كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المشروع الوطني الفلسطيني بين الشعارات والواقع

 مع أن سؤال الأزمة صاحب المشروع الوطني الفلسطيني منذ ولادته إلا أنه تحول من سؤال حول ماهية المشروع الوطني إلى سؤال حول أزمة المشروع الوطني ثم سؤال حول الوجود بحيث يجوز التساؤل اليوم هل يوجد مشروع وطني فلسطيني؟. الواقع يقول إنه بالرغم من أن كلمة المشروع الوطني والثوابت الوطنية من أكثر المفردات تكرارا في الخطاب السياسي للقوى السياسية الفلسطينية ،إلا انه لا يوجد اليوم مشروعا وطنيا ولا ثوابت محل توافق، بل أصبح الفلسطينيون وكأنهم ينتظرون من يضع لهم مشروعهم الوطني ويحدد لهم نطاق حقوقهم ودولتهم .

فكما كان للعرب دور رئيس في تأسيس منظمة التحرير ، كمشروع (وطني ) للفلسطينيين ،يبدو أن بعض الفلسطينيين اليوم وبعد أن نفض العرب يدهم من القضية ينتظرون من الرباعية وواشنطن منحهم دولة وطنية من خلال المفاوضات،وآخرون ينتظرون من جماعات الإسلام السياسي أن تقضي على اليهود وتحرر فلسطين ولكن بعد قيام دولة الخلافة الإسلامية الموعودة !.

ما وراء الفشل المتعاظم والتخبط الواضح والتيه المعمم على كافة المستويات : مأزق المفاوضات والخلاف الداخلي حولها،وقف المقاومة المسلحة والخلاف الداخلي حولها،فشل المصالحة واستمرار الانقسام،الحصار ،انتشار ثقافة الخوف ،الصراع على سلطة وهمية ،فساد نخب ومجتمع مدني وحكومات،هجرة الشباب والكفاءات،العجز عن القيام بانتفاضة جديدة وحتى عدم القدرة على ممارسة المقاومة الشعبية السلمية الخ ،ليست هذه المشاكل الحقيقية أو جوهر القضية بل هي تداعيات ونتائج لغياب الرؤية أو غياب المشروع أو البرنامج الوطني الفلسطيني الجامع . لا يمكن لشعب خاضع للاحتلال أن ينجح في تحقيق أهدافه بدون رؤية أو مشروع وطني وثوابت متَفَق عليها تُلهم الشعب وتوحده وتستنفر قواه للدفاع عنها.

هذا لا يعني أنه لم يكن للفلسطينيين مشروعا وطنيا ،بل كان متواجدا مع تأسيس منظمة التحرير التي حققت تحت قيادة حركة فتح انجازات أهمها إحياء الوطنية الفلسطينية وفرض الحضور السياسي للشعب الفلسطيني والذي توج باعتراف العالم بحق تقرير المصير للفلسطينيين والاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني في عام 1974 . ويمكن القول إنه بالإضافة إلى العوامل الخارجية وعلى راسها إسرائيل والتواطؤ الرسمي العربي ،فإن خمسة أحداث أو أسباب داخلية كانت وراء تضعضع المشروع الوطني وتفككه ثم التشكيك بوجوده وهي :

1- ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي نهاية عام 1987 من خارج منظمة التحرير وبمشروع إسلامي مغاير مع مرتكزات المشروع الوطني.

2- اتفاق أوسلو وقيام السلطة الوطنية . فبالرغم من أن السلطة قامت بقرار من المجلس المركزي لمنظمة التحرير لتكون أداة السلطة في الوصول لأهداف المشروع الوطني من خلال عملية التسوية ،إلا أن البعض عمل وما زال على أن تحل السلطة محل المنظمة ،وواقع حال السلطة اليوم لا يؤشر على أنها تمثل المشروع الوطني أو يمكن أن تشكل مشروعا وطنيا بديلا .

3- مشاريع التسوية الأمريكية من أوسلو إلى خطة كيري، هذه الأخيرة والتي في حال القبول بها سينتهي المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني يهدف لقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية ،وهو ما تم التوافق عليه في وثيقة الوفاق الوطني.

4- الانقسام الذي جرى في يونيو 2007 وأدى إلى فصل جغرافي وسياسي وقانوني بين الضفة وغزة ،وهو انقسام هدفه الرئيس ضرب المشروع الوطني والإجهاض عليه.

5- تراجع وضعف الأحزاب الرئيسة وخصوصا تنظيم فتح التي كانت تحمل المشروع الوطني ،وعدم قدرتها الفكرية على التعبير عن العقيدة الوطنية والفكرة التحررية الوطنية ، وعدم قدرتها التنظيمية على التفاعل مع الشعب واستنهاضه في مواجهة ما يهدد المشروع الوطني من أخطار داخلية وخارجية .

انشغال العقل السياسي الفلسطيني واشتغال الفاعلين السياسيين بشكل تجزيئي وقطَّاعي على قضايا متعددة دون ربط منهاجي وعقلاني بينها إنما يدل على تخبط وتيه سببه غياب الرؤية الإستراتيجية أو المشروع الوطني الناظم لكل نواحي حياتنا. التركيز على أزمة المفاوضات أو أزمة المقاومة أو الانقسام وتداعياته ، أو أزمة الحصار الخ،وكأن كل منها موضوعا قائما بذاته غير ذي صلة بالموضوعات الأخرى إنما هو تعبير عن غياب العقل الجمعي وهروب من جوهر المشكل وهو غياب مشروع وطني وثوابت وطنية ،وهو غياب إما لعدم الإيمان بالمشروع الوطني أو لعدم القدرة على تحمل استحقاقاته ،وفي كلا الحالتين يحتاج الأمر لوقفة جادة.

قد يتساءل البعض كيف لا يوجد مشروع أو برنامج وطني وعندنا أكثر من خمسة عشر حزبا و جماعة سياسية، لكل منها برنامجها وإستراتيجيتها ونصفها يملك ميليشيات وقوات مسلحة؟ ، كيف لا يوجد مشروع وطني وكل الأحزاب تتحدث عن المشروع الوطني وتبرر عملياتها العسكرية بأنها من أجل المشروع الوطني والدفاع عن الثوابت الوطنية وتبرر قتالها مع بعضها البعض بأنه من أجل المشروع الوطني؟ ،كيف لا يوجد مشروع وطني ولدينا حكومتان وسلطتان لكل منها أجهزتها الأمنية والشرطية ووزرائها وقوانينها وفضائياتها وصحفها وعلاقاتها الخارجية الخ ؟ كيف لا يوجد مشروع وطني وقد اندلعت حرب أهلية باسمه ودخل آلاف الفلسطينيون سجونا فلسطينية وقُتل بعضهم في هذه السجون وعُذب وشُبِح آخرون ؟ كيف لا يوجد مشروع وطني وهناك منظمة التحرير الفلسطينية وميثاقها وقرارات مجالسها الوطنية ولجنتها التنفيذية والمجلس المركزي ؟!.

وقد يقول قائل إن وجود شعب تحت الاحتلال يعني تلقائيا وجود مشروع وبرنامج تحرر وطني ،وهذا قول ليس صحيحا .صحيح أنه يوجد احتلال صهيوني ويوجد أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني يحملون الوطن معهم أينما حلوا وارتحلوا ويربون أبنائهم على حب الوطن و ألتوق للعودة إليه،وصحيح أن قرارات دولية تعترف للفلسطينيين بحق تقرير المصير وبعضها يعترف لهم بالحق في دولة الخ ،ولكن هذه أمور قد تضعف مع مرور الزمن أو تشتغل عليها أطراف محلية أو إقليمية ودوليه وتخرجها عن سياقها الوطني من خلال حلول جزئية وتسويات إقليمية،إن لم يكن للفلسطينيين أصحاب الحق مشروع وطني توافقي يلتف حوله الجميع .

إن كان يوجد اليوم مشروع وطني فما هي مكوناته من حيث الهدف والوسيلة والإطار والمرجعية ؟ وإن كان يوجد ثوابت وطنية فما هي؟هل هي الثوابت التي تتحدث عنها حركة حماس أم الثوابت التي تتحدث عنها حركة فتح أم الثوابت التي تتحدث عنها حركة الجهاد الإسلامي الخ؟ أم الثوابت التي يتحدث عنها ستة ملايين لاجئ في الشتات؟.

منظمة التحرير بوضعها الراهن لم تعد مشروعا وطنيا ممثلا لكل الشعب الفلسطيني ليس فقط بسبب تآكلها داخليا ولاعترافها بإسرائيل وصيرورتها ملحقا للسلطة واستحقاقاتها الخارجية بعد أن كانت مؤسِسَة لها،بل أيضا لأنها أصبحت جزءا من الخلاف الفلسطيني ولا تعترف بها حركة حماس والجهاد الإسلامي كممثل وحيد للشعب وتتحفظ عليها فصائل أخرى،غياب توافق وطني حول المنظمة يقلل من أهمية اعتراف كل دول العالم بها . أيضا المفاوضات ليست مشروعا وطنيا ،والسلطة و الحكومة ليستا مشروعا وطنيا،ومجرد الحديث عن مقاومة وحتى ممارستها بشكل فصائلي ليس مشروعا وطنيا.

لو كان عندنا مشروع وطني حقيقي ولو كان عندنا ثوابت محل توافق وطني ما كان الانقسام وما كان فشل المصالحة وفشل مئات جولات الحوار ،لو كان لدينا مشروع وطني ما وُضِعت وثائق متعددة ومواثيق شرف كإعلان القاهرة 2005 ووثيقة الوفاق الوطني 2006 واتفاق القاهرة 2008 ،وورقة المصالحة التي تم التوقيع عليها في أبريل 2011 ثم اتفاق الدوحة ، ولم تنفذ حتى اليوم وأجهضت كلها. لو كان لدينا مشروع وطني وثوابت وطنية ما كانت كل المؤسسات القائمة فاقدة للشرعية الدستورية (حسب مقتضيات القانون الأساسي) وفاقدة شرعية التوافق الوطني ،لو كان لدينا مشروع وطني ما كان هذا التراشق والاتهامات المتبادلة بالخيانة والتكفير ما بين من يفترض أنهم قادة المشروع الوطني،لو كان لدينا مشروع وطني ما كان الإلحاح على إجراء انتخابات لتحسم الخلافات حول الثوابت الوطنية .

إن كان كل ما سبق من تشكيلات سياسية وبرامج حزبية ليست مشروعا وطنيا، فما هو المشروع الوطني إذن ؟. ندرك جيدا صعوبة تحديد المشروع الوطني في الحالة الفلسطينية الراهنة والصعوبة الأكبر في وضعه موضع التنفيذ ،نظرا لتداخل الماضي مع الحاضر،الدين مع السياسة مع الاقتصاد ،الوطني مع القومي مع الإسلامي،الشرعية الدولية مع الشرعية التاريخية والشرعية الدينية،ونظرا لطبيعة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني ألإجلائي الخ،ونظرا لأن بعض مكونات النخب السياسية الفلسطينية وخاصة نخب السلطتين ،بدأت تفقد إيمانها بعدالة القضية وبدأت حسابات السلطة والمصلحة الآنية تطغى عندها على حسابات المصلحة الوطنية،ومن هنا فإن أي توجه لإعادة البناء النظري للمشروع الوطني ووضع آليات لتنفيذه يجب أن يبدأ كخطوة أولى خارج حسابات السلطتين والحكومتين وخارج ارتباطات الحزبين الكبيرين وخصوصا الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وشروط الرباعية والارتهان للأجندة الخارجية ومنها أجندة الإسلام السياسي، ومن خلال التعامل مع الشعب الفلسطيني ليس كساكنة غزة والقطاع بل كشعب قوامه أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني.

إن استمر كل حزب وحركة في التصرف باعتبار أنه يمثل المشروع الوطني، واستمر في تحميل مسؤولية أي خلل أو تقصير للآخرين من الأحزاب أو للتآمر الخارجي ،فإن هذا سيؤدي لمزيد من ضياع ما تبقى من أرض وكرامة وطنية. لذا فالأمر يحتاج لتفكير إبداعي خلاق لتأسيس عقد سياسي أو مشروع وطني جديد ،وإن كان الحديث عن مشروع وطني جديد يستفز البعض ممن قد يفسرون الدعوة بأنها إقرار بفشل وتجاوز الأحزاب القائمة،وهي ليست كذلك،فلنقل إننا نحتاج لاستنهاض الحالة الوطنية على أُسس جديدة.ومن حيث المبدأ فحتى نكون أمام مشروع وطني يجب توافق الأغلبية على مرتكزات أي مشروع وطني وهي : الهدف، و الوسيلة أو الوسائل لتحقيق الهدف، الإطار ، والثوابت، وفي ظني أن نجاح المصالحة بكل بنودها قد يشكل مدخلا مهما في استنهاض المشروع الوطني .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط