كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المجتمع المدني وسؤال البحث العلمي؟

المجتمع المدني وسؤال البحث العلمي؟

تاريخ النشر: 2023-03-16 | 07:53

بالنظر إلى التزايد الهائل لعدد جمعيات المجتمع المدني، ومقارنة بمردوديتها في مجالات تخصصاتها واهتماماتها، فإننا نخرج وبدون أي جهد كبير، على أن المردودية المدنية اليوم لا ترقى  إلى أن تناسب عدد الجمعيات وأعمارها الطويلة، فبالأحرى المطلوب منها في تخصصاتها ومستوى تدخلاتها وطاقاتها الخبيرة والمعطاءة، دون أن نتحدث عن الحاجة الميدانية الملحة والمتزايدة للفئات المستهدفة والتخصصات المشتغل عليها على أرض الواقع، من هنا يطرح السؤال ما الذي يحول دون تناسب عطاء الجمعيات كما وكيفا مع عددها وطاقاتها التنموية؟، وما هي السبل الكفيلة لفك هذا اللغز وصيانة العمل المدني من أن يكون مجرد ديكور تأثيثي ورقما من الأرقام لا يقدم ولا يؤخر في جوهر المعضلات الإصلاحية والتنموية شيئا؟.

كثيرا ما يهتم المجتمع المدني كما في جميع الدول بمواضيع أساسية وحساسة من الحرية والمساواة، التنمية المستدامة، العدالة المجالية، الديمقراطية وحقوق الإنسان..، ويهتم بالعديد من الفئات الهشة من النساء والأطفال والمحتاجين والمهاجرين وغيرهم من ذوي الوضعيات الصعبة في الأسر المفككة أو وضعيات الشارع والنزاع مع القانون وحقوق المواطنة، ويرافع من أجل جودة وحكامة الخدمات الموجهة إليها من صحة وتعليم وإدماج ومساعدات.. وقبل ذلك إسعافات مؤسساتية منظمة ومنتظمة، لكن في الواقع وفي المجمل تمضي الأمور أحيانا وكأن لا أحد يتنادى ويترافع أو يحتج ويصرخ..، وتتوسع الفئات المحتاجة بدل أن تتقلص، ولا شيء من حاجاتها يتحقق ولا من لهفتها يغاث إلا بالنقير والقطمير؟.

قد تكون هناك أسباب متعددة وراء كل هذا، ذاتية وموضوعية، سياسية واجتماعية، تنظيمية وتكوينية، مواردية بشرية ومادية. ولكن، ربما هناك سببين مفتاحين يمكنهما المساهمة في حل هذا الإشكال العويص وزحزحة جثومه على الوضع أي وضع، بقدر الوعي بهما وحسن استعمالهما والتعامل مع مدخلات ومخرجاتهما، ومن ذلك:

الأمر الأول: موضوعية الرهان المدني: الذي يراه البعض ويتعامل معه على أنه لا حدود له، ويمكن أن يكون هو الكل في الكل ويحقق الكل وإن في غياب واضطراب الكل، ويكفي للاعتقاد في ذلك بقوة كل هذا التوجه العالمي الذي يضغط في اتجاه هذا الرهان ودعمه حتى ابتدع له ما يسميه بالديمقراطية التشاركية وهي أقوى مؤشرات الدولة الديمقراطية المعاصرة؟. بينما الواقع أن العمل المدني مجرد جزء من الكل وقد يكون أصغر الأجزاء، صحيح، أنه قد يحقق أشياء مبهرة، خاصة إذا توفرت فيه شروط الإمكان والممكن والزمان والمكان، فإذا به قد ينجز.. وينجز.. وينجز..، بناء جسر وحفر بئر.. تعبئة رفيق وتعبيد طريق.. بناء مستوصف وتجهيز مدرسة.. توفير نقل وتسيير إقامة.. تشريع اجتماعي أو سياسي..، لكن، مهما يكن فلا بد من تواضعه وعدم غروره أو تجاوزه حده، فبالأحرى استغنائه عن غيره من الشركاء والفاعلين، واعتبار نفسه يتجاوز حتى أكبر الأحزاب وأعتى النقابات إن لم تكن القطاعات والحكومات، والمصيبة أن يدفعه هذا الغرور وبعض نجاحه الميداني أن يسعى للقيام بدورها بدل مراقبتها وتحريضها والاقتراح عليها ومساعدتها؟.

الأمر الثاني: مدى علمية ومهنية الممارسة المدنية: إذ لا يسود التعاطي مع مشاريعها عن بحث علمي اجتماعي رصين، وكما يقول أحدهم: كم جمعية لدينا اليوم في هذا الوطن الحبيب تحارب الهدر المدرسي ويزداد (54% في الإعدادي فقط)؟، وكم جمعية تحارب المخدرات في الأحياء الشعبية ويستفحل تفشيها؟، وكم جمعية تحارب الفقر والهشاشة وبمشاريع وشراكات هامة ومبالغ مالية مدنية معتبرة فإذا بهذه الظواهر المحاربة تمتد رقعا وفئات؟، كم جمعية أنهت شراكتها في محو الأمية والتربية غير النظامية مع مديرية إقليمية وإذا بها تصبح مرتعا لهما بأميتها التي لم تنمحي ولم تنتهي؟، ذلك أن.. وأن.. وأن، وأن المدخل لهذه المشاريع والشراكات لم يكن صحيحا، وأن تصور محاربة المعضلة لم يكن أيضا صحيحا، لأنه.. ولأنه.. ولأنه.. ولأنه لم ينتج عن بحث علمي ميداني.. تخصصي، وتشاركي.. مؤكد المنطلقات والحوامل والمخرجات، حظه من استيعاب المعضلة: " النظر إلى الفروع بدل الجذور، ومعالجة الأعراض بدل الأسباب، وبالتالي التعايش مع التخلف وتنميته بدل محاربة التخلف وتحقيق التنمية الحقيقية"، على قول الدكتور "حسن مشهور" حفظه الله؟.

لا عمل مدني احترافي رصين ومنتج دون بحث علمي.. اجتماعي.. تربوي.. نفسي ثقافي.. سياسي.. تنموي.. فني إعلامي.. يجلي الأمور على حقيقتها كقطع (Puzzels) المتشابكة بألوانها المزركشة ووضعياتها المعقدة، ويمنح اللاعب قدرة ترتيبها بأقل جهد وفي أسرع وقت. فمتى يعرف الفاعلون المدنيون أن العمل المدني ليس مجرد فعل خير وتجزية وقت.. وتغيير العمل في مجال تنظيمي مقيد إلى مجال حر مسؤول ومستقل.. صحيح، كل هذا جيد ولازم لاعتبار الإمكانيات والممكنات والطاقات والظروف والنفسيات.. ولكنه لا يؤتي كثيرا من الأكل أو حتى شيء منه مما قل أو كثر، إذا لم يبنى على البحث العلمي تصورا وممارسة.. اهتماما وتخصصا.. نقدا وتطويرا..، ومن أوجه البحوث العلمية اللازمة والممكنة:

البحث الذاتي.. فردي أو جماعي.

البحث الدراسي.. الاستنباطي والاستقرائي.. التحليلي والتركيبي.

البحث المؤسساتي.. في الدورات والورشات.. منتديات ومسابقات.. في إطار المؤسسة الجمعوية وغيرها.

البحث الافتراضي عن بعد.. عبر مناظرات حية وتبادل الرأي والخبرات على المواقع والشبكات والمجموعات.

بحث التأليف والنشر.. عبر المجلات العلمية المعتبرة.. وتوثيق التجارب  وعرضها عبر كل الوسائل المتاحة.

واليوم مثلا، هل نحتاج في مجتمعنا المدني إلى ثقافة المشروع أم إلى مشروع الثقافة؟، هل كل القضايا تحتاج إلى مشروع وشراكة، أم هناك مساحات ذاتية مقدور عليها أفرغت دون أن يلج الفارغون ما يوعدون به من المساحات الجديدة وهم لا يملكون مفاتحها وليست بأيديهم شروط ذلك؟، هل كل القضايا تحتاج إلى مساعدات وخدمات؟، أو إلى ترافعات قوية وتشريعات جماعية؟، أو إلى مجرد تكوينات وتدريبات وإحياء الرغبات والمبادرات وإطلاق الممكنات وتثمين القدرات على حد تعبيرهم؟، لماذا نتعامل مع جميع الفئات الاجتماعية بنفس التدخلات؟، ما حظ مساهمة هذه الفئات في البحث عن حلول مشاكلها، بلورتها وأجرأتها ولما لا توريثها واستدامتها؟. أين توضيحنا العلمي في العديد مما يملأ الدنيا صخبا وصراعا من مواضيع جلها فيه ملابسات ومغالطات خفية وجلية سرعان ما يلتهمها الملتهمون قصدا وجهلا فتنجرف بهم إلى المهالك؟.

 كم ينشر المجتمع المدني من بحوث اجتماعية وتربوية في منصات البحث العلمي المعتبرة؟، كم يصدر من دراسات وبحوث ومجلات ومنشورات في الموضوع تكون معينا لهم ولغيرهم من السياسيين من أصحاب القرار؟، كم نجد من توثيق تجاربهم الثرية؟، بأي عمق وتفاصيل يتحدثون عن المواضيع التي يتصدون لها ويتصدرون الحديث عنها في شتى المنصات؟، كم يبرزون من طاقات مدنية متخصصة ومقنعة في مختلف المجالات؟، كم يعد من برامج حوارية تشاركية مفتوحة في وجه جميع الأطراف والتوجهات وهو دائما يشتكي من انغلاق وسائل الاعلام في وجهه؟. ما حظ القيم والهوية والأصالة والعلمية والموضوعية في كل ذلك؟، فالعلم العلم، فالعلم نور والجهل عار، وصدق الشاعر إذ يقول: "وأخو الجهالة في الحياة كأنه***ساع إلى الهيجا بغير حسام"، وحسام العمل المدني كغيره من الأعمال هو العلم والبحث والدراسة والمبادرة والتخطيط والتعاون والالتقائية..، فكفانا من كل ما قد لا يتسم بهما؟.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط