كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المرأة العاملة وتحولات الأدوار الاجتماعية: من صراع التوفيق الفطري إلى "سوسيولوجيا الخيمة" في غزة

المرأة العاملة وتحولات الأدوار الاجتماعية: من صراع التوفيق الفطري إلى "سوسيولوجيا الخيمة" في غزة

تاريخ النشر: 2026-06-18 | 11:48

منذ فجر التاريخ، والمرأة العربية تخوض غمار العمل والإنتاج بلا كلل؛ ولم يكن خروجها للميدان يوماً مجرد محاولة لإثبات الذات أو ترفاً للحصول على مكاسب شخصية فحسب، بل كان —ولا يزال— ضرورة قصوى وواجباً يمليه عليها التزامها الوطني والأخلاقي تجاه أسرتها ومجتمعها. واليوم، في ظل المتغيرات المتسارعة والأزمات المركبة التي تعصف بالمنطقة، يتجاوز عمل المرأة أبعاده التقليدية ليصبح حجر الزاوية في صمود المجتمعات واستمراريتها.
لقد أدرك الفكر العربي المجدد مبكراً هذه الحقيقة، فدعا إلى تحرير المرأة من قيود "عصر الحريم" والعزلة المنزلية التي أفرزتها سياقات اجتماعية واقتصادية بائدة، وطالب بدمجها الكامل في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الفكر الاستشرافي يتجلى بوضوح في حاضرنا، حيث أثبت الواقع والمعطيات العلمية أن المرأة تمتلك مرونة فائقة وقدرة عالية على قيادة التحولات المجتمعية، وشغل أدوار قيادية وتنموية تصنع الفارق في أوقات الأزمات والتحولات الجذرية.
إن قضية المرأة في عمقها هي قضية المجتمع البشري ككل؛ فهي ليست كائناً يعيش بمعزل عن محيطه، بل هي الأم، والأخت، والزوجة، والشريكة، والزميلة التي تؤثر وتتأثر بكل ما يدور حولها. هذا التكامل الإنساني في الأدوار يعكس طبيعة الحياة التي تقوم على التوازن؛ فالرجل والمرأة ينطلقان من أرضية تكاملية لا تنافسية، حيث يُتمم ويكمل أحدهما الآخر ليؤديا رسالة البناء المشترك، فلا تستقيم الحياة بإنكار دور أحدهما أو تهميشه.
وإذا قسّمنا الحياة الإنسانية والاجتماعية إلى نصفين متكاملين ضمن مفهوم "جدلية الفضاءين الداخلي والخارجي"، نجد أن النصف الداخلي يُعنى بالاستقرار، والترتيب، وصناعة السكينة والراحة النفسية داخل الأسرة، أما النصف الخارجي فيقوم على الكدح، والسعي، ومجابهة المصاعب والتحديات اليومية الشرسة في ميدان العمل والإنتاج؛ وهو ما يتطلب قوة، وجلداً، وجهداً عقلياً وبدنياً لمواجهة المفاجآت.
وفي السياق الطبيعي المعاصر، باتت المرأة مطالبة بالتحرك في هذين النصفين معاً. وتؤكد الدراسات الاجتماعية أن المرأة العربية تمتلك قدرة لافتة على تحقيق التوافق والاتزان بين دورها داخل المنزل ودورها كعاملة، مما يمنحها تقديراً أعلى لذاتها، ويكسبها خبرات صاقلة لوعيها تعزز تماسك الأسرة وتدفع بنضج شخصية الأطفال تنشئياً ونفسياً؛ إلا أن هذا التوفيق غالباً ما يصطدم بشرك "صراع الأدوار" (بين القديم والحديث) نتيجة غياب التسهيلات البنيوية والتشريعية، مما يولد ضغوطاً نفسية تنعكس على المرأة ومحيطها الأسري والمهني على حد سواء.
واقع قطاع غزة وسحق الأدوار المستقرة
حين تنتقل الدراسة السوسيولوجية إلى الواقع الحالي في قطاع غزة، فإن المفاهيم الكلاسيكية حول "صراع الأدوار" أو "التوفيق بين الميدان والمنزل" تنهار لتفسح المجال أمام واقع مغاير تماماً؛ حيث واجهت البنية الاجتماعية في غزة تفكيكاً قسرياً وسحقاً كاملاً للأدوار المستقرة جراء حرب الإبادة، والنزوح المتكرر، والفقر المطلق، والبطالة الممنهجة التي طالت المجتمع بأكمله.
وهنا يتجلى مفهوم "سوسيولوجيا الخيمة"، حيث لم تعد الخيمة مجرد مأوى مؤقت، بل أصبحت بنية اجتماعية بدائية فُرضت بقوة السلاح، وأعادت صياغة المعاش اليومي للمرأة من خلال تحولات بنيوية حادة:
• سحق الخصوصية وتدمير "النصف الداخلي": أبادت الحرب النصف الداخلي للحياة؛ إذ تلاشت الجدران الإسمنتية التي كانت تفصل بين الخاص والعام، وحلت محلها شوادر من القماش والبلاستيك لا تحجب صوتاً ولا توفر ستراً حقيقياً. تسبب هذا التداخل القسري بين العائلات، واكتظاظ الخيمة الواحدة بأجيال متعددة، في سلب المرأة مداها الحيوي الأساسي لحمايتها النفسية والاجتماعية. وغدت تفاصيل الحياة الأكثر حميمية وخصوصية (كالنوم، وتبديل الملابس، والعناية الشخصية، وحتى البكاء وتفريغ الصدمات) مكشوفة ومسموعة، مما يضع المرأة في حالة استنفار عصبي ونفسي دائم للحفاظ على حدود "الحياء والستر" المعياري.
• مأسسة الحياة البدائية وتقسيم العمل الجندري الجديد: أعادت الخيمة إنتاج نمط الحياة البدائي بغياب كامل للتكنولوجيا المنزلية ومقومات البنية التحتية (كالكهرباء، المياه الجارية، والغاز). هذا الغياب فرض على المرأة تقسيماً شاقاً وقاسياً للعمل؛ فتحولت مهام مثل "جلب الماء"، "جمع الحطب والكرتون لإشعال النار"، و"غسيل الملابس على الأيدي" من تفاصيل منقرضة إلى روتين يومي يستنزف طاقة المرأة الجسدية.
• إدارة أزمة ندرة الموارد: تحولت المرأة داخل الخيمة إلى "مدير أزمة لندرة الموارد"؛ فهي من تقرر كيميائياً كيفية توزيع لترات الماء الشحيحة بين الشرب والطهي والنظافة، وكيف تقسم الوجبة المعلبة الواحدة على أطفالها ليتحملوا الجوع، وهو جهد ذهني مستمر عزلها تماماً عن أدوارها الفكرية أو المجتمعية السابقة.
• صدمة الهوية واغتراب رأس المال الثقافي: تكشف سوسيولوجيا الخيمة عن فجوة حادة وعنيفة في هوية المرأة؛ فالمرأة التي كانت قبل النزوح أستاذة جامعية، طبيبة، مهندسة، معلمة، أو ناشطة مجتمعية، وجدت نفسها فجأة تجلس في الطين لطهو الطعام على نيران الحطب المنبعث منها الدخان الكثيف، أو تقف في طوابير ممتدة للحصول على مياه ملوثة. هذا التناقض الصارخ بين هويتها المعرفية والمهنية السابقة وواقعها البدائي الحالي، يخلق حالة من "الاغتراب السوسيولوجي والنفسي" الشديد، حيث يُسحق رأس مالها الثقافي والرمزي تحت وطأة الاحتياجات البيولوجية البدائية للبقاء.
"اقتصاد الخيمة" والتحول القسري للإعالة
في ظل وصول معدلات البطالة والفقر في غزة إلى مستويات مطلقة وصلت إلى 85% نتيجة الدمار الكلي للمؤسسات والأسواق، اتخذت أدوار المرأة أبعاداً اقتصادية مأساوية تتجلى في الآتي:
• تآكل سلطة الدور وتداخل الفضاءات: في ظل البطالة القسرية وتكدس الأفراد داخل المساحات الضيقة، نشأ ما يُعرف بـ "الضغط النفسي الناجم عن النزوح"؛ فقد تحولت الخيمة إلى فضاء مشحون بالمشاحنات الأسرية الناتجة عن العجز وضيق الحال، لتجد المرأة نفسها في خط الدفاع الأول لامتصاص هذا الإحباط الجماعي، مع كونها الضحية الأولى له. كما أن تداخل فضاء الخيمة بالشارع الرملي للمخيم أضعف قدرة الأم على الضبط التربوي والتنشئة المستقرة للأطفال.
• الانخراط في اقتصاد البقاء الهامشي: بسبب فقدان المعيل واستشهاد الأزواج، أو اعتقالهم، أو إصابتهم بعجز دائم، دُفعت المرأة الفلسطينية فجأة —ودون تمهيد— لتكون "المعيل الوحيد ورأس العائلة". ولمواجهة المسغبة والمجاعة، اضطرت النساء والفتيات إلى ابتكار أدوار اقتصادية هامشية وقاسية داخل المخيمات، مثل إعداد الخبز وبيعه، أو بيع بعض المساعدات الشحيحة لتأمين ثمن الدواء. هذا العمل لا يهدف لتحقيق الذات أو النضج بالمنظور الأكاديمي، بل هو كدح غريزي للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة الحاجة.
الأمومة كفعل صمود ومقاومة في وجه الإبادة
في هذا المنعطف المصيري، يخرج دور المرأة كأم عن النطاق التربوي الضيق ليلتحم بالعمق الوطني الشامل. فالأم تشكل قيمة اجتماعية ونفسية وأخلاقية كبرى تنطوي على قدرة غير محدودة على العطاء والتفاني، وتعتبر رمزاً حياً للوطن والأرض والخصوبة.
وهنا تبرز المرأة الفلسطينية في غزة كنموذج أسطوري؛ فهي الحلقة الأولى والأساسية في صون الهوية وحمايتها من الاندثار وسط بيئة محفوفة بالمخاطر التدميرية. إنها لا ترضع طفلها الحليب فحسب، بل تسكب في وعيه النفسي مشاعر الصبر والتحمل، وتكتم إحباطاتها وحزنها العميق على فقدان بيتها وعائلتها، لتصنع لأطفالها طاقة أمل وطموح من وسط الرماد. إنها تواجه "صراع العجز والقدرة"؛ عجزها المادي والبيولوجي عن حماية طفلها من الموت أو المرض، وقدرتها النفسية على ترميم أشلاء طفولته المحطمة.
رؤية مستقبلية وتوصيات
إن تفكيك بنية الأدوار الاجتماعية للمرأة في غزة، وتحملها منفردةً تبعات "سوسيولوجيا الخيمة" والحياة البدائية، يؤكد أن المسؤولية تجاوزت قدرة الأفراد، وأصبحت واجباً دولياً وتاريخياً. إن الحفاظ على بنية المجتمع وصحته النفسية والبدنية يبدأ من حماية المرأة وصون كرامتها. وبناءً عليه، فإن المرحلة الحالية تتطلب وجود استراتيجية إغاثية وتنموية شاملة من كافة المؤسسات الرسمية، والأهلية، والمنظمات الدولية، للانتقال من الإغاثة النمطية إلى استراتيجية دعم شاملة وعادلة ترتكز على:
1. توفير حلول إيواء عادلة: تحترم الخصوصية الإنسانية والاجتماعية للمرأة وتنهي عهد "الخيمة البدائية".
2. إطلاق برامج تمكين اقتصادي ونفسي: تتناسب مع الهويات المهنية المسحوقة للنساء المتعلمات والعاملات في قطاع غزة.
3. تطوير آليات رعاية صحية ونفسية تخصصية: للأمهات والمقبلات على الإعالة القسرية لتمكينهن من مواجهة آثار الصدمات المركبة.
إن مكانة المرأة الفلسطينية ودورها الوطني والتنموي ليس مجرد ملف تكميلي، بل هو الضمانة الحقيقية والوحيدة لتعافي المجتمع وبنائه من جديد، وينبغي أن يتصدر هذا التحليل السوسيولوجي أولويات ومخططات صناع القرار بصفة عاجلة.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط