كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المشير عاصم منير ومفارقة باكستان: نفوذ خارجي متصاعد وأزمات داخلية تلاحق السلطة

المشير عاصم منير ومفارقة باكستان: نفوذ خارجي متصاعد وأزمات داخلية تلاحق السلطة

تاريخ النشر: 2026-08-15 | 15:00

إسلام آباد: تعيش باكستان مفارقة سياسية لافتة: ففي الوقت الذي استعادت فيه قدرًا من حضورها الدبلوماسي والإقليمي، ونجحت قيادتها العسكرية في بناء شبكة علاقات تمتد من واشنطن إلى بكين وأنقرة ودول الخليج، تتفاقم في الداخل أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية تهدد استدامة هذه المكاسب.

هذه المفارقة هي محور مقال رأي للكاتب ساداناند دهومي (Sadanand Dhume)، الزميل الأول في معهد أمريكان إنتربرايز، نشرته صحيفة وول ستريت جورنال في 12 أغسطس/آب 2026، وتناول فيه الصعود السياسي والدبلوماسي للمشير عاصم منير، محذرًا من أن نجاحاته الخارجية قد لا تصمد إذا استمر ركود الاقتصاد وتصاعدت الاضطرابات الداخلية.

صعود غير تقليدي إلى قمة المؤسسة العسكرية

يقدم دهومي مسيرة عاصم منير بوصفها قصة صعود غير مألوفة داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية. فقد جاء من خلفية متواضعة؛ كان والده معلم مدرسة وإمام مسجد محلي، كما أن منير لم يتخرج من الأكاديمية العسكرية الباكستانية المرموقة قرب أبوت آباد، التي تخرج منها معظم قادة الجيش السابقين، وإنما من كلية تدريب ضباط أقل شهرة. كذلك ظلت خبرته الدولية قبل توليه قيادة الجيش عام 2022 محدودة نسبيًا، واقتصرت على دورات وتنسيبات في السعودية وماليزيا واليابان.

لكن مسار منير تغير بسرعة بعد وصوله إلى قيادة الجيش. ففي عام 2024 عدّل البرلمان الباكستاني مدة ولاية قائد الجيش من ثلاث إلى خمس سنوات، وهو تعديل قد يسمح، في حال تمديد ولايته مجددًا، ببقائه في موقعه حتى عام 2035. كما رُقي إلى رتبة مشير وتولى قيادة قوات الدفاع، بما يمنحه سلطة تتجاوز الجيش البري لتشمل القوات الجوية والبحرية، إضافة إلى حصوله على حصانة مدى الحياة من الملاحقة القضائية.

وفي مقابل هذا التعزيز الكبير لموقع منير، يشير المقال إلى استمرار اعتقال رئيس الوزراء السابق عمران خان، أبرز خصومه السياسيين، في مشهد يعكس حجم التحول في ميزان القوة داخل النظام الباكستاني.

دبلوماسية متعددة الاتجاهات

تكمن أبرز نجاحات منير، وفق قراءة دهومي، في قدرته على إدارة علاقات متوازية مع قوى يصعب الجمع بينها في شبكة واحدة. فقد عملت إسلام آباد على تعميق علاقاتها مع واشنطن من دون التضحية بشراكتها الاستراتيجية مع بكين، بالتزامن مع توسيع التعاون الدفاعي مع أنقرة والحفاظ على قنوات مفتوحة مع السعودية وقطر وإيران.

ويضع المقال انضمام باكستان إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وتركيا ضمن أحدث مظاهر هذا النشاط الدبلوماسي، معتبرًا أن منير استطاع استخدام أوراق بلاده السياسية والعسكرية لإعادة تعزيز موقعها في التوازنات الإقليمية والدولية.

وتذهب الباحثة فرزانة الشيخ، من تشاتام هاوس، بحسب ما ينقله المقال، إلى أن باكستان أصبحت أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق طموحها التاريخي بأن تكون «الأول بين متساوين» في العالم الإسلامي، نتيجة الطريقة التي يدير بها منير أوراق بلاده السياسية.

الوجه الآخر: أزمات تتسع في الداخل

غير أن الصورة الخارجية لا تعكس واقعًا داخليًا مستقرًا. فالمقال يرصد مجموعة من بؤر الاضطراب التي تتزامن مع توسع نفوذ المؤسسة العسكرية.

في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية، يشير المقال، استنادًا إلى منظمة مجتمع مدني، إلى مقتل ما لا يقل عن 30 شخصًا على يد قوات الأمن منذ يونيو/حزيران خلال احتجاجات مرتبطة بتردي الأوضاع الاقتصادية وغياب التمثيل السياسي. وفي إقليم خيبر بختونخوا، تصاعدت هجمات حركة طالبان باكستان التي تستفيد من ملاذات في أفغانستان المجاورة.

أما بلوشستان، الغنية بالغاز الطبيعي والنحاس، فتشهد تمردًا انفصاليًا وحرب عصابات تترافق، بحسب المقال، مع رد أمني وعسكري شديد وتشديد القيود المفروضة على وسائل الإعلام. وتنقل وول ستريت جورنال عن فرزانة الشيخ قولها إن صعوبة الوصول إلى الإقليم باتت تجعل حتى الكتابة عنه مخاطرة، وهو ما يحد في الوقت نفسه من القدرة على التحقق المستقل من تفاصيل ما يجري هناك.

وهكذا تظهر الفجوة الأساسية في تجربة منير: فبينما تتوسع قدرة باكستان على المناورة خارجيًا، لا توفر هذه النجاحات في حد ذاتها حلولًا للمشكلات الاقتصادية أو للاضطرابات السياسية والأمنية المتراكمة في الداخل.

الجيش.. أصل القوة الباكستانية

يربط دهومي هذه المفارقة بالبنية التاريخية للدولة الباكستانية نفسها. فمنذ الاستقلال عام 1947، ظل الجيش المؤسسة الأكثر تماسكًا ونفوذًا في البلاد. وقد ورثت باكستان عند تأسيسها نحو ثلث الجيش الهندي البريطاني المدرب جيدًا، وتمكنت المؤسسة العسكرية لاحقًا من المحافظة على درجة عالية من التماسك المؤسسي.

ومن هنا يرى الكاتب أن الجيش يمثل أحد أهم أصول باكستان على المستوى الدولي، لكنه في الوقت نفسه أصبح مركز الثقل الحقيقي في النظام السياسي. وبحسب المقال، فإن الدور الهائل الذي تلعبه المؤسسة العسكرية يجعل المشير عاصم منير، وليس رئيس الوزراء شهباز شريف، صاحب النفوذ الفعلي الأكبر في القرار الاستراتيجي، وصولًا إلى السيطرة على القرار النووي الباكستاني.

هذه المكانة تفسر كيف استطاع منير تحويل القوة العسكرية الباكستانية إلى ورقة دبلوماسية، خصوصًا في علاقات إسلام آباد مع القوى الكبرى ودول الشرق الأوسط، لكنها تكشف أيضًا عن معضلة أعمق تتعلق بمدى قدرة دولة تعتمد بهذا الحجم على مؤسستها العسكرية على تحقيق استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد.

مفارقة النجاح الخارجي

في المحصلة، يقدم مقال وول ستريت جورنال عاصم منير بوصفه قائدًا نجح في رفع القيمة الاستراتيجية لباكستان وإعادة توسيع مساحة حركتها الخارجية، لكنه يفعل ذلك في وقت تتراكم فيه الضغوط داخل الدولة التي يقود مؤسستها الأقوى.

فتركيز السلطة، واستمرار الأزمة السياسية، والركود الاقتصادي، وتصاعد هجمات طالبان باكستان، والتمرد في بلوشستان، والاضطرابات في كشمير، تشكل جميعها اختبارًا أكثر صعوبة من القدرة على بناء شبكة علاقات دولية متوازنة. ويلخص دهومي هذه المعضلة بالتحذير من أن العناوين البراقة في الخارج قد تنجح مؤقتًا في صرف الأنظار عن المشكلات المتنامية في الداخل، لكن الوقائع الداخلية ستفرض نفسها في نهاية المطاف.

وبذلك لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام منير في مواصلة الصعود الدبلوماسي لباكستان فحسب، بل في تحويل هذا النفوذ الخارجي إلى مكاسب اقتصادية وسياسية وأمنية ملموسة في الداخل. فإذا تعذر ذلك، قد تتحول المفارقة الباكستانية من مصدر قوة للمشير إلى الاختبار الذي يحدد في النهاية حدود مشروعه واستدامة نفوذه.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط