكن أن يتعلم، وإنما الخطر الحقيقي أن يموت ضمير المثقف. لأن المثقف إذا خان رسالته، استخدم علمه لتزييف الوعي، وأصبح تضليله أكثر خطرًا من جهل الجاهل، إذ يلبس الباطل ثوب الحقيقة، ويمنح الظلم مبررات تبدو مقنعة، ويزرع الشك في نفوس الناس حتى يفقدوا قدرتهم على التمييز بين الحق والباطل.

وفي أوقات المحن، تسقط الأقنعة سريعًا. فحين تنزف الأوطان، ويجوع الأطفال، وتُهدم البيوت، ويُقتل الأبرياء، لا يعود السؤال: كم كتابًا ألّف المثقف؟ ولا كم شهادة يحمل؟ بل يصبح السؤال الوحيد: أين كان موقفه؟ وماذا قال؟ وهل وقف مع الإنسان، أم مع مصالحه الخاصة؟

إن التاريخ لا يحفظ أسماء الذين صفقوا للطغيان، ولا يخلد الذين باعوا أقلامهم في أسواق السياسة، وإنما يرفع من شأن أولئك الذين قالوا الحقيقة في زمن الخوف، ودفعوا ثمن مواقفهم دون أن يساوموا على كرامتهم.

فالكلمة الصادقة لا تُقاس بعدد القراء، بل بقدرتها على إيقاظ الضمائر، والقلم الشريف لا يبحث عن التصفيق، بل عن أثره في وجدان الناس. أما المثقف الذي يكتب ما يُطلب منه، ويصمت عما يجب أن يُقال، فهو وإن امتلأت رفوفه بالكتب، يبقى فقيرًا في ميزان التاريخ.

وليس المطلوب من المثقف أن يكون مع هذا الحزب أو ذاك، ولا مع هذه السلطة أو تلك، وإنما أن يكون مع الحقيقة حيث كانت، وأن ينحاز إلى العدالة مهما كان الثمن، وأن يظل وفيًا لرسالته، لأن الثقافة التي تفقد أخلاقها تتحول إلى مجرد زينة لفظية، لا تصنع وعيًا ولا تبني أمة.

لقد علمتنا التجارب أن الأوطان لا تنهار فقط بفعل الحروب، وإنما تنهار أيضًا عندما يصمت أصحاب الكلمة، ويبرر أصحاب الفكر، ويخاف أصحاب الضمير. ففي تلك اللحظة، يصبح المثقف جزءًا من الأزمة بدل أن يكون جزءًا من الحل.

إن المثقف الحقيقي قد يخسر منصبًا، أو يتعرض للتهميش، أو يدفع ثمنًا باهظًا، لكنه يكسب احترام التاريخ. أما المثقف الميت، فقد يربح كل شيء في الحاضر، لكنه يخسر مكانه في ذاكرة الأجيال، لأن الشعوب تنسى الألقاب، لكنها لا تنسى المواقف.

وفي النهاية، تبقى الثقافة امتحانًا للأخلاق قبل أن تكون امتحانًا للمعرفة، ويبقى القلم أمانة لا تُباع، والكلمة عهدًا لا يُنقض، والضمير هو الميزان الذي يحدد قيمة الإنسان.

فاحذروا من المثقف الذي يزين الظلم، ويجمل القبح، ويبرر الفشل، ويصمت عن الجريمة. ذلك ليس مثقفًا حيًا، بل مثقف ميت... يمشي بين الناس بجسدٍ حي، بينما روحه، ورسالته، وضميره، قد واراها التراب منذ زمن.

والتاريخ، كما كان دائمًا، لا يرحم موتى الضمائر، وإن ظلوا أحياءً بين البشر.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط