كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المفكر السلوفاكي سلافوي جيجيك: بربرية بوجه إنساني

المفكر السلوفاكي سلافوي جيجيك: بربرية بوجه إنساني

تاريخ النشر: 2020-04-10 | 19:37

 أجد نفسي مؤخراً راغباً بالإصابة بالفيروس، سأتخلّص وقتها على الأقل من حالة الارتياب المنهكة التي أعيشها. علاقتي بالنوم تشكّل هي الأخرى علامة واضحة على قلقي المتزايد. قبل حوالي أسبوع، كنت انتظر المساء بلهفة: وأخيراً! يمكنني الهرب إلى عالم الأحلام وترك كل مخاوف حياتي اليومية خلفي. والآن، على العكس تماماً، أخشى النوم لأن الكوابيس تلاحقني ليلاً وتوقظني مذعوراً، كوابيس عن الواقع الذي ينتظرني.
عن أي واقع أتكلم؟ نسمع كثيراً هذه الأيام عن حاجتنا الماسة لتغيّرات اجتماعية راديكالية، في حال أردنا حقاً التعامل مع تبعات الوباء الحالي (وأنا من الذين يروّجون لهذا)، إلا أن تغييرات جذرية تحدث بالفعل. يواجهنا فيروس “كورونا” اليوم بما اعتبرناه مستحيلاً: لم نكن لنتخيل أبداً هذا الانقلاب الذي شهدته حياتنا اليومية.
توقف العالم الذي عرفناه عن الدوران، بلدان بأكملها مغلقة بالكامل، وكثيرون منّا محتجزون في منازلهم (عدا عن أولئك المحرومين حتى من هذا الحد الأدنى من الوقاية). نجد أنفسنا في مواجهة مستقبل غامض، وحتى في حال نجاة معظمنا، ستبقى الأزمة الاقتصادية الهائلة تلوح في الأفق.
كل هذا يعني أن رد فعلنا يجب أن يحقق المستحيل هو الآخر: ما يبدو غير ممكن ضمن إحداثيات النظام العالمي الحالي.
المستحيل قد حدث بالفعل، وعالمنا توقف عن الدوران، والمستحيل هو بالضبط ماعلينا تحقيقه لتفادي الأسوأ: ما هو الأسوأ؟
لا أعتقد أن التهديد الأكبر يتمثل بانتكاسة إلى بربرية صريحة أو صراع وحشي على البقاءـ بما يرافقه من اضطرابات عامة، وإعدامات ميدانية مذعورة، إلخ (بالرغم من امكانية حصول شيء شبيه في حال انهيار النظام الصحي وغيره من الخدمات العامة). ما أخشاه أكثر من الوحشية الصريحة هو البربرية بوجه إنساني: إجراءات قاسية لحفظ البقاء، تُطبّق بشيء من الأسف وحتى التعاطف، ولكنها تستمد شرعيتها من آراء الخبراء.
يمكن لمراقب يقظ أن يلحظ بسهولة تبدّل نبرة من هم في السلطة أثناء مخاطبتهم لنا: لا يحاولون فقط إظهار الهدوء والثقة، وإنما يتفوّهون باستمرار بتنبؤات مرعبة: من الوارد استمرار أزمة الوباء لعامين، وسيصيب الفيروس في المحصلة من ٦٠ إلى ٧٠ بالمئة من سكان الكوكب، حاصداً ملايين الأرواح.
باختصار، رسالتهم الحقيقية هي وجوب بتر وتقليص الفرضية الأساسية لأخلاقنا الاجتماعية: رعاية المسنين والضعفاء (أعلنت إيطاليا فعلاً عن إمكانية حرمان المصابين بأمراض عضال، والمسنين الذين تجاوزوا الثمانين، من الرعاية الصحية في حال تفاقم الوضع، أي سيُتركون ببساطة للموت).
يمكننا ملاحظة كيف ينتهك قبول منطق “البقاء للأقوى” المذكور أبسط مبادئ الأخلاق العسكرية، والتي تنصّ، بعد المعركة، على وجوب معالجة المصابين بجروح خطيرة أولاً، حتى لو كانت فرص نجاتهم ضئيلة (إلا أن نظرة أقرب تقلّص المفاجأة، فلطالما تصرّفت المستشفيات بذات الطريقة مع مرضى السرطان).
لتجنّب سوء الفهم، أنا واقعي تماماً هنا، يجب برأيي حتى تأمين أدوية تساعد على موتٍ دون ألم للمرضى الميؤوس من شفائهم، لتجنيبهم المعاناة غير الضرورية. ولكن عوضاً عن التوفير والاقتصاد، يجب أن يكون هدفنا الأول تقديم المساعدة غير المشروطة للمحتاجين لضمان نجاتهم، وبغض النظر عن التكاليف.
لذا اختلف، بكل احترام، مع جورجيو أغامبين، الذي يرى في الأزمة الجارية علامةً على أن: «مجتمعنا لم يعد يؤمن إلا بالحياة العارية. وبات جلياً أن الإيطاليين، تفادياً لإلتقاط العدوى، مستعدون عملياً للتضحية بكل شيء: ظروف الحياة الطبيعية، والعلاقات الاجتماعية والعمل، وحتى الصداقات والعواطف والقناعات الدينية والسياسية. ليست الحياة العارية، والخوف من فقدانها ـ أمراً يوحّد البشر ويجمعهم، بل أمراً يفرّق بينهم ويصيبهم بالعمى». إلا أن الوضع أكثر غموضاً بكثير: إنها تقوم بتوحيدهم أيضاً! ترك مسافة أمان، والبُعد الجسدي، هو أيضاً نوعٌ من ابداء الاحترام للآخرين، فقد أكون أنا نفسي حاملاً للفيروس. يتجنّب ولديَّ لقائي هذه الأيام، لخشيتهما إصابتي بالعدوى (المرض قد يكون عابراً في حالتهما ومميتاً في حالتي).
نسمع مؤخراً مراراً وتكراراً أن كلّ فرد منا مسؤولٌ شخصياً، ويتوجب عليه التقيّد بالقوانين والقواعد الجديدة. وتعجّ وسائل الإعلام بأخبار عن أناس أساءوا التصرّف، وعرّضوا أنفسهم والآخرين للخطر (دخل رجل إلى سوبرماركت وبدأ بالسعال، وما إلى ذلك). المشكلة هنا شبيهة بتناول وسائل الإعلام للقضايا البيئية من منظار المسؤولية الفردية (هل قمتَ بإعادة تدوير جميع الصحف والمجلات القديمة؟ الخ). التركيز على المسؤولية الفردية، بالرغم من أهميته، يتحوّل لأيديولوجيا بمجرّد أن يشرع بالتعتيم وتوجيه الاهتمام بعيداً عن السؤال الكبير حول كيفية تغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي. لا يمكن خوض المعركة ضد كورونا إلا يداً بيد مع النضال ضد التهويمات الأيديولوجية، وباعتبار هذه المعركة جزءاً لا يتجزأ من النضال البيئي الأوسع. تخبرنا” كيت جونز” أن انتقال الأمراض من الحيوانات البرية إلى الإنسان هو «الثمن الخفي للتنمية الاقتصادية البشرية. أعدادنا كبيرة في كل مكان، ننتشر في بقاع كانت إلى حد ما غير مضّطربة، ونعرّض نفسنا للخطر أكثر وأكثر. نقوم بخلق مواطن ملائمة لانتقال سلس للفيروسات، ومن ثم نصاب بالذهول عندما تنشأ فيروسات جديدة».
لذا لا يكفي تنظيم نوع ما من الرعاية الصحية العالمية للبشر، بل يجب أخذ الطبيعة بعين الاعتبار: تهاجم الفيروسات النباتات أيضاً، التي تشكّل مورد الغذاء الرئيسي لنا، مثل البطاطا والقمح والزيتون. علينا التفكير بالصورة الكبيرة لعالمنا، بكل ماتحتويه من مفارقات وتناقضات.
من المهم، على سبيل المثال، معرفة أن الإغلاق العام في الصين، جرّاء فيروس كورونا، أنقذ أرواحاً أكثر من عدد ضحايا الفيروس نفسه (في حال صدّقنا الإحصائيات الرسمية لعدد الضحايا): يقول “مارشال بوركه”، اقتصادي الموارد البيئية، إن هناك علاقة مؤكدة بين تلوّث الهواء والوفيات المبكرة نتيجة التعرض لهذا التلوّث. «عند أخذ هذا العامل بعين الاعتبار، فمن الطبيعي، مع الاعتراف بغرابة الأمر، أن نتساءل ما إذا كانت الأرواح التي ينقذها هبوط مستويات التلوث، بعد عرقلة الاقتصاد جراء كوفيد-١٩، تتجاوز عدد ضحايا الفيروس نفسه؟ حتى في ظل فرضيات محافظة للغاية، أعتقد أن الجواب هو “نعم” مدوّية». خلال شهرين فقط، يجزم بوركه أن هبوط مستويات التلوث أنقذ حياة أربعة آلاف طفل دون سن الخامسة، وحياة ثلاثة وسبعين ألف مسن، فوق عمر السبعين، في الصين وحدها.
نجد أنفسنا في مواجهة أزمة ثلاثية الأبعاد: بُعدٌ طبي (انتشار الوباء)، بُعدٌ اقتصادي له تبعات قاسية بمعزل عن نتيجة الوباء، إضافةً لأزمة صحة عقلية علينا عدم الاستهانة بها. تتفكك الإحداثيات الأساسية لعالم وحيوات الملايين من الناس، وسيرمي هذا بثقله على كل شيء، من الطيران في الإجازات والعطل إلى تواصلنا الجسدي اليومي. علينا التفكير خارج إحداثيات سوق الأسهم والربح، وإيجاد طريقة أخرى لإنتاج وتقسيم الموارد اللازمة. في حال دراية السلطات، على سبيل المثال، بأن شركةً ما تقوم بحجز الملايين من الأقنعة الطبية، منتظرة اللحظة المناسبة لبيعها، يجب ألا يتم التفاوض مع الشركة المذكورة، يجب ببساطة مصادرة الأقنعة.
أفادت وسائل الإعلام أن ترامب قدّم عرضاً بقيمة مليار دولار أمريكي لشركة الأدوية الحيوية الألمانية” CureVac”، بغرض تطوير اللقاح للولايات المتحدة بشكل حصري. صرّح ينس شبان، وزير الصحة الألماني، أن محاولة إدارة ترامب احتكار الشركة أمر مرفوضٌ كلياً وغير قابل للنقاش: «”CureVac” ستستمر بمحاولة تطوير لقاح لكل العالم، وليس لبلدان بعينها دون غيرها». نرى هنا مثالاً نموذجياً عن الصراع بين البربرية والحضارة.
إلا أن ترامب ذاته اضطر إلى الاستعانة بقانون “الإنتاج الدفاعي”، الذي سيتيح للحكومة ضمان استجابة القطاع الخاص لإنتاج المعدات الطبية الطارئة بالكميات الضرورية: «أعلن دونالد ترامب عن اقتراح قانون لتولي القطاع الخاص. الرئيس الأمريكي صرّح بأنه سيلجأ إلى بند فيدرالي يتيح للحكومة قيادة وتنظيم القطاع الخاص استجابة للأزمة الوبائية» حسب تقرير وكالة “أسوسشيتد برس” ،و«صرّح ترامب بأنه سيوقع على قانون يمنحه سلطة التحكم بالإنتاج الصناعي المحلي وتوجيهه، في حال استلزم الأمر».
عندما استخدمتُ مصطلح “شيوعية” قبل عدة أسابيع، تعرّضتُ للسخرية، ولكن، هاهو ترامب يُعلِن «عن اقتراح قانون لتولي القطاع الخاص»، هل كان بإمكان أحد تخيل عنوانٍ كهذا قبل أسبوع فقط؟ وما هذه سوى البداية، سيتوجب علينا اتخاذ المزيد من التدابير المشابهة في الفترة القادمة. أضافةً لما سبق، يجب التنبيه لضرورة التنظيم الذاتي المحلي للمجتمعات، في حال تعرّض النظام الصحي العام لضغط شديد.
ليس الانعزال لأجل النجاة كافياً، كي تنجح محاولات العزل يجب أن تعمل الإمدادات والخدمات العامة الأساسية بنجاح: الكهرباء، الغذاء والأدوية (سنحتاج عمّا قريب لقائمة بالمتعافين، الذين شكّلوا مناعة ولو مؤقتة ضد الفيروس، بغرض حشدهم للعمل العام العاجل). هذه ليست تصورات عن شيوعية مثالية، وإنما عن شيوعية تفرضها ضرورات البقاء العاري. إنها للأسف، نسخة مما كان يُعرف عام ١٩١٨ في الإتحاد السوفييتي السابق بـ”شيوعية الحرب”.
«في الأزمات كلنا اشتراكيون»، حتى ترامب يفكّر بتطبيق نوع من الدخل الأساسي غير المشروط: شيك بمبلغ ألف دولار لكل مواطن بالغ.
سيتم إنفاق تريليونات الدولارات، في انتهاك صريح لكل قوانين السوق، والسؤال الملح: كيف؟ من أين؟ ولمصلحة من؟
هل ستكون هذه الاشتراكية الاضطرارية اشتراكيةً للأغنياء؟ (لنتذكر خطة إنقاذ البنوك في الأزمة المالية عام ٢٠٠٨، في حين خسر ملايين الناس مدّخراتهم الصغيرة)، هل ستُختَزل موجة الوباء هذه إلى فصل جديد في الرواية الطويلة التي أطلقت عليها “ناعومي كلاين” مصطلح «رأسمالية الكوارث»؟ أم سينشأ نظام عالمي جديد، أكثر تواضعاً ربما، ولكن أكثر توازناً؟

*رد او جدال مع الفيلسوف الايطالي اغامبين احد ابرز ممثلي مدرسة ميشيل فوكو الفرنسي:

لقراءة المقالة كاملة ..أضغط هنا

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط