كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المراهنة على تمرد على حركة حماس

    استطرادا إلى ما تطرقنا إليه في مقالاتنا السابقة حول صناعة دولة غزة وصمت وتواطؤ اطراف غير حركة حماس على ما يجري . أعتقد البعض أن انقلاب حماس على السلطة لن يستمر طويلا لأن الشعب سيثور على حركة حماس في القطاع وتعزز هذا الاعتقاد أو المراهنة أكثر بعد ثورة 30 يونيو المصرية 2013 . فراهن البعض على إمكانية انسحاب ما جرى في مصر على قطاع غزة ، فيثور أهالي قطاع غزة على حماس الإخوانية كما ثار المصريون على الإخوان المسلمين !.

بالإضافة إلى اختلاف الحالة الفلسطينية عن حالة مصر وبقية الدول العربية من حيث وجود احتلال في فلسطين ولا يوجد في بقية الدول العربية مما يغير في اولويات المواجهة ، فإن هذه المراهنة غير واقعية لأنها دعوة لحرب اهلية .إن حربا أهلية سواء في غزة أو الضفة ستكون نوعا من التدمير الذاتي ولن تخدم إلا إسرائيل ، وشعبنا الفلسطيني لن ينساق لحرب أهلية انصياعا لتحريض من هذا الطرف أو ذاك.

وقبل الاستطراد لا بد من التنديد والتحذير من دعوات هوجاء لقيادات من حركة حماس تطالب باستهداف الاجهزة الفلسطينية في الضفة الغربية كرد على اعتقال أجهزة السلطة لعناصر من حماس ، والتهديد بنقل تجربة غزة – انقلاب 14 يونيو 2007 – إلى الضفة . فهذا التهديد غير مقبول وغير واقعي،لأن قادة حماس يعلمون أنه لولا انسحاب إسرائيل من القطاع ورغبة إسرائيل بفصل غزة عن الضفة ما استطاعت حماس الانقلاب على السلطة في القطاع والاستمرار في حكم قطاع غزة حتى اليوم .

إن مراهنة البعض على تمرد أو ثورة على حركة حماس لإفشال مشروع دولة غزة وعودة اللحمة بين الضفة والقطاع أمر محفوف بالمخاطر ونتائجه غير مضمونة لأسباب سياسية وسسيولوجية وثقافية واقتصادية ،وبعضها سابق لسيطرة حماس على القطاع ، وهذه الأسباب :

1)       تميز أهالي قطاع غزة بعمق الانتماء الوطني وحرصهم على الوحدة الوطنية يدفعهم لعدم الاندفاع في مواجهات داخلية خشية من أن أي حرب أهلية ستخدم إسرائيل والتي ستعمل على إطالة أمد هذه الحرب – كما كان لإسرائيل دور رئيس في صناعة الانقسام وإطالة عمره - .أيضا من غير الوارد ثورة أهلنا على السلطة في الضفة الفلسطينية المحتلة .

2)       غياب بديل أو جماعة منظمة يمكنها تنظيم وقيادة عملية التمرد أو الثورة ثم الحلول محل حركة حماس . تنظيم حركة فتح ضعيف ومنقسم ويتعثر في استنهاض نفسه ،وغير قادر على لملمة أوضاعه الداخلية وإدارة نفسه في القطاع ، فكيف سيُدير ويَحكم قطاع غزة ؟ ونفس الأمر بالنسبة للمراهنة على السلطة وحركة فتح في الضفة ، أيضا منظمة التحرير والقوى الاخرى أكثر بؤسا وضعفا.

3)       لا يلمس فلسطينيو غزة مؤشرات بأن القيادة الفلسطينية – قيادة حركة فتح وقيادة السلطة وقيادة منظمة التحرير - قادرة على مد سلطتها لقطاع غزة ، سواء لأن القيادة تعلم أن إسرائيل لن تسمح لها استعادة قطاع غزة مجددا ،أو لإدراك القيادة بأن المعركة الحقيقية مع الاحتلال تجري في الضفة والقدس وليس في قطاع غزة . وقد لمس فلسطينيو القطاع حرج موقف القيادة تجاه غزة عندما خرج أكثر من نصف مليون فلسطيني في قطاع غزة في الذكرى الثامنة والأربعين لانطلاق حركة فتح 2012 دون أي تفاعل إيجابي من القيادة مع الحدث.

4)       يلمس فلسطينيو قطاع غزة تزايد تأثير شرائح ونخب تتزايد يوما بعد يوم في الضفة تنظر لقطاع غزة نظرة دونية ولا ترحب بأهله حتى بالمقيمين منهم في الضفة ، ويتعاملون مع قطاع غزة كحديقة خلفية ولسكانها كمواطنين من درجة ثانية وكعبء على الضفة . أيضا في بعض الأحيان كان الإعلام الرسمي وبعض المسئولين في السلطة يستعمل خطابا تحريضيا يتجاوز التحريض على حركة حماس ليمس كل أهالي القطاع ، كمطالبة أحد مستشاري الرئيس بامتداد عاصفة الحزم لغزة وضربها ،وآخرون هددوا باعتبار غزة إقليما متمردا ،وبعضهم هدد بقطع المساعدات والمشاريع والرواتب عن قطاع غزة .

5)       سياسة قطع الرواتب ووقف التوظيف في السلطة لأبناء القطاع ، وتهميش واستبعاد أبناء القطاع من السلك الدبلوماسي ومن التوظيف في المؤسسات العربية والدولية الخ عزز حالة القطيعة وإحساس فلسطينيي القطاع أن الرئاسة والسلطة غير مهتمة بهم .

6)       لأن سيطرة حماس على قطاع غزة لا يعود لإرادة حمساوية فقط بل جزء من معادلة أو مخطط تشارك به أطراف متعددة على رأسها إسرائيل ، وحيث إن هذه الاطراف ما زالت قوية وفاعلة ومستفيدة من الانقسام ، فلن تسمح بإنهاء سلطة حماس وإنهاء الانقسام ، إلا إذا توفرت إرادة شعبية وتوافق وطني على ذلك.

7)       تَحَكم وسيطرة إسرائيل على المنفذ الوحيد - معبر بيت حانون - لتنقل الافراد بين الضفة وغزة يجعلها تُعيق أية تحركات أو تواصل يعزز وحدة الشعب الفلسطيني .وبالتالي وفي حالة التمرد على سلطة حماس وإسقاطها فلن تسمح إسرائيل بالتواصل بين الضفة وغزة وتوحيد شطري الدولة الموعودة ، كما أنها ستتدخل عسكريا لإدامة المواجهات بين سكان غزة وستدعم الطرف الذي يعزز الانقسام ويحافظ على أمنها.

8)       حركة حماس أرهبت الشعب من خلال ما قامت به في الأيام الأولى للانقلاب من اعمال دموية ومن خلال ممارسات لاحقة ضد معارضيها وصلت لدرجة إطلاق النار على أقدام المعارضين واعتقالهم وتلفيق التهم والأكاذيب بحقهم . وحماس لا تترك فرصة إلا وتستعرض قواتها لترهب الشعب وتهدد بأشد العقاب مَن يجرؤ على التمرد عليها أو الإخلال بالأمن .

9)       استمرار الدعوة للمصالحة وعدم القطع أو الإعلان عن فشل حوارات المصالحة بشكل نهائي ، أيضا تشكيل حكومة توافق والتباس موقف حماس منها ... كل ذلك يجعل فلسطينيي غزة في حالة ترقب ويكبح أية توجهات للتمرد على الوضع ،انتظارا لمصالحة قادمة .

10)     حصار القطاع وتزايد حالة الفقر والبطالة واستمرار تشديد مصر لحركة المرور من معبر رفح ، خلق حالة من الكبت والقهر والرغبة في كسر الحصار من خلال ميناء حتى وإن تم ذلك على يد حركة حماس واستمرارها في حكم غزة ، وبغض النظر عن الثمن السياسي لذلك ، وخصوصا أن الكل الوطني وخصوصا السلطة ومنظمة التحرير عجزت طوال ثمان سنوات عن أيجاد حلول لمشاكل القطاع او إيجاد بارقة أمل بفرج قريب .

11)     وجود مفوضات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس بوساطة قطر وتركيا وبعض الدول الاوروبية تُوعِد الفلسطينيين في القطاع بمخرج قريب من خلال دولة في غزة وميناء .

12)     حقن اهالي قطاع غزة بمسكنات مادية – رواتب ومساعدات مالية وسلعية من السلطة والفصائل والدول والأونروا ومن الشؤون الاجتماعية ، ومشاريع زواج جماعي الخ - تجعلهم على حافة الهاوية بحيث لا يموتون جوعا وفي نفس الوقت لا يصلوا لدرجة الانفجار ، وكل هذه المساعدات تتم على حساب كرامتهم وإنسانيتهم ووطنيتهم.

13)     بروز تنظيم الدولة (داعش) في قطاع غزة ،وبغض النظر عن الجهات التي تقف وراء صناعته ، يشكل كابحا أمام من يفكر بانتفاضة على حركة حماس خشية من أن تكون داعش البديل ، وقد بلَّغَت حركة حماس عدة رسائل لسكان غزة ولأطراف أخرى بأن البديل عن سلطة حماس هو تنظيم داعش .

إن شكوكنا وتخوفاتنا من تداعيات ثورة أو تمرد على حركة حماس لا يعني أن الشعب يقبل بسلطة حماس أو أن هناك أفق واعد لقطاع غزة أو للقضية الفلسطينية في ظل استمرار تفرد حماس بالسلطة في القطاع ، بل يمكن القول إن دولة فلسطينية في قطاع غزة تحت حكم منفرد وتسلطي لحركة حماس الإخوانية معناه تدمير الوطنية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني ، ومثل هكذا دولة ستبقى تلعب دورا وظيفيا في خدمة الاطراف التي شاركت في صناعتها وخصوصا إسرائيل ،وخاضعة لابتزازها ، ولكننا نخشى في حالة تمرد مسلح او ثورة على حماس مزيدا من إراقة الدماء دون إنهاء الانقسام وإسقاط سلطة حماس ، ويجب الاستفادة مما يجري في سوريا وليبيا واليمن والعراق .عليه يجب البحث عن حل وطني شامل يقطع الطريق على الحرب الأهلية من جانب ،وعلى مخطط دولة في غزة وتقاسم وظيفي في الضفة من جانب آخر ، وهو حل موجود وممكن .

ومع ذلك فإن الثورات والحروب الاهلية لا تقوم على حسابات عقلانية أو وطنية بل هي اندفاعات وحالة هيجان تتجاوز حسابات العقل وتغذيها إما حالة فقر شديد أو حالة قهر واستبداد سياسي لا يمكن تحمله . لذا فإن كل تحليلاتنا العلمية والعقلانية والمحاذير والتخوفات التي ذكرنا من نتائج تمرد على حركة حماس قد تسقط وتُصبح بلا قيمة إن وصلت الأمور الاقتصادية في القطاع لحد فوق طاقة الشعب على تحمله ، أو كان ثمن دويلة غزة ووقف المقاومة على حساب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط