كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المرأة في التراث العربي بين خطابين- 10 (متَّكأ التراث!)

المرأة في التراث العربي بين خطابين- 10 (متَّكأ التراث!)

تاريخ النشر: 2021-10-22 | 18:27

ذكرنا في المقال السابق أن فليسوف (المَعَرَّة) إنما شغفَ بعض أدعياء الحداثة الشِّعريَّة المعاصرين، بلا حداثة حضاريَّة، وعُوران الثقافة المجانيَّة، فِكرًا وعقلانيَّةً أُصوليَّة؛ لأنهم إمَّا لا يقرؤون، وإمَّا يقرؤون ولا يفهمون، وإمَّا يقرؤون ويفهمون غير أنَّ دَيدنهم أنْ ينتقوا ما يَغُشُّون به قارئيهم حين يكتبون، مُخْفين البضاعة الرديئة تحت ما ظاهره الصَّلاح.  ذلك أنَّ (أبا العلاء المعرِّي) ليس بذلك المفكِّر العقلاني المتحرِّر، الذي يروِّج له بعض المعاصرين، ولا بنصير العقلانيَّة المطلَقة، والحُرِّيَّة الجذريَّة من الأديان، بل هو رجلٌ مضطرب الحال، أوَّلًا، وشاعرٌ، في كلِّ وادٍ يهيم، ثانيًا، وقد ظلَّ أميل إلى العقل التقليدي، والطبيعة الخرافيَّة، ثالثًا، حتى إنَّه ليدعو صراحة- في ما يدعو إليه- إلى "دفن النساء"، كما فصَّلنا الشواهد من قبل.

على أنِّي قد قرأتُ شِعر أبي العلاء، وأعدتُ فيه النظر، وهو جزءٌ من أطروحتي للدكتوراه، فما وجدتُ فيه ما يصحُّ الاستدلال به عِلميًّا على عقيدةٍ منابذةٍ للدِّين- كما يدَّعي ذوو الأهواء، على تباين أهوائهم، قديمًا وحديثًا- هذا إنْ صحَّ الاستدلال بالشِّعر على مثل هذه الأمور القلبيَّة، أصلًا.  فما في شِعره لا يعدو النقد لسلوك معاصريه، من تفشِّي النِّفاق فيهم، والظُّلم، واتِّباع الشَّهوات، وفساد رجال الدِّين، من زبانية الفاطميِّين، والصوفيَّة، ونحو أولئك ممَّن كابد المعرِّي استبدادهم بالسُّلْطة الثقافيَّة أو عرف ذلك عنهم.  ومَن شاء الشواهد، فليرجع مثلًا إلى لزوميَّته التائيَّة، ومنها:

ألا تتَّقونَ اللهَ رَهْطَ مُسَلِّمٍ ::: فقد جُرْتُمُ في طاعةِ الشَّهَواتِ

ولا تَتْبَعُوا الشَّيطانَ في خُطواتهِ ::: فكَمْ فيكمُ مِن تابعِ الخُطواتِ

...

تَهاوَنْتُمُ بالذِّكرِ لمَّا أتاكُمُ ::: ولم تَحْفِلُوا بالصَّومِ والصَّلَواتِ(1)

...إلى آخرها. 

هذا هو المعرِّي.  ولا يستقيم ما يركَّب عليه من دعاوَى ملفَّقة، لا تعبِّر إلَّا عن توجُّهات أصحابها، الباحثين عن متكأٍ تراثيٍّ ما، يؤثِّلون على مداميكه مذاهبهم.  أمَّا التأوُّل الأُصوليُّ، فحدِّث ولا حرج عن شطحه ونطحه.  وهو تأوُّلٌ لا يَصدُر إلَّا عن الفئتين اللتين عابهما المعرِّي نفسه، وهما: ذو دِينٍ متزمِّت، بلا عقلٍ ولا بصر، أو دعيُّ عقلانيَّةٍ وليبراليَّة، إنَّما يفتِّش رغبويًّا في التُّراث عمَّا يَطرَب له؛ ليؤيِّد به عقيدته هو، ذات الأُصوليَّة العوراء البديلة. الفئة الأُولى تكفِّر أبا العلاء؛ لأنَّ ديدنها تكفير مَن خالفها، أو لم تفهمه، والفئة الأُخرى تمجِّده؛ لأنَّ ديدنها تمجيد من وافقها الهوى، وإنْ بظاهرٍ من القول، تنتقيه انتقاءً، وتزيِّفه تزييفًا.  لسان حال الأُولى: "كافرٌ.. عليه من الله ما يستحق!"، ولسان حال الأخرى: "كافرٌ.. ما أروعه!"(2)

قد يقول قائل: وأين أنت عن قول المعرِّي(3):

إِنَّ الشَّرائِعَ أَلْقَتْ بَيْـنَـنـا إِحَنًا ::: وأَوْدَعَـتْـنا أَفانِـيْـنَ العَداواتِ

وهَل أُبِيْحَتْ نِساءُ القَومِ عَن عُرُضٍ ::: لِلعُـرْبِ إِلَّا بِـأَحكامِ النُّبُـوَّاتِ؟

والحقُّ أنَّ مثل هذا ليس بصريحٍ في عقيدة الرجل، ولا يمكن القطع بأنه في ثلب الشرائع وأحكام النُّبُوَّات، لا في ثلب مطبِّقيها، والمتعدِّين حدودها باسمها.  ومهما يكن من شيء، فنحن أمام نصٍّ شِعريٍّ، حمَّال أوجهٍ من التأويل، ومزاج شاعرٍ متقلِّب، مضطرب الأطوار، قد تجد فيه القول ونقيضه، ربما في النصِّ الواحد.  وهذه طبيعة الشِّعر.  ثمَّ ليكن أنَّه كان رُبوبيًّا، مثلًا، بناءً على ما قد تَستشِفُّ من بعض شِعره، فهذا لا يعنينا، وليس بموضوعنا هاهنا.  ولقد وصف (ناصر خسرو القبادياني)(4) المعرِّيَّ خلال زيارته إلى (حلب)، عام 438هـ، بأنه رجلٌ كفيف، غنيٌّ جِدًّا، له عبيدٌ وعمَّالٌ طوع أمره.  ومع ذلك كان زاهدًا، يلبس ملابس الصوفيَّة الخشن، ولا يزيد في طعامه عن نصف رغيف من الشعير، صائمًا نهاره قائمًا ليله.  وذكر أنَّه كان يدير أمور المدينة من خلال عمَّاله. وأنه يجتمع إليه جمهور غفير من المريدين والطلبة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.  غير أنه قد أشار إلى اتهامه بشأن كتابه "الفصول الغايات"، وما زُعِم من أنَّه إنَّما أراد به معارضة "القرآن".  

وخلاصة القول: إنَّ ما نلفت النظر إليه هو ذلك العَوَر الثقافي الإديولوجي، الذي يجعل المرءَ يُبرِز ما يُعجبه، فيمجِّد صاحبه لأجله، مغمضًا عينه الأخرى عن موبقاتٍ فكريَّةٍ وأخلاقيَّةٍ، صريحة الخطاب، ومكرَّرة، غير قابلة للتخريج على غير ظاهرها- كموقف المعرِّي الداعي إلى وأد المرأة- فإذا أنت ترى المثقَّف من هؤلاء ما يفتأ يَتعاور عن تلك الجوانب المظلمة أو يتعامَى؛ لكي يتَّخذ نموذجه إيقونةً تراثيَّةً صالحةً لإسناد ظَهره، وإنْ لم يكن فيها من مستنَدٍ يُركَن إليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  (1992)، شرح اللُّزوميَّات، تحقيق: منير المدني وزينب القوصي ووفاء الأعصر وسيِّدة حامد، بإشراف ومراجعة: حسين نصَّار، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 266- 267/ 1- 2، 13.

(2)  من شاء تتبع ما زُيِّف على (أبي العلاء) من تُهَم قديمة، بل ما نُحِل من شِعر، لمآرب مختلفة، فليطالع بحث هذا، مثلًا، لدَى (ضيف، شوقي، (1990)، عصر الدول والإمارات- الشام، (القاهرة: دار المعارف)، 172- 178).  محيلًا إلى كتابه الآخر "فصول في الشعر ونقده". 

(3)  شرح اللُّزوميَّات، 1: 271/ 9- 10.

(4)  انظر: (1983)، سفرنامة: رحلة ناصر خسرو القبادياني، ترجمة: أحمد خالد البدلي، (الرياض: عمادة شؤون المكتبات- جامعة الملك سعود)، 40- 42.  ومع هذا فما ينفكُّ التشكيك محتدمًا من أرباب "التراث الروائي/ السماعي" في شهادة صاحب "سفرنامة"، الحيَّة والمباشرة من واقع المجتمع الحلبي عام 438هـ ، وما نقلته حول (المعرِّي)، عن قُربٍ ومشاهدة.  وهذا يدلُّ على عقليَّات تأبى إلَّا أن تجترَّ حكايات القيل والقال ممَّا توارثته عن كتبها الصفراء. (انظر مثلًا: ضيف، م.ن، 168).

(*)  هذا المقال جزء عاشر من ورقة بحثٍ قُدِّمت فكرتها في محاضرةٍ حِواريَّةٍ في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":  https://bit.ly/3m06d0e

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة الملك سعود)

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط