كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المصالحة الفلسطينية بين الإرادة والقدرة

يبدو أن الريبة والشك وانعدام الثقة والإحباط باتت تشكل مكونا من الثقافة المجتمعية الفلسطينية وخصوصا من الثقافة السياسية . أصيب الفلسطينيون بحالة من الإحباط حتى باتوا يشكون في كل شيء حتى في قدرتهم على تجاوز واقعهم المرير . كل حزب يشك في نوايا بقية الأحزاب حتى وإن أقدَم حزب على فعل إيجابي – دبلوماسي أو جهادي - ينطلق الآخرون من منطلق الشك ويفسرون هذا الفعل سلبا ليس لأنه فعل خاطئ بل لأنهم لا يثقون بصاحبه ، وإذا أقدمت جماعة أو دولة على مساعدة طرف فلسطيني سواء كان حزبا أو حكومة أو مجتمعا مدنيا انبرت بقية الأطراف للتشكيك في الأهداف الخفية من وراء هذا الدعم . تتحمل النخبة الفلسطينية مسؤولية تفشي هذه الثقافة المدمرة التي لم تكن موجودة في سنوات الثورة والنضال حيث كان التفاؤل والثقة بالنفس وقوة الإرادة والتماسك الاجتماعي أساسيات في ثقافة المجتمع الفلسطيني .

هذه الحالة السلبية والعدمية نلمسها من خلال رصد ردود الفعل على ما تم بشأن اجتماع وفد منظمة التحرير الفلسطينية مع قيادة حماس في مخيم الشاطئ يوم الثالث والعشرين من أبريل للبدء في تنفيذ المصالحة الوطنية. فعندما توفرت إرادة وضع اتفاقية المصالحة الموقعة في القاهرة في لقاء مخيم الشاطئ في قطاع غزة موضع التنفيذ لم يتم مقابلة ذلك جماهيريا بالفرحة العارمة بل بقي الحذر والشك سيد الموقف حتى من طرف أحزاب كانت من أكثر المنددين بالانقسام والمُحمِلين لحركتي فتح وحماس مسؤوليته.

طوال سبع سنوات من الانقسام والفلسطينيون يعانون بسبب الانقسام ويحملونه مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الاحتلال عما أصاب المجتمع من تفكك وفقر وبطالة وانتشار ثقافة الكراهية والخوف ، وما أصاب النظام السياسي من تفكك وضعف في مواجهة ممارسات الاحتلال والاستيطان في الضفة وفي مواجهة الحصار على قطاع غزة ، وفوق كل ذلك تداعيات الانقسام على صورة الفلسطينيين عند العالم الخارجي . وطوال هذه السنوات والكل يندد بالانقسام حتى من شاركوا في صناعته ويستفيدون من نتائجه ، والكل يدعو للمصالحة التي تنهي الانقسام .

نعم في ظل ثقافة الشك وانعدام الثقة التي أشرنا إليها ونتيجة مسار المصالحة الطويل من حق البعض أن يتخوف بل ويشك فيما جرى ،وإن أردنا أن نعدد مبررات التخوف والشك فهي كثيرة ولا شك ونشاركهم فيها وقد سبق أن كتبنا الكثير عن الانقسام والمصالحة والتحديات التي تواجه المصالحة بل ومارسنا نقدا قاسيا في مواجهة حركة حماس وحركة فتح والسلطة الخ ،كيف لا يشك الشعب وينتابه الحذر وقد احتفل المتحاورون أكثر من مرة بتوقيع اتفاق مصالحة وتبادلوا القبل والابتسامات العريضة ؟. لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن مستجدات مهمة جرت وطنيا وإقليميا تُضعف من مرتكزات الانقسام وتبرر التفاؤل بإمكانية نجاح المصالحة ولو ضمن حدود مصالحة إدارة انقسام مؤقتة لعدة أشهر .

كتبنا أكثر من مرة أن الانقسام ليس فقط نتيجة خلاف بين فتح وحماس بل أيضا نتاج معادلة إقليمية دولية غير منفصلة عن مشروع واشنطن للشرق الأوسط الجديد الرامي لتمكين الإسلام السياسي من السلطة وخلق حالة من (الفوضى الخلاقة) في نظرهم ،وغير منفصلة عن خطة شارون بالانسحاب من قطاع غزة 2005 وتدمير ممكنات قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة وغزة، ولو لم تنسحب إسرائيل من القطاع ما تمكنت حماس من السيطرة عليه ، وغير منفصل عن جماعات مصالح فلسطينية مشاركة في هذا المخطط . لكن لا يجوز الاستسلام لحالة الإحباط واليأس وانعدام الثقة بالذات وبالتالي الاستسلام لهذا المخطط تحت ذريعة أنه اكبر من قدرتنا على مواجهته ، وخصوصا أن المعادلة التي أنتجت الانقسام أو ساعدت على صيرورته واقعا بدأت تتفكك في العالم العربي من حولنا وجماعات المصالح الفلسطينية المشاركة في الانقسام باتت مكشوفة للشعب وفشلت في تدبير أمرها فيما أُتِيح لها من كعكة الانقسام ،بالإضافة إلى ذلك فإن مجمل الحالة السياسية الوطنية وصلت لطريق مسدود ، سواء أصحاب المشروع الوطني أو المشروع الإسلامي أو المشروع الرفضوي لقوى المعارضة .

ما جرى في مخيم الشاطئ وبالرغم من كل التخوفات التي تنتاب الجمهور إلا أنها خطوة في الطريق الصحيح وهو طريق طويل وشاق، إنه ما يجب أن يكون أو استجابة متأخرة لإرادة شعبية. صحيح أنها خطوة متأخرة حيث تكرست أوضاع ومصالح وعلاقات ستجعل عملية مواجهتها أصعب،ولو جرت المصالحة قبل خمس أو أربع سنوات مثلا لكانت فرص نجاحها اكبر. ولكن السؤال : هل نستمر في الحال الذي نحن عليه من انقسام يتفاقم كل يوم بل ومرشح لأن يصل لتقسيم المُقسم والصراع على ما هو مُقسم ؟ أم نحاول تفكيك الانقسام ونتقدم خطوة نحو المصالحة،خطوة لا تخلو من مغامرة ؟.

صعاب كثيرة ستواجه استكمال ملف المصالحة بسبب ما تراكم خلال السنوات السبع الماضية ولكن أيضا بسبب رؤية كل طرف للمصالحة . فالمصالحة مصطلح مراوغ وحمال أوجه بحيث يفهمه كل طرف بشكل مغاير للآخر،حتى لو سألت الجمهور عن معنى المصالحة فستجد إجابات متباينة فالبعض يقصد بالمصالحة إعادة توحيد غزة والضفة كما كان الأمر قبل سيطرة حماس على القطاع متجاهلا الشرط الإسرائيلي في هذا السياق،والبعض الآخر يقصد بالمصالحة إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير بحيث تنضوي فيها حركتي حماس وفتح وبقية الفصائل الخارجة عنها ،و البعض يقصد بالمصالحة وقف حالة العداء بين الحكومتين والسلطتين وإطلاق سراح المعتقلين عند الطرفين وتحقيق المصالحة الاجتماعية ،وآخرون يقصدون بالمصالحة كل ما تم ذكره .

حتى تنجح المصالحة في إطار أي من مفاهيمها السابقة فالأمر تحتاج لعنصرين أساسيين :

العنصر الأول : الإرادة وما جرى يعبر عن توفر عنصر الإرادة عند الطرفين الفلسطينيين سواء كانت إرادة إيمان وقناعة بالمصالحة واستعداد للاعتراف بالخطأ وعمل مراجعة لما جرى ،أو كانت إرادة المضطر الذي ينحني للعاصفة مؤقتا ،وحكمة وصبر الرئيس أبو مازن لعبا دورا في التوفيق بين إرادة الطرفين. مع التأكيد بأن الإرادة الفلسطينية لوحدها إن كانت قادرة على إنهاء بعض مظاهر الانقسام إلا انها غير كافية لإنهاء كل الانقسام ، إلا إذا توفرت إرادة الدخول في مواجهة نضالية مع الاحتلال والتخلي عن الحكومة والسلطة والمفاوضات والتهدئة سواء في الضفة الغربية أو غزة ،وبنود اتفاق المصالحة لم يتطرق لهذه الحالة .

العنصر الثاني: القدرة ،ونقصد به القدرة المادية والمعنوية على الاستمرار في نهج المصالحة ومواجهة معيقاتها سواء الداخلية أو الخارجية حتى الوصول لتحقيق الأهداف الوطنية بالحرية والاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة في كامل الضفة وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية مع عودة اللاجئين الفلسطينيين ،وهذا ما يجب الاشتغال عليه ،لأن الإرادة بدون قدرة لا تكفي، ونعتقد أن لدى الشعب الفلسطيني قدرات هائلة يجب توظيفها بشكل عقلاني لدعم المصالحة .

إن كان دور القدرة يأتي لاحقا لتوفر الإرادة إلا أن الأمر ليس مجرد تعاقب زمني بل عملية تفاعلية وجدلية حيث نوع الإرادة يرسم حدود القدرة،أو بمعنى آخر إن القدرة على مواجهة استحقاقات المصالحة مرتبط بحدود إرادة المصالحة عند كلا الطرفين وأهداف كل منهم من التوجه للمصالحة وأية مصالحة يقصد كل منهم ؟ ، وما إن كانت إرادة المصالحة تصل لحدود المواجهة الساخنة مع كل الأطراف المستفيدة من الانقسام وخصوصا إسرائيل والذهاب بالمصالحة إلى حدود المصالحة الإستراتيجية التي تعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني كمشروع تحرر وطني متحرر من استحقاقات اتفاقية أوسلو وتوابعها واستحقاقات الأجندة الخارجية ؟ أم ستقف عند تخوم تشكيل حكومة قد تتحول لحكومة ثالثة شكلية تضاف لحكومتي أمر واقع غير رسميتين تستمران في ممارسة عملهما في الضفة وغزة ؟.

لا نريد أن نبني أوهاما على ما تم ولكن نتمنى كما أكدنا في مقال سابق أن يكون ما يجري جزءا من إستراتيجية متعددة المسارات: مسار الشرعية الدولية بالذهاب للأمم المتحدة لتكريس دولة فلسطين ، ومسار مقاومة شعبية مفتوحة على كل الاحتمالات لترد على ممارسات الاحتلال وعربدة المستوطنين،ومسار مفاوضات ذات مرجعية وأهداف وطنية محددة،والمصالحة في هذا السياق ليست بديلا عن المسارات الأخرى ، ليست بديلا عن الشرعية الدولية والتزاماتها ولكنها تقوي الموقف الفلسطيني في التعامل مع الشرعية الدولية واستحقاق الدولة ، وليست بديلا عن المفاوضات ولكنها يجب أن تشكل حالة قطيعة مع المفاوضات كما كانت تجري سابقا،وإن كان هناك ضرورة للعودة للمفاوضات فستكون مفاوضات تُؤسس على وحدة الموقف الفلسطيني والثوابت الفلسطينية التي أكد عليها الرئيس أبو مازن في اجتماع المجلس المركزي الأخير،كما أنها ليست بديلا عن المقاومة ولكنها ضرورية للتوافق على إستراتيجية وطنية للمقاومة.

وأخيرا وحتى لا نغرر بالجمهور يجب مصارحته بالحقيقة بأن ما جرى أمر مهم ويحتاج لاحتضان ودعم شعبي وأن التقدم في أي ملف للمصالحة سيجعل انجاز بقية الملفات أكثر سهولة ، ولكن طريق المصالحة الإستراتيجية طويل وشاق، وأن إرادة فلسطينية لوحدها لن تنهي حالة الانقسام كليا، المصالحة قد تنهي حالة العداء بين منظمة التحرير وحركة حماس وقد تسمح بتشكيل حكومة توافقية تُدير حالة الانقسام، ولكنها لن تنهي حالة الانقسام بحيث يتم إعادة توحيد غزة والضفة وتواصلهما كما كان الأمر قبل انسحاب شارون من القطاع وسيطرة حماس على قطاع غزة ، كما أن المصالحة لن تنهي الاحتلال تلقائيا. إعادة توحيد غزة والضفة في حكومة وسلطة واحدة وإعادة التواصل بينهما يحتاج لإرادة دولية بل وإرادة إسرائيلية ما دامت غزة والضفة تحت الاحتلال وما دام المتحاورون يتحدثون عن حكومة وسلطة حكم ذاتي وعن انتخابات لرئيس سلطة حكم ذاتي وانتخابات تشريعية لمجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي .إنهاء الاحتلال وتوحيد غزة والضفة في إطار حكومة وسلطة ذات سيادة يحتاج لإستراتيجية وطنية تكون المصالحة بالمعايير المتفق عليها بداياتها ورافعتها الأساسية .

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط