كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المجتمع الإسرائيلي و نذير شؤم يلوح في الأفق

المجتمع الإسرائيلي و نذير شؤم يلوح في الأفق

تاريخ النشر: 2022-07-14 | 09:43

لفت انتباهي خبرا نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في عددها الصادر قبل يومين  مفاده أن حوادث السرقة من المحالات التجارية الاسرائيلية شهدت ارتفاعا بما نسبته حوالي 30% خاصة من متاجر التموين الغذائي. فهذه نسبة غير بسيطة وربما دلّت الى ما هو أعمق من مجرد رقم إحصائي يتداوله الاعلام أو العامة، نسبة تعبّر عن شريحة معينة في المجتمع.

حسب احصائيات دائرة الاحصاء المركزي الاسرائيلي فإن عام 2021 شهد ارتفاعا في الناتج القومي الاسرائيلي بسنة 8.1% مقارنة بالعام الذي سبقه. إلا أن هذا الارتفاع لم يساعد الطبقة الوسطى على التماسك والصمود. بيد أن الطبقة الوسطى الاسرائيلية بدأت بالتآكل قبل عام 2021 بعشرات السنوات وذلك حسب بحث أعده  دانئيل جوطليب الباحث في شؤون الأمن القومي عام 2011. حيث استعرض مراحل تلاشي الطبقة الوسطى، وحسب تصيفه ففي عام 1997 كان هناك أربعة طبقات اجتماعية إسرائيلية، الطبقة الفقيرة جدا، الطبقة المتوسطة الفقيرة، الطبقة المتوسطة الميسورة الحال، والطبقة الغنية. وبعد عام واحد فقط أي عام 2008 تلاشت الطبقة المتوسطة الميسورة. واستمرت التغييرات الطبقية في المجتمع وصولا لعام 2008 حيث أصبح في اسرائيل طبقتان اجتماعيتان فقط وهما، الطبقة الغنية جدا والطبقة الفقيرة جدا. وبالتالي ذابت الطبقة الوسطى أو تلاشت كليا، وربما هذا ما يفسر خروج المظاهرات إلى الشوارع عام 2011 وهو اصطدام بين المؤسسة الرسمية والجمهور بيد أنه ليس الأول ففي عام 1971 قامت حركة ( الفهود السود) وهي حركة  تضم الشبان اليهود من أصول شرقية بأعمال شغب من أجل لفت انتباه المؤسسة الرسمية و تحسين ظروف المعيشة لليهود الشرقيين مقارنة مع اليهود من ذوي الأصول الغربية.

وأجد من المفيد جدا الاطلاع على نتائج الدراسة المنشورة بتاريخ 15/02/2022 في موقع والاه العبري المقرب من اليمين الاسرائيلي، دراسة تفيد بما يلي :"  11.3% ارتفاع في أسعار الشقق السكنية. 2.1% نسبة ارتفاع أسعار الخضار والفواكه. 1.3% ارتفاع أسعار المواد الغذائية. 0.5% ارتفاع أجرة المواصلات العامة". هذه الارتفاعات ليست بسيطة ولا يستطيع الاسرائيلي ذو الدخل المحدود التعامل معها بشكل سطحي، لا بل سيضطر إلى تقليص نفقاته في أرض المن والسلوى. فحسب سلّم  Comparative Price Level (CPL)  لعام 2021 الذي يفحص الفروقات بالأسعار في دول منظمة  OECD فإن إسرائيل تقع في المرتبة الثالثة من حيث غلاء المعيشة بعد السويد وآيسلاندا . فالإسرائيلي ينفق أكثر من 20% من المواطن الأمريكي لشراء نفس السلع. حتى أن مدينة تل ابيب حظيت العام الماضي بلقب أغلى مدينة في العالم لعام 2021 حسب مجلة الأكونومست البريطانية.

من المعروف لدى علماء الاجتماع أن الطبقة الوسطى لأي مجتمع تعتبر ركيزة أساسية في استقراره والضامن الأول في استمرار عجلة النمو والانتاج. وهذه الطبقة الوسطى تلعب دورا حيويا في ناحيتين أساسيين الاولى في الاقتصاد، والثانية في رسم السياسيات في مختلف المجالات، السياسية منها والاجتماعية.

لا يمكننا فهم التغييرات الحاصلة في المجتمع الاسرائيلي إلا من خلال تفكيكه ودراسة كل مركب اجتماعي على حدى ومعرفة الدور الذي يلعبه هذا المركب الاجتماعي في التنمية والسياسة. بيد أننا لا يسعنا المجال لتناول كل تلك المركبات الاجتماعية بشكل منفرد. ومع ذلك يمكننا الإشارة بالعموم الى أهم السمات.

المجتمع الاسرائيلي زاخر بالمجموعات العرقية والدينية والايدولوجية. وهذا التنوع قد يكون محمودا في مجتمع يسوده العدل الاجتماعي وتوزع فيه الثروة بشكل ملائم. وعلى النقيض قد يكون مذموما في المجتمعات ذات المركبات المتناقضة من حيث المصالح، خاصة أن وجود هذا التنوع في ظروف معيشية مليئة بالفروقات والتمييز بين المركبات المختلفة يشكّل بيئة خصبة للاستقطاب ومدعاة إلى الفكر المتطرف، وربما هذا ما يفسر جنوح الاسرائيلي نحو اليمين واليمين المتطرف. وقد يزداد الأمر سوءا اذا ما اقترن التطرّف بمجموعات عرقية. بمعنى آخر قد يصبح لكل مركب اجتماعي هويته الايدولوجية/ الدينية والاجتماعية والسياسية التي تمييزه عن الهويات الأخرى لباقي المركبات. وهذه الهوية ربما يتم التعبير عنها من خلال مؤسسات خاصة بالمركب الاجتماعي سواء دينيا، اجتماعيا، وسياسيا. فعندنا مثلا مجلس المستوطنات الذي يمثّل الصهيونية الدينية وبتأثير سياسي آخذ بالاتساع. وأيضا المجتمع الحريدي الذي يمتلك مؤسساته الخاصة، الدينية منها والاجتماعية وحتى أنه توجد سلسلة متاجر للسلع الاستهلاكية خاصة به، ناهيك عن التمثيل السياسي المتمثل بحركة شاس ويهودت هالتوراه وغيرهما، ولطالما اتّهم افيغدور ليبرمان ذو الأصول الروسية اليهود الحريديم بسرقة ميزانية الدولة من خلال أحزابهم التي سيطرت على حكومات نيتنياهو المتتالية، وهم الآن يعانون الأمرين بسببه فهو يشغل منصب وزير المالية الحالي، وقد عبّر مرارا وتكرارا عن رفضه الجلوس معهم في أي إئتلاف حكومي مستقبلي، بل ويصر على دمج الحريديم في سوق العمل والجيش، وهذا ما يرفضه الحريديم وبشدّة، فمن يسيطر على الحكم في اسرائيل يهتم وبشكل أساسي بتخصيص ميزانيات كبيرة لجمهوره الانتخابي على حساب باقي المركبات الآخرى. وقس على ذلك بعض الأحزاب الأخرى التي ترفض التشارك مع نظيراتها من باقي الاحزاب، وهذا الرفض ليس خلافا سياسيا بينهم بقدر ما هو اختلافا في تعريف الذات الفردية والجماعية لديها.

المجتمع الاسرائيلي يعتبر مجتمع أقلية دينية في منطقة الشرق الأوسط، وبداخله أيضا توجد تجمعات للأقليات من اليهود. وكما هو معروف فإن مجتمع الأقليات يسعى للحفاظ على نفسه و التماسك في حال وجود خطر خارجي يتهدده، ويكون للتناقض الخارجي أولوية على حساب التناقض الداخلي. لكن في حال انتفاء التناقض الخارجي فإن الدفع بالصراع نحو الداخل يكون سيد الموقف. وربما ساعدت موجات التطبيع واستقرار حالة ألا حرب مع العرب في تأزيم الصراع الداخلي في المجتمع الاسرائيلي. وهنا لا بد من الاشارة الى التصريحات المنقطعة النظير لبنيامين نيتنياهو – بغض النظر عن مصداقيتها - أثناء فترة حكمه وبعدها حول إيران النووية وخطرها الوجودي على إسرائيل. هو باعتقادي كان يريد تسويق الأمر داخليا من أجل إطالة عمر التماسك المجتمعي في اسرائيل. إلا أنّ اتساع الرتق أعيى الراتق.

وبالعودة إلى معطيات دائرة الاحصاء والتي تشير إلى نمو الحاصل في الناتج القومي الاجمالي، يتبادر للقارئ سؤالا مفاده، إذا كان الناتج القومي مرتفعا إذا لا بد أن ينعكس على الفرد بشكل إيجابي، لماذا الحال هنا مختلفا؟

 العلاقة بين دخل الفرد والنتائج القومي هي علاقة طردية في مجمل الأحيان، إلا أن الأمر لا ينطبق على المجتمع الاسرائيلي. والسبب مردّه لطبيعة المجتمع ونشأته، فاليهودي حول العالم اجتمع حول فكرة أيدولوجية معينة وسعى من أجل تطبيقها في فلسطين، وهو بذلك لم ينشأ من القاع ولم يخوض التجارب التاريخية التي تزيد من التماسك وليس لديه " الميتوس/ الإيتوس " اللتان تلعبان دورا أساسيا في الصمود المجتمعي في قابل الأزمنة. وذلك إذا تمت مقارنة هذا المجتمع بمجتمعات شرق أوسطية أخرى مثل المجتمع التركي، الإيراني، والمصري. ففي المجتمع الاسرائيلي لكل مجموعة جذور تاريخية مختلفة عن المجموعات الأخرى، ومختلفة في نظرتها للمستقبل وأسلوب الحياة ومختلفة في تعريف الذات اليهودية والدولة، وبالتالي لا وجود لما يُعرف بالشعور الجمعي الحقيقي والعملي. بل ما هو موجود فعليا صراع بين الأقطاب والمركبات الاجتماعية.

خلاصة القول، قوة الاقتصاد لا تعني بالضرورة قوة المجتمع – والعكس صحيح- ، فمثلا خرجت المانيا من الحرب العالمية منهارة اقتصاديا وسياسيا، وبشريا، بيد أن المجتمع لم ينهار ونهض من جديد حتى أصبحت قوة اقتصادية لا يستهان بها، أي نعم كان لخطة مارشل دورا كبيرا، إلا أن نواة النهضة والقوة كانت هي المجتمع الالماني، والأمر ينسحب على اليابانيين أيضا. أما في المجتمع الاسرائيلي فمركباته الاجتماعية لا تتشارك في الموروث الثقافي/ التاريخي، وليست لديها نظرة مستقبلية مشتركة، والقاسم المشترك الوحيد بين كل تلك المركبات الاجتماعية فكرة ايديولوجية تآكلت أطرافها وبقي منها بعض الفتات.

وأود أن اختم مقتبسا ما جاء من نتائج استطلاع للرأي نظمه مؤتمر اسرائيل للتماسك الاجتماعي العام الماضي، " 81% من الاسرائيليين يؤمنوا أن المجتمع الاسرائيلي مجزأ والشروخ به آخذه بالاتساع أكثر من أي وقت مضى، و 69% من هذه المجموعة وصلوا الى تلك القناعة منذ أربعة أعوام. 70% من المستطلعة آرائهم لا يرون العرب واليهود الحريديم كجزء اساسي من المجتمع الاسرائيلي"... أنتهى الاقتباس.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط