كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المسكوت عنه في الكتابة عن الأسرى

المسكوت عنه في الكتابة عن الأسرى

تاريخ النشر: 2020-04-25 | 17:16

ثمة أمور مسكوت عنها في الكتابة بشكل عام، وأصبحت تلك التابوهات الثلاثة معروفة (الجنس والدين والسياسة)، وكل من يحاول الاقتراب من هذه الثلاثة أو واحد منها فإنه يوصم بالعهر أو الزندقة أو الخروج عن الصف الوطني والانحياز لأجندة خارجية. تابوهات أصبحت مملة، وممجوجة لكثرة ما تحدث عنها وفيها الكتاب والنقاد والقراء. لكنّ ثمة تابوهاتٍ أشد حساسية من تلك التابوهات السابقة فيما يتعلق بأدب الأسرى والحديث عنهم، فالكشف عن ضعف الأسير وانهزاميته أمام نفسه وفقدانه القدرة على المقاومة، والشعور بالملل وهو يعيش في جلباب البطولة الفضفاض، ومساءلة القدرة الوطنية والإلهية عما يحدث له، كل تلك القضايا ليست أمراً هينا بالنسبة للأسير أو أهله أو الاتجاه الوطني العام، ربما لهذا السبب يتجنب الأسرى الحديث عن أوجاعهم الإنسانية بحرية، بل دائما يتحدثون عنها فرعيا ضمن سياق عام، فيبدو خجولا ومواربا، ويصاحبه التبرير ضمن شروط الفن والحالة الإبداعية.

خلال قراءاتي لكثير من أعمال الأسرى مؤخرا والكتابة عنها وتأمل حالة الكتابة فيها، صرت ألاحظ هذا الجانب، ولم يعد خافيا، بل إنه يطفو على سطح الكتابة عاريا، مع انغماس الكاتب في الكتابة ينفلت منه هذا "الشعور المحرّم"، ويصبح مكشوفا، وقد تجنبت في مرات عديدة الحديث عنه أو الإشارة إليه إلا بشكل بسيط، خوفا من شعور الأديب الأسير بانكشافه أمام نفسه، وتعريته من قناع البطولة الذي ستستر خلفه، حفاظا على تماسكه ومقاومته لتكون أطول عمرا.

هذه الحالة التي وصل إليها الأسرى، نحن سببها، وأقصد بهذه الـ "نحن" كل فرد من أفراد الشعب، والحكومة بكل أجهزتها ووزاراتها، والإعلام بكل مؤسساته وبرامجه، والثقافة بكل إمكانياتها، والفصائل بكل اتجاهاتها اليسارية والوطنية والإسلامية، فكلنا "نحن" في واد والأسرى في واد، مما خلق شعورا مضادا لدى الأسرى أنهم تركوا وحدهم لمصيرهم، فهم ليسوا عزلا فقط، بل إنهم كذلك مقيدون وعاجزون عجزا من بعد عجز في حواجز ثلاث تنهش أرواحهم: البعد، والتهميش، والمرض.

لقد رأوا الأسرى مآلات الحالة السياسية وتوقف خض قضيتهم في قربة الإعلام المحلي والقومي والعالمي، فاتجهوا إلى أنفسهم وإلى أنفسهم فقط في تجليين اثنين، أولهما المقاومة البدائية لتحسين الظروف المعيشية على الأقل داخل السجن عبر خوضهم إضرابات طويلة عن الطعام، ولعل الأسرى الفلسطينيين وحدهم هم من قام بأطول عملية إضراب عن الطعام في التاريخ، سواء جماعية أو فردية، ووصولهم إلى هذه الحالة يعود إلى تلك الـ "نحن" التي أهملتهم إهمالا تاما، وأدى إلى تمادي الاحتلال في إهمال قضاياهم وعدم الاستجابة لمطالبهم، وليس أمرا كبيرا لدى قادته المجرمين لو مات الأسرى جوعا وإهمالا طبيا، بل إن البعض استشهد نتيجة ذلك، ولم يرفّ لهذا "الوحش" المستولي على ديارنا جفن، لأنه أمن العقاب فأساء الأدب والتعامل أيضا.

ويتضح التجلي الثاني في عملية الكتابة، وما تستدعيها من تفاعل خارج السجن وداخله، ونتيجة لحالة الأسرى التي بينتها سابقا، فقد لجأ كثير منهم للكتابة، فبرزت خلال السنوات الخمس الأخيرة مجموعة من الأسماء التي تكتب داخل السجن وتصرّ على الكتابة، وبما أن أولئك الأسرى من ذوي الأحكام العالية فإنهم لم يقفوا عند إنتاج كتاب واحد، بل أصبح كثير منهم ذوي مشاريع كتابية يأوون إليها ويعملون عليها جاهدين، وينفقون كل الوقت من أجل ذلك، دارسين ومحللين وكاتبين، وناشرين لها، وراجين من الآخرين التعرف إليها والتفاعل معها.

هذه العملية من الكتابة بالنسبة للأسير لم تعد ترفا وتزجية للوقت، ريثما تنتهي عدة السنوات التي يقضيها داخل الأسوار العالية، بل أصبحت هي "المتنفس" الذي يتنفس فيها الكتاب الأسرى هواء الحرية بكلماتهم وكتبهم.

ضمن هذه المعادلة من التفاعل ولد مشروع المحامي والكاتب الفلسطيني حسن عبّادي (لكل أسير كتاب ومن كل أسير كتاب)، مشروع ذو اتجاهين من الأسير إلى الخارج، ومن الخارج إلى الأسير، بحيث يوظف هذا المشروع أثر الكتابة وأهميتها في المساهمة في جعل قضايا الأسرى حية، ومن خلال هذا المشروع، دخل المعتقلات الإسرائيلية مئات الكتب، ووصل القراء أيضا العديد من كتب الأسرى وتمّ التعريف بها وقامت دور النشر بنشرها، وهذه العملية التبادلية أنتجت بكل تأكيد تفاعلا حيا في الاتجاهين، فالأسرى يكتبون عن تلك الأعمال التي يقرؤونها، والكتاب خارج المعتقلات يكتبون في أعمال الأسرى ويتفاعلون معها.

ربما نرى أن أثر هذا المشروع "العبّاديّ" بسيطا، أو محدود الأثر، بل إنه مع استمراره يدق جدران الخزان، دقا لطيفا لا يخلو من قرع أسماع هذه الـ "نحن" اللاهية غير المصغية. ويشكّل عملا عظيما وأثره يشبه كثيرا "أثر الفراشة"، فلا بد من أن له أثراً على المدى البعيد، ولذا تجب رعايته وتطويره، والتعامل معه بشكل أكبر، لأننا كلما وسّعنا الدائرة اتسع التأثير وعظم شأن الثقافة، ألم نرفع شعار "الثقافة مقاومة"؟ فكل قراءة لكتاب أسير هو إحياء له، واستحضاره بيننا، وكل كتابة عن كتاب أسير هو مساهمة في حريته وانطلاق كلماته ومعانيه لتغرّد في فضاءات رحيبة، فإنك لا تدري مع أي كاتب أو دارس ستلامس الكلمة سمع قدر ما، فيكون ما لم نتوقع حدوثه، ويتحقق المأمول.

لعل عملية الكتابة والقراءة لدى الأسرى تشبه إلى حد بعيد "تهريب النطف"، لما فيها من إصرار على الحياة والتواصل والوجود، وعدم الاستسلام للظرف الحالي، فالكتابة شرطها الحرية وهي نابعة من داخل الأسير نفسه، وإن شعر أحيانا بأن كل ما في هذا الكون يتآمر عليه، حتى ظن أن العناية الإلهية قد نسيته. وحتى لا يغرق الكاتب الأسير في تابوهات الأسر والاستسلام والانهزامية ويواجه نفسه بها في الكتابة، علينا أن نواصل مشوار التفاعل معه بكل وسيلة متاحة، فلنبعث للأسرى كتبا فيها الفرح والحب والغزل والتفاؤل والأمل، ولنستقبل كتبهم ونعيش معها ونصادقهم من خلالها، فقد شعرنا نحن القراء بشيء من هذا الأثر في رسائل الأسرى التي ولدتها هذه الحركة من التفاعل معهم على المستوى الثقافي كتابة وقراءة ونشرا ومتابعة. فلنستمر، لعل القادم أبهى وأجمل.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط