كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المضرب عن الذلّ (المتوكل طه )

المضرب عن الذلّ (المتوكل طه )

تاريخ النشر: 2015-06-06 | 13:57

لشيخ خضر عدنان

سأُسمّيه شهيداً وهو حيّ يُرْزَق ! وسأراه محمولاً على الهتاف الموّار الساخن المتعالي ، وسيكون كما أراد وليس كما يريد العبيد .

فلترفَعْ البريّةُ ومدُنها أصواتها، والديارُ التي سكنها المضرب عن الذلّ والماء والطعام، ولتترنّمْ البلادُ، ومن رؤوس الجبال ليهتفوا، ولينتظروا عودتَه بالكباش والعتاد وعطر الرجوع والأعراس، فقد شقَّ بروحهِ الصخورَ والأتربةَ وحطّ في الساحل، فلا راحةَ لروحٍ إلاّ بعودةِ ثيابها إلى أرضها الأولى، فلتَنْسلَّ إلى حيثُ جدوده وشاهدِ المظلمةِ الباقي، إلى أن تعودَ، ونرفعَ الشواهدَ ونغنّي بحنّائنا الصعبِ، ونرمي غلالاتِ ربيعنا إلى الحدودِ والصغار.

ولتَحْضُرْ قريةُ الزعتر والميرمية والفرفحينا التي جزّوا جدائلها الخضراء، الآن، لتكتبَ في تقويمها خطواتِ الرجلِ الراسخِ الذي ضفضفَ بالجُرأة، وصام منسيّاً في مشهدِ القهقرى والرداءةِ والفوضى وكآبةِ المُستَلَبين، فكان شهيداً مع وقف التنفيذ بسبعين شهيد ، لأنّ رُمّانةَ صدرهِ احتشدت بغضبٍ وافرٍ وحزنٍ فائرٍ على ظلالِ الأسوار الثقيلةِ ولزوجةِ الدمِ المجانيّ، وجُلجلةِ المصلوبين على العقربِ المُخاتلِ في المعتقلاتِ في أزمان السيدةِ العمياء "العدالة" التي اعتقلوها في أرقامِ مجلس أمنهم مثيلَ غوانتنامو وأبو غريب، وعلى حاملاتِ الطائراتِ وطوطمِ الرعبِ السائد، ولأنه أضرب مَرّات ومَرّات وتقطّعت أمعاؤه شظايا، ولأنه شاهَدَ قتل أخوته ، واحتمل ، كأنه صخرةُ البَدّ التي تعصر ولا تتكسّر، فتعطي الزيتَ لذعةَ العسل والليمون.

وسيّدنا الشيخ خضر الذي وُلِد في عصرِ الإرهاب الأكبر، تحت ظلالِ بَقْرِ البطون وأعوامِ المذابحِ التي تخطّى زمنَ دقلد يانوس المُرعب، كان شعبهُ يَهْجِسُ كالعقربِ وَسَطَ النارِ، وكان في ولايةِ الدرك المُبْهَمين المتآمِرين، لكنّه أخذَ القرارَ المواجِهَ من قبضةِ الهزيمةِ المُغْلَقة، بعد أن تجاوزَ البحثَ عن ذاتهِ، ليجدها مُقاومةً خَذَلَها المحيطون وارتباكُ الأحزاب المُتلهِّيّةِ بعلوم الجدل، فيما أسقطَوا قلعتَهم من الداخل بالتنازلِ المُتدّرج، وشرّبونا واقعيّةً سياسيّةً أودتْ بالدمِ والإنجازِ والقضيةِ، وظلّت الفجائعُ والحسراتُ واليُتْمُ والرصاصُ والحواجزُ والإذلالُ والغازُ المُسيّلُ للعارِ والقبولُ المخدوع. لكنه، على رغم ذلك، طلع كالسنبلة الحُرّة، من بلد طاهر مغسول بدمع الثكالى ودماء الطيور البريئة وشرايين الشهداء، وانغمس في حمأة المجابهة مع النقيض، وكان مع أشقائه في الباستيلات، يقدّون زهر عمرهم في العتمة والرطوبة الخانقة، وخرجوا إلى نصف الحياة ليجعلوها كاملةً برجوعهم الأنقى والذابح والعنيف.

وإذا كانت القوّةُ الباطِشةُ لا تؤدّي إلى الخطأِ أو الصوابِ، فإنها ينبغي أن تَخُلِّق عِلْمَاً يُلْجِمُها أو يتخّطى مِنشَارَها الذي لا يرحم. وإذا كانت كلُّ قبيلةٍ بحاجةٍ إلى أُسطورة، وكلُّ حربٍ إلى بطلٍ فإنّ أسطورتَنا هم شهداؤنا ومعتقلونا وجرحانا، ، أما أبطالُنا فأولئك الذين نسجوا داخلَ مجتمعنا كوابحَ عَمِلَت على الحدِّ من الهرولةِ والتنازل وأدت إلى تمتينِ بقاء الناسِ البُسطاءِ في بلدهم، على الرغم من الدَهْمِ والهدمِ والجوع، وكان الشيخ واحداً من هؤلاء الذين تقدّموا صفوفَ العملِ حتى أصبح نسراً قيصرياً، يخفقُ في كلِّ اتجاهٍ، وتمضي اجتراحاتُهُ في تأصيل كلِّ بناءٍ حتى هدّهُ الانحسارُ والتراجعُ الكابي المرتكس، وخذله التعويم على الرغم من جسارة الرجل وبراءته.

لقد عَرفت فلسطين ابنها وهو في السجنِ أيام تلكَ الانتفاضة العبقريةِ، وكان لسانُ حالهِ يقول لمحتلّيه: أنتم تخشونَ قتلنا أكثر مما نخافُ من الموتِ، وأنتم أيها المحتلون تهشّمونَ عظامَنا وتكسّرون ضلوعنا لكنها ستنجبرُ، أمّا كسركم فلا جبر له لأنه انكسارُ الروحِ وضياعُ ما تبقى في الإنسان للإنسانِ .

وكان يُدْرك أنّ التهكمَ كَلمةٌ أخرى تعني السياسة، لهذا انغمس في أتون العمل الجاد، ففي السجن كان لا يغفو له جفن وهو يهدي للتي هي أقوم بالتي هي أحسن، ويمسحُ فضّةَ أوجاع المعتقلين الجوانية ويعينهم على أنْ يبرأوا من الكلام المكرور الماكر. وشهد الجميع بأن خطبهُ كانت قمراً يكتمل لتثبيت الروح وإضاءة الوجدان، وبحضرة كلام العالي الذي لا يخيب. لكن شهداءنا الأحياء والأحياء يشبهون مَلِكَ جركوفيا في مواجهةَ القيصر، حاربوه وحاولوا أن يُخْرجوه من أرضهم، وكان فِعْلُهم يقولُ لنا: هيا إلى مخالب الموتِ ففي قلوبنا أغنية. لكنهم سقطوا قبل الوصول لأن الرعاة باعوا الطريق.. وظلّ مَن ظلّ منهم وما بدّلوا تبديلا.

والشيخ ، كان يدرك الفرق بين فعل الديمقراطية الحرّة واجبةِ الوجود، وما بين ديمقراطية الفصائل البراغماتية التي تعاني من أزمات بنيوية عميقة، فذهب إلى العمل الملتزم مباشرةً تاركاً خلفهُ غُثاءَ الكلام ورمادَ الألقابِ، وكأنه قال: عندما لا يسمعك الناسُ عليك أن تتبَعهم أو تسير وحدَكَ، فسارَ وحدهُ إلى الحراك الفذّ النظيف، فوجدَ خلفه الناسَ الشرفاءُ يتبعونهُ واثقين مطمئنين. فله مجدٌ منقوشُ على الحجرِ وفي النيران الأبديةِ. وَلَعلّي أسمّيه طائر البيْليكان، ذلكَ الطائرَ الذي كانَ ينقرُ صدرَهُ ليُخْرجَ قلبَهُ غذاءً للطيورِ التي حولَه.

ولعله ما يزال يدركُ حكمةَ سقوط بابل! التي دخلها داريوس برائحتِه النتنةِ، ولأنَّ أهلها مخمورون حتى الغياب.

لهذا يدعو للتطهّريةِ العمليّةِ قولاً وسلوكاً لأنه طيبٌ في خُلُقِهِ وخَلْقِه، مثلما يبقى أنموذجاً للالتزام ببطانته الوطنية وبمعناها الأخلاقي والنظري ، البعيد عن الغرضِ والظلامية والانغلاق والتزمّت الأعمى، فنال هذا الامتياز. ولعلّنا هنا لنَقْبسَ من وهج هذا النموذج والمثال وَنَشْحذَ الأرواحَ الطالعةَ.

إن الشيخ خضر عدنان واحد من ملوك الشمس الذين أنبتوا يراعات النور في الحقول والثوابت وأبقوها نابضةً ممرعة بدءاً من الدولة المستقلة، والقدسُ عاصمتها إلى أبد الداهرين، وانتهاءً بزوال الاستيطان والاحتلال الكامل، وعودة اللاجئين إلى أرضهم الأولى.. فإما الثوابتُ وإعادةُ بعثِ الحياةِ في مؤسساتنا بشفافية وعَدْلٍ وقانون، وإما التصدّي المُميتُ لعولمةِ الانهيار والعبودية. لهذا نعلن أننا مع وخلف الشيخ ، ما يعني أننا مع حقوقِنا وثوابتِنا وحقِّنا الساطع الذي له مضى شهداؤنا وأسرانا وجرحانا.. فَلَهم ذِكْرٌ خالدٌ وذكرى مُخضلّةٌ، وللبسطاء البقاءُ والوطنُ .. وله ولأسرى الحرية الفضاء الفلسطيني الحرّ المجيد.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط