كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المراجعة المؤجلة... حين يصبح الإنكار جزءًا من الأزمة

منذ بداية هذه المأساة، دعا كثيرون، ممن لم يدفعوا الثمن المباشر لهذه الحرب، إلى تأجيل النقد والمحاسبة بحجة أن المرحلة تقتضي توحيد الصفوف في مواجهة الاحتلال، وأن أي نقاش حول المسؤولية قد يضر بالوحدة الوطنية أو يخدم الخصوم. وربما كان لهذا الطرح ما يبرره في الأيام الأولى للحرب، حين كانت الأولوية لوقف العدوان والتعامل مع تداعياته الإنسانية. غير أن استمرار هذا المنطق بعد كل ما جرى يثير سؤالًا لا يمكن تجاهله: ألم يحن الوقت لإجراء مراجعة حقيقية لتجربة السابع من أكتوبر، وحساب ما ترتب عليها من مكاسب وخسائر؟ وهل كانت الدعوات المتكررة إلى تأجيل النقاش والمساءلة، والتي خُصص لها حيز واسع في العديد من المقالات والمنابر الإعلامية، تعبيرًا عن حرص وطني مشروع، أم أنها تحولت، بمرور الوقت، إلى وسيلة لإسكات الأصوات الناقدة ومنع أي مراجعة جادة للمسار الذي أوصل الأوضاع إلى ما هي عليه؟ لقد مثّل السابع من أكتوبر، في نظر شريحة واسعة من الفلسطينيين، لحظة مفصلية أعادت تشكيل المشهد السياسي والإنساني برمته. لكن المشروع السياسي والعسكري الذي قاد إلى تلك اللحظة لم يقدم، حتى الآن، مراجعة صريحة لنتائج خياراته، ولم يعترف بإخفاقه في تحقيق الأهداف التي أعلنها، رغم الكلفة الإنسانية والسياسية والاقتصادية غير المسبوقة التي تحملها المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة. وفي المقابل، برز خلال أشهر الحرب تيار فكري وإعلامي سعى إلى التقليل من حجم الخسائر التي تكبدها المجتمع الفلسطيني، سواء على المستوى البشري أو الاقتصادي أو الاجتماعي. وقدّم هذا التيار ما جرى باعتباره الثمن الطبيعي لأي معركة تحرر وطني، وروّج لفكرة أن ما خسره الفلسطينيون في غزة ليس سوى "فاتورة اعتيادية للنضال" يمكن تعويضها مع مرور الزمن. وفي هذا السياق، انتشرت عبارات مثل "خسائر تكتيكية" وغيرها من المصطلحات التي تحولت إلى خطاب متكرر على وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لإعادة تأطير المشهد بعيدًا عن حجمه الحقيقي. فبدلًا من أن ينصب النقاش على حجم الكارثة الإنسانية والسياسية التي لحقت بقطاع غزة، انشغل هذا الخطاب بتبرير النتائج أو التقليل من شأنها، وكأن الاعتراف بحجم الخسارة يمثل تهديدًا للرواية السياسية أكثر من كونه خطوة ضرورية لفهم الواقع. لكن هذا الخطاب اصطدم برد فعل اجتماعي واسع، خاصة من الفلسطينيين الذين عاشوا الحرب بكل تفاصيلها. فأهالي قطاع غزة، الذين فقدوا أبناءهم ومنازلهم ومصادر رزقهم، لم يعودوا يرون في خطاب التبرير سوى تجاهل لمعاناتهم، ولذلك بات قطاع واسع من الرأي العام يعتبر أن خطاب الإنكار لم يعد جزءًا من الحل، بل أصبح جزءًا من المشكلة. وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عندما نلاحظ أن كثيرًا من أبرز منظّري هذا الخطاب لم يعيشوا ظروف الحرب نفسها، ولم يتحملوا تبعاتها المباشرة، بل يكتبون ويعلّقون من خارج قطاع غزة، في بيئات أكثر أمنًا واستقرارًا. ولا ينتقص ذلك من حقهم في التعبير عن آرائهم، لكنه يفسر جانبًا من الفجوة بين الخطاب الذي يطرحونه وبين المزاج العام داخل القطاع، حيث تختلف رؤية من دفع الثمن عن رؤية من يراقب الأحداث من بعيد. إن المجتمعات التي تتعرض لصدمات كبرى لا تتعافى بالإنكار، وإنما بالاعتراف بالواقع ثم مراجعته بصدق ومسؤولية. فالمراجعة ليست مرادفًا للهزيمة، بل هي إحدى أدوات تصحيح المسار واستعادة الثقة. أما تحويل كل نقاش إلى معركة للدفاع عن القرارات السابقة، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعطيل أي فرصة لاستخلاص الدروس. إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الخطابات التي تقلل من حجم المأساة، بل إلى خطاب سياسي يتسم بالمكاشفة وتحمل المسؤولية، ويقر بأن الرهان على الحرب باعتبارها أداة لتغيير الواقع السياسي والأمني لم يحقق النتائج المعلنة، وأن الكلفة التي تحملها المجتمع الفلسطيني كانت باهظة على جميع المستويات. فالاعتراف بالخطأ لا يعني التخلي عن الحقوق الوطنية، وإنما يمثل الخطوة الأولى نحو بناء استراتيجية أكثر واقعية، تستند إلى حماية الإنسان الفلسطيني بوصفه الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني. خلاصة القول: إنّ مستقبل القضية الفلسطينية لن يُبنى على إنكار الوقائع أو إعادة تسويقها بلغة مختلفة، وإنما على امتلاك الشجاعة السياسية والأخلاقية لإجراء مراجعة حقيقية، وتحمل المسؤولية، والانتقال من خطاب التبرير إلى خطاب المحاسبة والتعلم. فالمجتمعات لا تتقدم بإخفاء أخطائها، بل بمواجهتها واستخلاص العبر منها، لأن المراجعة الصادقة هي بداية أي مشروع وطني قادر على الاستمرار.
×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط