كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المصالحة الوطنية ... بين حوار العقل و القلب

من المزمع أن تشهد المملكة المتحدة ( united kingdom ) والتي تضم بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية في شهر سبتمبر القادم حدثاً تاريخيا قد يحدد ميلاد جديد لهذه الدولة و مستقبلها في القارة الأوروبية و في العالم بوجه عام ، ويتمثل هذا الحدث في الاستفتاء الذي سيتم تنظيمه في اقليم اسكتلندا في الشمال (Scotland) وهو واحد من أربعة أقاليم تشكل المملكة الى جانب انجلترا و ويلز و ايرلندا الشمالية حول استمرار الاسكتلنديين في الاتحاد البريطاني أو الانفصال عنه علما أن هذا الاتحاد بينهم قائم منذ اكثر من ثلاثة قرون و بالتحديد منذ عام 1707م عندما صادق البرلمان الاسكتلندي و نظيره الانجليزي على الاتحاد بينهما، وهو اتحاد مع الاقاليم الأخرى جعل من المملكة المتحدة امبراطورية قوية حكمت ربع مساحة اليابسة في العالم و خلقت أكبر امبراطورية في التاريخ ولتصبح البلاد التي لا تغيب عنها الشمس .

البريطانيون وغيرهم يتساءلون عن دوافع هذا التحول وعن هذه النزعة الاستقلالية لدى مواطنيهم الاسكتلنديين و بواعثها و يرجع البعض ذلك إلى خلل أو إخلال بالعقد الاجتماعي و السياسي بينهم و بين سائر سكان المملكة التي تهيمن عليها الأغلبية الانجليزية رغم أن النظام السياسي في المملكة ملكي دستوري و يحكمه نظام برلماني و هنالك حكومات محلية في عواصم الأقاليم التي تتكون منها المملكة في أدنبرة عاصمة اسكتلندا و كارديف عاصمة ويلز (wales)و بلفاست عاصمة ايرلندا الشمالية (northern Ireland ) .

و رغم أن عدد سكان اسكتلندا يزيد عن الخمسة ملايين نسمة بقليل ولا يتجاوز عُشر عدد سكان المملكة الذي يزيد عن الستين مليون نسمة غير أن مساحتها الجغرافية البالغة أكثر من 78500كم2 " أي أزيد من ثلاثة اضعاف مساحة فلسطين التاريخية " من اجمالي مساحة المملكة البالغة نحو243000كم2 وهو ما يضفي عليها أهمية استراتيجية خاصة جعلت جميع المراقبين داخل المملكة و خارجها يترقبون ببالغ الصبر النتائج التي سيفرزها هذا الاستفتاء و انعكاسات ذلك على المملكة والعالم برمته ، بيد أن الثابت هو رغبة الحكومة المركزية في لندن المحافظة على وحدة الاتحاد بكل الوسائل صوناً لمكانه المملكة و مستقبلها ، وهذا ما عبر عنه قبل أيام رئيس الوزراء البريطاني الاتحادي ديفيد كاميرون الذي صرح في حوار له مع صحيفة The Sunday times Scotland أن هنالك حوار جاد ومفتوح مع الشعب الاسكتلندي على مستوى العقل و القلب على السواء ، فعلى مستوى العقل يقول كاميرون أن حكومته قطعت شوطاً متقدماً مع الاسكتلنديين و ممثليهم للمحافظة على استمرارية الاتحاد باعتباره يحقق مصلحة الفريقين و مستقبلهما المشترك ، أما على مستوى القلب فيضيف كاميرون أن هنالك تواصل حثيث و وجداني بينهما متمنياً أن يحقق ذات نتائج حوار العقل راجياً من مواطنيه الاسكتلنديين و حاثا لهم على التصويت بـ (لا) في الاستفتاء المرتقب .

هذا المشهد بما فيه من دروس بليغة وعبر وفيرة شدني اليه لمزيد من التأمل والتحليل لصيرورته و الخوض في سياقه – سيما و قد سبق لي زيارة اسكتلندا على هامش زيارتي لندن قبل ثلاث سنوات وعاينت النزعة الوطنية والاستقلالية المتصاعدة لدى الاسكتلنديين هناك – ومن ثم اسقاطه على واقعنا الفلسطيني المزري كجماعة وطنية و كشعب مثل سائر الجماعات الوطنية و الشعوب في العالم بأسره ، و أتساءل عن مستقبل العقد الاجتماعي و السياسي بين مكونات شعبنا الفلسطيني في الوطن التاريخي و في الشتات و هل لا يزال هذا العقد قائماً ؟ في وقت تكاد الهوية الوطنية الجامعة لأبناء شعبنا تذوب و تتفسخ نظراً للحالة الراهنة لشعبنا و تشتته الجغرافي و السكاني وحتى السياسي سيما بعد اتفاق اوسلو و افرازاته القائمة والمتوقعة مستقبلاً حيث تم اختزال الوطن التاريخي في الضفة الغربية و قطاع غزة و القدس منها في حكم المجهول، علاوةً على اخراج أهلنا في الـ48 من الحل للقضية و كأنه تسليم بواقعهم المفروض عليهم كمواطنين اسرائيليين و جزء من دولة العدو، و الحال ذاته مع أهلنا في الشتات الأسوأ حالاً حيث أكثر من نصفهم يقطن الأردن المجاور و تم تجنيسهم بالجنسية الأردنية ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الدولة الوليدة ومن نسيجها الاجتماعي بل ويحرُم الحديث عن هويتهم الفلسطينية ليس من الدولة الأردنية فحسب بل بلسان مسؤولين فلسطينيين رفيعي المستوى لاعتبارات مختلفة منها - للأسف الشديد - اعتبارات جغرافية و شخصية، الى جانب تجنيس العديد من الفلسطينيين في البلاد العربية رغم قرار جامعة الدول العربية بحظر ذلك حفاظاً على هويتهم الوطنية و السياسية مع عدم اهمال حالة الهجرة المحمومة للعائلات و الشباب الفلسطيني لأوروبا و الأمريكيتين للاقامة هناك والذوبان في مجتمعاتهم الجديدة، بل إن الجيل الثاني و الثالث منهم أصبح لا يتحدث بلغة أهله الأم و لا لهجتهم، حتى أن البعض منهم يذهب أبعد من ذلك بالتنصل من هويته الوطنية و التنكر لها ، وهو واقع لا يمكن معه وضع غمامة على العين للقفز عليه و تجاهله أو نفيه بفذلكات لا نصيب لها من الصواب و لا حظ لها من الحقيقة، بل ينبغي التعامل معها بواقعية من خلال تشخيصها و دراسة سياقها و بواعثها و آثارها و العمل على معالجتها، وهو ما يتطلب وبشكل ملح وعاجل من القادة الفلسطينيين و النخب و المفكرين وقادة الراي العام الوطني مراجعة العقد الاجتماعي القائم لشعبنا الصغير مقارنة بالشعوب الاخرى و الذي عمره ككينونة وفقا لعلم الاجتماع السياسي political sociology لا يتعدى القرن من الزمان حيث تبلورت هويتنا الوطنية الفلسطينية بعد انسلاخ ولاية سوريا الجنوبية و منها فلسطين عن حياض الامبراطورية العثمانية حيث لم تكن فلسطين بجغرافيتها الحالية كيانا مستقلا وانما جزء من ولاية سوريا وفقا للتقسيم الاداري العثماني, واعادة صياغة العقد الاجتماعي السياسي لشعبنا على أسس ومحددات جديدة ترسخ الهوية الوطنية للفلسطينيين وأسس علاقاتهم البينية كجماعة وطنية قائمة بذاتها بغض النظر عن انتمائهم الاصيل لهويتهم العربية الام وهويتهم الاسلامية وحتى المسيحية في دائرتهم الدينية الأوسع ، وهذه المراجعة هي ما يتجه إليها الاسكتلنديون اليوم وعمرهم كشعب قائم بذاته أضعاف عمرنا الزمني كشعب فلسطيني مستقل الهوية .

أما عن الحوار الذي أشار اليه رئيس الوزراء كاميرون فقد أعجبني صراحته وثقافته وبعد نظره ودهائه أيضا في آن واحد عندما قسم الحوار بين حكومته المركزية مع مواطنيه الاسكتلنديين الى حوار العقل والقلب و حرصه على الجمع بينهما في المفاوضات الحوارية الجارية بينهما في تصنيف يحدد معالم حوار حقيقي ويعكس أهميته بين الفريقين على أسس وقواعد جديدة علنها كباطنها , وسياستها كوجدانها ونصوصها كروحها, وهو بذلك ينتهج سياسة التصالح الحقيقي والفعلي مع الذات باعتبارها توفر الديمومة والاستقرار في العلاقات بين الشعوب والأفراد و يحصنها من التصدعات و التشققات الآنية و البعيدة بعيدا عن الحوارات الديماغوجية الحربائية الخادعة التي سرعان ما تنهار وتنقلب على عقبيها نكوصا وتخلف نتائج عادة وخيمة على الجميع ، وهو تصنيف نحن في الساحة الفلسطينية بحاجة ماسة لاسقاطه على واقعنا المرير والمخزي في آن واحد ، حيث هنالك فجوة عميقة وبون شاسع في مسيرة المصالحة الوطنية منذ بداية الأنقسام البغيض في حزيران 2007م حتى تاريخه بين حوار العقل وحوار القلب، فعلى مستوى حوارالعقل جميع الفرقاء وغير الفرقاء في الساحة الوطنية يدعون الى الوحدة الوطنية و لانجاز المصالحة و تحقيق الشراكة السياسية ليعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني بشقيه منظمة التحرير و السلطة الوطنية على أساسها ، وقد نجم عن هذا الحوار العقلي - المبتور بدوره أحياناً - توقيع اتفاقيات عديدة للمصالحة بدءا من وثيقة الاسرى ووثيقة الحوار الوطني عام 2006م ثم اتفاق مكة المقدسة عام 2007م فاتفاق القاهرة لانهاء الانقسام عام 2011م وأخيرا اتفاق الدوحة عام 2012م مرورا بحوارات القاهرة العديدة وحوارات السنغال و تركيا و...غيرها من العواصم القريبة و البعيدة ، وكللت جميعها – مع بالغ الأسى والأسف الشديد – بالفشل الذريع في تطبيقها ، ولعل تصنيف كاميرون سالف الذكر يسعفنا لوضع اليد على مكمن هذا الفشل و أسبابه و هو غياب حوار القلب و صدق الارادة، فهل يا ترى كانت قلوب المتحاورين و الموقعين على هذه الاتفاقيات بيضاء - كما تقول عجائزنا ـ تجاه بعضهم البعض؟! و هل كانت النفوس صافية تجاه ذواتها كشركاء في وطن واحد و ينتمون لجماعة وطنية واحدة؟! و هل كان وجدانهم تجاه بعضهم البعض صادقاً و خالص النوايا من عدمه؟! ، واقع الحال و من خلال مشاركتي شخصياً و ضمن هيئة الوفاق الفلسطيني التي انتمي اليها في جولات و لقاءات المصالحة و الأحاديث الجانبية مع كبار الفرقاء و قادتهم و صناع القرار فيهم كانت تفوح منها و بشكل نفاذ رائحة الحقد الأيدولوجي و البغض التنظيمي و الأقصاء الفصائلي والكراهية الشخصية و طفو المصالح الفئوية و الذاتية على مصلحة الوطن و القضية ، وان لغة المجالس الخاصة و الغرف المغلقة تختلف تماماً عن لغة الصالات المفتوحة و الجلسات المعلنة ، وهذا لعمري انفصام كبير بين حوار العقل و القلب وحالة مرضية لأصحابها في صورة يتجلى فيها قول الله تعالى " وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ " – البقرة ( 14-16) ، وقوله تعالى " وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ " البقرة -76 .

لذلك كان الاخفاق في مسيرة المصالحة الوطنية و لا يزال مستمراً و سيظل قائماً ما لم يتم نجاح حوار القلب كما نجح حوار العقل نسبيا ًبين الفلسطينيين لرسم عقد اجتماعي جديد بينهم و اعادة صياغ نظامهم السياسي على أساس الوحدة و الشراكة الوطنية الحقيقية الصادقة بعد كنس الممثلين ببراعة للوطنية و تجار المصالحة وسماسرة القضية من الأدعياء و المنافقين المخادعين واصحاب الأجندات الشخصية والمشبوهة و الطموح الحرام ومن في قلوبهم مرض، و هو ذات التحدي الذي يواجهه كاميرون وحكومته المركزية مع مواطنيه الاسكتلنديين في المحافظة على وحدة بلاده أو تقسيمها ، سبتمبر القادم سيجيب على تساؤل كاميرون، و نتمنى أن يجيب على تساؤلنا أيضاً .

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط