مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

المساخر اليهودية معاناة فلسطينية

المساخر اليهودية معاناة فلسطينية

تاريخ النشر: 2016-03-24 | 00:47

الانتفاضة الثالثة انتفاضة الكرامة (104)

يصادف نهاية هذا الأسبوع وفق التقويم العبري القديم عيد المساخر اليهودي، الذي اعتاد اليهود على إحيائه منذ أكثر من ألفي عام، إذ يعتقدون أنهم في هذه الأيام قد أنجاهم الله من الإبادة في عهد الإمبراطورية الفارسية، وأنقذهم من الذبح الذي كان مكتوباً عليهم، ويطلقون عليك اسم "بوريم"، وهو العيد الأكثر شعبية وحيوية بين اليهود، حيث يعتقدون أنهم نجوا فيه جميعاً بأعجوبةٍ كبيرة، بعد أن صدرت الأوامر الإمبراطورية بإبادتهم ذبحاً، ولهذا فإنهم يحتفلون في هذه الأيام بحيويةٍ ونشاطٍ، وحبورٍ فرحٍ، وسعادةٍ وطرب، ويقيمون الولائم ويوزعون الحلوى، ويتبادلون التهاني بالسلامة والنجاة.

ويعتقدون بمناسبة هذا اليوم "بوريم" أن الله قد باركهم وحفظهم، وحقن دماءهم وصان أرواحهم، وأنه قد مكنهم على إمبراطور الفرس فانتصروا عليه وغلبوه من غير قتالٍ، وانتصروا ببركة أطفالهم على الظلم والاستبداد والقهر والذبح والتيه والضياع، ولهذا يأتي أطفالهم وصغارهم وقد تنكروا بأقنعة متنوعة، ولبسوا ملابس مختلفة، ليحيوا ذكرى نجاتهم من استبداد الحاكم الفارسي في ذلك الزمان، الذي أعد العدة لإبادتهم وجهز السيوف لذبحهم، وفي المساء استكمالاً لفرحهم بالحياة واستغراقاً في عيدهم، فإنهم يشربون الخمر حتى يسكروا وتذهب عقولهم، ويوزعون على بعضهم الهدايا وسلال الطعام والحلوى ومعجنات الخشاش المثلثة.

لكن اليهود الذين يحتفلون بالانتصار على الاستبداد، وبالنجاة بأنفسهم من الظلم، وبالخروج من المحنة سالمين غانمين، وبدلاً من شكر الرب على تفضله عليهم وحمايته لهم، فإنهم يمارسون اليوم الظلم بأيديهم، والقهر بأنفسهم، ويعذبون شعباً مظلوماً، ويغتصبون حقه، ويحتلون أرضه، ويطردونه من دياره، وهم الذين يحتفلون بانتصار الحق على الباطل، والضعف على القوة والاستبداد، ويدعون أن الله قد أنجاهم لصدقهم، وأنقذهم لطيبتهم، وخلصهم لبساطتهم، وأن كيد الإمبراطور الفارسي ووزيره الأول قد بطل، وأن سعيهما قد فشل، ومع ذلك فإنهم لا يكفون عن الظلم، ولا يتوقفون عن الاعتداء، ويصرون على استعادة الماضي بعد قلب حقائقه، وتغيير شخوصه، واستبدال معالمه، ثم يدعون أنهم على الحق، وأن الله يبارك عملهم ويحضهم عليه، ومن أحبارهم من يرى أن رضى الرب لا يتحقق بغير قتل الفلسطينيين وإبادتهم.

إنهم اليوم في أرضنا الفلسطينية وفي أوطاننا التاريخية، وبلادنا العزيزة، فلسطين المحتلة المغصوبة، والمستوطنة المنكوبة بهم والمبتلاة بوجودهم، يحتفلون ويرقصون ويغنون، ويفرحون ويبتهجون ويضحكون، ويلعبون ويركضون ويتقافزون، ويأكلون ويشربون ويسكرون، ويحيون أياماً يرونها جميلة، تعيدهم إلى ماضيهم، وتربطهم بتقاليدهم وعاداتهم، وترجعهم إلى أيامٍ كان فيها أنبياؤهم وملوكهم يحيونها ويجمعون شعبهم عليها، ويوحدون أنفسهم تحت راياتها، ويمارسون طقوسهم الدينية التي تعلموها وتوارثوها، ويصرون عليها رغم أنها تفتقر إلى الأدب واللياقة، ويعوزها الخلق والطيبة والسماحة.

إنهم في الوقت الذي يحتفلون فيه بعيدهم في فلسطين المحتلة، فإنهم يضيقون على الفلسطينيين ويغلقون عليهم مناطقهم، ويفرضون عليهم الحصار في مدنهم، ولا يسمحون لهم بحرية التنقل والحركة، إذ ينصبون على مداخل مدنهم وقراهم الحواجز العسكرية، ويمنعونهم من مغادرتها والخروج منها، في الوقت الذي ينشرون فيه آلاف العناصر من الجنود ورجال الشرطة، بعد أن يعلنوا إغلاق المناطق لعدة أيامٍ بسبب العيد.

لا يوجد مكانٌ لا تنتشر فيه قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجنودهم ورجال الشرطة ينتشرون في الأماكن العامة، في محطات الحافلات ومواقف السيارات، وأمام المنتزهات وفي الحدائق، وعند المقاهي والمعابد، وعلى كل الطرق والشوارع التي تحاذي القرى والبلدات والمدن الفلسطينية.

أما الحرم الإبراهيمي فإنهم يحيلونه في هذه الأيام كنيساً يهودياً، يمنعون المسلمين من الدخول إليه والصلاة فيه، بل ويمنعونهم من رفع الآذان وإعلان مواقيت الصلاة، بينما تدخل إليه جماعاتٌ يهودية كبيرة، تحيي طقوسها وتعقد احتفالاتها، وتتلو كتابها، وتعلن أن هذا الحرم لهم ولأنبيائهم من قبل، كما أن المدينة قد اشتروها وعاشوا فيها، وعلى أرضها قامت مملكتهم ودفن فيها ملوكهم وأنبياؤهم.

يأتي عيد "البوريم" اليهودي هذا العام في ظل الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، التي قتل فيها الإسرائيليون أكثر من مائتي فلسطيني جلهم من الشباب والأطفال، بينما أطفالهم اليوم يلبسون الجديد والغريب، ويضعون على وجوههم المساحيق والألوان، ويحملون الهدايا والأكياس والسلال، ويلعبون ويجرون ويتراكضون، وغيرهم يحتسون الخمر ويحملون الهدايا ويوزعون الحلويات، بينما جيشهم يمعن في قتل الفلسطينيين، ويستهدف أطفالهم ويقتل نساءهم، ويتعمد النيل منهم بقصد اجتثاث وجودهم، وتدمير مستقبلهم، وحرمانهم من حق الحياة، وهم أصحاب الوطن وملاك الأرض، وكأن عيدهم فرحةً لهم ولعنةً علينا، واحتفالاتهم سعادة بينهم وأتراحاً بيننا، وكأن يوم عيدهم حريةً وانطلاقاً وعلى شعبنا قيداً وسجناً وحصاراً وأغلالاً.

لكن يبدو أن هذه هي طبيعتهم، وهذه هي جبلتهم التي فطروا عليها وتربوا ونشأوا في ظلها، فهم يرقصون على جراح غيرهم، ويغنون على آهات سواهم، ويفرحون على معاناة ضحاياهم، ولا يبالون بالآلام التي يقاسيها غيرهم، ويشكوا منها جيرانهم، بل إنهم يستغلون الآخرين ليفرحوا، ويستنزفونهم ليحتفلوا، ويسخرونهم لخدمتهم والسهر على راحتهم، فهذه عاداتٌ قديمة عرفوا بها ونسبت إليهم، وقد عانى منها مسيحيو أوروبا الذين جاوروهم لعقودٍ، وعاشوا في بلادهم ردحاً طويلاً من الزمن، لكنهم اشتكوا من سوء عاداتهم، وقبح تقاليدهم، وفحش معاملاتهم، وهو ما شكا منه الفرس منهم في ظل امبراطوريتهم القديمة، وتسبب في غضبتها عليهم ونقمتها على أتباعهم.

الخرطوم في 24/3/2016

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

[email protected]

×
أخبار
أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط