كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المحاكمة الأطول عدداً في التاريخ

المحاكمة الأطول عدداً في التاريخ

تاريخ النشر: 2021-12-24 | 11:28

عبد الناصر عوني فروانة
عبد الناصر عوني فروانة

عرفت السجون الإسرائيلية منذ صغري، واستمعت لكثير من الروايات، وقرأت العديد من القصص ذات الصلة بالحركة الوطنية الأسيرة، وعاصرت وعايشت محطات مهمة، وتابعت كافة فصول مسيرتها التاريخية، واليوم أدعي بأني ما زلت أتابع تفاصيلها. لكني لم أسمع أو أقرأ أن أحداً من الفلسطينيين الذين مرّوا بتجربة الاعتقال وذاقوا قسوة السجن الإسرائيلي، قد عُرضوا على المحاكم الإسرائيلية بهذا العدد كمثل هذا الفلسطيني الذي يدعى "محمد الحلبي"، المعتقل منذ خمس سنوات ونصف في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والذي قُدم لجلسة المحاكمة (167) مرة، دون اعتراف منه بالتهم المنسوبة إليه. وهذه تُعتبر المحاكمة الأطول في سجل تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة من حيث عدد مرات جلسات المحاكمة. ولربما تكون كذلك على مستوى العالم. مما يجعلنا أن نُطلق عليها "محاكمة القرن".

لقد سُجل منذ العام 1967 نحو مليون حالة اعتقال في صفوف الفلسطينيين، ذكوراً واناثا، صغاراً وكباراً، وأن مئات الآلاف منهم على اختلاف أعمارهم وأجناسهم، قُدموا لمحاكمات غير عادلة، لمرة واحدة أو لعدة مرات، وصدر بحقهم أحكاماً مختلفة تصل الى السجن المؤبد المفتوح (مدى الحياة)، لمرة واحدة أو لمرات عديدة، إلا أنني لم أجد في قاموس الحركة الأسيرة وسجلها الطويل ما يشير الى أن هناك من بين المعتقلين من عُرض على المحاكمة بهذا الكم من المحاكمات. فهل من قضاء في العالم أكثر ظلماً وقهراً وانتهاكاً لحقوق الإنسان من محاكم الاحتلال الإسرائيلي التي هي جزء من قضاء قوامه الظلم والتمييز وتدمير مستقبل الشعب الفلسطيني..؟

إن ما يجري بحق المعتقل "محمد الحلبي" يشكل جريمة، وان عجز المؤسسات الدولية في الانتصار له والافراج عنه، يضع علامات استفهام عديدة ويثير الكثير من التساؤلات. وأن غياب ما يُسمى في عالم اليوم، بالعدالة الدولية، في الملاحقة والمحاسبة، شجّع اسرائيل كقوة احتلال على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين الفلسطينيين عامة والمعتقلين خاصة وتعزيز ثقافة "الافلات من العقاب" لدى كل الإسرائيليين. هذه هي الحقيقة المرّة.

ان الجريمة المستمرة بحق المعتقل "الحلبي"، هي واحدة من جرائم كثيرة وكثيرة جداً شارك في تنفيذها كثير من الحقوقيين الإسرائيليين الذين يدعون القانون ونزاهة العدالة في دولة تدعي الديمقراطية. لذا فالقضية تستدعي تدخل رجال القانون في فلسطين ومؤسسات حقوق الإنسان في الوطن العربي ودعاة الديمقراطية والعدالة القضائية وضمان المحاكمات العادلة في العالم أجمع. فجميع هؤلاء مطالبون بتحرك جدي، وإبداء موقف واضح، وتسجيل كلمة جريئة، واطلاق صرخة صادحة، لإيقاظ الضمير الإنساني، والبدء بخطوات الى الأمام. فلم يعد الصمت مقبولاً، فالكلمة مهمة والفعل المؤثر والضاغط ضروري في مواجهة القضاء الاسرائيلي الظالم. هذا القضاء الذي يُعتبر الأكثر قهراً في العالم، والأكثر انحدارا بانحيازه لجانب الجلاد ضد الضحايا الفلسطينيين، وهو الأقل احتراما لحقوق الإنسان الفلسطيني.

وكانت سلطات الاحتلال قد اعتقلت المواطن "محمد الحلبي" بتاريخ 15حزيران/يونيو عام 2016، خلال تنقله عبر معبر بيت حانون/ايرز (شمال قطاع غزة)، وزجت به في زنازين سجونها المعتمة، ومارست بحقه أبشع انواع التعذيب، في إطار استهدافها المتعمد للمؤسسات الدولية التي تُعنى بالشؤون الإنسانية للمواطنين في قطاع غزة، بغرض انتزاع اعتراف منه يدينه بالتهم الموجهة له بتمويل اشخاص يتبعون لمنظمات فلسطينية عبر المؤسسة التي كان يديرها،  حيث كان يعمل المهندس محمد الحلبي(44 عاما) مديراً لمؤسسة الرؤية العالمية الأمريكية Worldvision في قطاع غزة، وهي متخصصة في مجال الإغاثة والمساعدات الإنسانية.

ان اتهام "الحلبي"، جائر وظالم، ويندرج في إطار استهداف المؤسسات الدولية التي تتبنى مشاريع انسانية في قطاع غزة وملاحقتها والضغط على الدول الممولة لها، في ظل استمرار الحصار المضروب على القطاع، بهدف اغلاقها وايقاف عملها، أو على الأقل تحييدها وحرف بوصلتها وتغيير اهتماماتها، واستمرار وجودها وفقا لشروط الاحتلال.

ويسكن الحلبي مع أسرته في غزة، وحاصل على شهادة ماجستير هندسة مدنية، ومتزوج ولديه خمسة أبناء هم: خليل(16عاما)، وعاصم (15عاما)، وعمرو(12أعوام)، ورتال (8أعوام)، وأصغرهم فارس الذي يبلغ من العمر (6أعوام). وقد كر على اعتقاله خمس سنوات ونصف، ويقبع الآن في سجن "ريمون" الإسرائيلي في صحراء النقب.

وعلى مدار فترة سجنه، تعرض المعتقل (محمد الحلبي) إلى أشكال مختلفة من التعذيب، الجسدي والنفسي، وما زالت سلطات الاحتلال تتعمد تعذيبه وايذائه، بدءا باستمرار اعتقاله وسوء ظروف احتجازه ومعاملته، مروراً بمشقة التنقلات وقسوتها من وإلى المحاكم عبر ما تُسمى "البوسطة"، وليس انتهاءً بحرمانه من رؤية والده وزوجته وأفراد أسرته جراء منعهم من زيارته بذريعة "المنع الأمني" تارة، و"كورونا" تارة أخرى.

وفي الختام لابد من الاشارة الى أنه يتعرض بشكل مستمر للضغط والتهديد والابتزاز، في محاولة اسرائيلية لتثبيت الرواية "الكاذبة"، وأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تساومه بأن يقدم اعترافا بـ "الذنب" ويوقع على روايتها ثمناً لحريته المقيدة.

ان الدفاع عن "الحلبي"، ليس واجبا وطنيا وحقوقيا وانسانيا فقط، وانما ضرورة مهمة للدفاع عن أبجديات حقوق الإنسان والعمل الإنساني في فلسطين، وفضح الممارسات الإسرائيلية بحق مؤسسات المجتمع المدني والناشطين في مجال العمل الإنساني.

عن المؤلف: 

عبد الناصر عوني فروانة: أسير محرر ومختص بشؤون الأسرى، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين وعضو اللجنة المكلفة لإدارة شؤون الهيئة في قطاع غزة، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، وله موقع شخصي مختص بشؤون الحركة الأسيرة (فلسطين خلف القضبان).

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط