كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المعاهد الأزهريّة في فلسطين: من تحت الركام إلى قاعات الامتحانات… حكاية إرادة لا تنكسر

المعاهد الأزهريّة في فلسطين: من تحت الركام إلى قاعات الامتحانات… حكاية إرادة لا تنكسر

تاريخ النشر: 2026-06-11 | 13:18

حين كانت حرب الإبادة تشتعل في قطاع غزة، والموت يملأ الطرقات، والدمار يطال البيوت والمباني، والمجاعة تنهش البطون، زرت في تموز/يوليو 2024، وبعد خروجي من حصار امتد عشرة أيام، مباني جامعة الأزهر بصفتي عضواً في مجلس أمنائها للاطمئنان على أوضاعها. يومها شاهدت الكتل الإسمنتية وقد سقطت فوق بعضها بعضاً، فيما كان الدخان لا يزال يتصاعد من بعض المباني التي طالتها آلة الحرب.
ومن بين الركام، عرجت إلى مبنى المعاهد الأزهريّة الواقع إلى الغرب من الجامعة. هناك أجريت اتصالاً هاتفياً مع الدكتور علي النجار، رئيس المعاهد الأزهريّة في فلسطين، وتحدثنا عن حجم التدمير الذي أصاب مباني المعاهد والجامعة، شأنها شأن عشرات المؤسسات التعليمية التي تعرضت للاستهداف. لكن ما يستحق أن يُروى اليوم ليس حجم الدمار فقط، بل حجم الإرادة التي واجهته وانتزعت من بين أنقاضه قصة نجاح استثنائية.
أصرّ الدكتور علي النجار على ألا يُحرم الطلبة والطالبات من حقهم في التعليم، وألا تضيع سنواتهم الدراسية بسبب الحرب. وبينما كانت المباني مدمرة والبنية التحتية منهارة، بدأت رحلة شاقة للبحث عن مقاعد وطاولات وقرطاسية، وتأمين الحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية في ظروف تكاد تكون مستحيلة. كما جرى العمل على توفير ما أمكن من خدمات الإنترنت والكهرباء لضمان استمرار العملية التعليمية وتمكين الطلبة من متابعة دراستهم.
وفي نهاية العام الماضي، نجح الدكتور النجار، من خلال تواصله مع مشيخة الازهر وفضيلة الدكتور الشيخ  أحمد الطيب ، في ضمان تقدم الطلبة لامتحاناتهم وفق النظام المعتاد. فقد جرى تنظيم الامتحانات داخل غزة، ثم إرسال دفاتر الإجابات إلى جامعة الأزهر في القاهرة عبر نظام المسح الضوئي، رغم ما تطلبه ذلك من جهد وعناء في ظل الحرب والدمار وانقطاع وسائل الاتصال. وبهذه الآلية تمكن نحو 700 طالب وطالبة من التقدم لامتحانات الثانوية الأزهرية.
لكن هذا العام حمل تحدياً جديداً. فقد تزامن موعد الامتحانات في غزة  في الثاني من حزيران مع امتحانات المعاهد الأزهريّة في مصر، وفوجئت الإدارة عشية الامتحانات بأن الكنترول في القاهرة لن يتمكن من استقبال دفاتر الإجابات عبر النظام الإلكتروني كما حدث في العام الماضي. وكان ذلك يعني عملياً حرمان 450 طالباً وطالبة من التقدم للامتحانات وضياع عام كامل من الجهد والتعب والانتظار.
أمام هذا الواقع لم تستسلم إدارة المعاهد الأزهريّة. فبعد أن بذلت جهوداً كبيرة لتوفير وسائل نقل مجانية تضمن وصول الطلبة من مختلف محافظات القطاع إلى مدينة غزة، بدأت سباقاً جديداً مع الوقت لإنقاذ العام الدراسي. وتم الاتفاق مع الجهات المعنية في القاهرة على إرسال دفاتر الإجابات الورقية، التي تتكون من اثنتي عشرة صفحة لكل طالب يومياً، إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة. كما جرى شراء ماكينتي تصوير وكميات كبيرة من الورق لتصوير الدفاتر وختمها بخاتم السفارة، بإشراف موظفين فلسطينيين اثنين اضطرتهما الحرب للنزوح إلى القاهرة، قبل تسليمها إلى الجهات المختصة في الأزهر.
واليوم زرت المعاهد الأزهريّة في مدينة غزة برفقة الرفيق محمود الزق، واستمعت مباشرة إلى تفاصيل هذه القصة التي تختصر معنى الصمود الحقيقي. إنها ليست مجرد قصة امتحانات أو إجراءات إدارية معقدة، بل قصة شعب يتمسك بحقه في الحياة والعلم والمعرفة رغم النار والدمار والجوع والنزوح.
في غزة، لم تعد العملية التعليمية مجرد مهمة تربوية، بل تحولت إلى معركة يومية للدفاع عن المستقبل. فحين يبحث المسؤولون والمعلمون بين الركام عن مقعد دراسي، ويصرّ الطلبة على الوصول إلى قاعات الامتحانات رغم المخاطر والمعاناة، فإنهم يوجهون رسالة واضحة بأن الاحتلال يستطيع أن يهدم المباني، لكنه يعجز عن هدم الإرادة.
إن شعباً يواصل تعليم أبنائه تحت القصف، ويبتكر الحلول في أصعب الظروف، ويصرّ على أن يصل طلبته إلى قاعات الامتحان رغم كل ما يحيط بهم من مآسٍ، هو شعب لا يمكن أن يُهزم، ولا يمكن لإرادته أن تنكسر. فالتعليم هنا لم يعد مجرد حق، بل أصبح شكلاً من أشكال الصمود والمقاومة، ورسالة يومية تؤكد أن الحياة أقوى من الحرب، وأن المستقبل يُبنى بالإرادة مهما اشتد الخراب، وأن شعباً ينجح في إيصال أبنائه إلى قاعات الامتحانات من بين الركام، قادرٌ حتماً على أن ينهض من تحت الأنقاض ويصنع مستقبله رغم محاولات الاقتلاع والتدمير.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط