كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المقامة الأدبيّة في الحداثة الشعريّة

المقامة الأدبيّة في الحداثة الشعريّة

تاريخ النشر: 2025-09-23 | 10:40

حَدَّثَنا رَجُلٌ دِمَشْقِيٌّ يُدْعى أبا حامدْ، وَهُوَ مُعَلِّمٌ مُتَقاعِدْ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ لِلشِّعْرِ نَاقِدْ، هِوايَتُهُ شُرْبُ النَّرْجِيلَةِ وَفَصْفَصَةُ القَصائِدْ، 

يَجْلِسُ في مَقْهى النَّوْفَرَةْ، وَيَرْوِي القِصَصَ وَالحِكاياتِ المُعَبِّرَةْ.

قالَ، وَهُوَ يَنْفُثُ دُخانَ نَرْجِيلَتِهِ إِلَى الأَعْلَى كَأَنَّهُ دُخانُ قِطارِ الحِجازْ، وَهُوَ يُسْهِبُ في شَرْحِ الكِنايَةِ وَالمَجازْ:
«يا قَوْمُ، صارَ الإِبْداعُ لَدَى بَعْضِ التُّيُوسْ، 

كَهَواءِ البَطْنِ المَحْبُوسْ؛ يَظُنُّهُ صاحِبُهُ دُرًّا نَفيسْ، 

فَإِذا انْفَلَتَ اشْمَأَزَّتْ مِنهُ النُّفوسْ.

 وَيَقولُ: أَنا أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ يَمْدَحُهُم (رَشِيدُ أَبُو قَيْسْ)،

 وَعَلَى الأَقَلِّ أَكْتُبُ أَفْضَلَ مِنْ أَدونِيسْ، 

وَلَدَيَّ أَفْكارٌ لَمْ تَخْطُرْ عَلى بالِ إِبْلِيسْ».
وَسَأَرْوِي لَكُمْ قِصَّةً تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِأَدَقِّ المَقايِيسْ:
عَزَمَتْ بَلَدِيَّتُنا العَتِيدَةْ،

عَلى إِقامَةِ مُسابَقَةٍ شِعْرِيَّةٍ مَجِيدَةْ.

 نُفِخَ في أَبْواقِ الإِعْلامِ، وَقِيلَ:
«يا أَهْلَ الأَقْلامِ، يا أَهْلَ القَوافِي وَالأَوْزانِ، وَأَرْبابَ الفَصاحَةِ وَالبَيانِ، هَلُمُّوا إِلَى المَهْرَجانِ؛ فَفِيهِ خَمْرٌ بِلَا عِنَبٍ، وَجَوائِزُ مَكْتُوبَةٌ عَلى صَحائِفَ مِنْ ذَهَبٍ».
فَهاجَتْ قَرائِحُ الشُّعَراءْ، كَما تَهِيجُ البِحارُ وَالأَنْواءْ:
هذا يَصْقُلُ بَيْتَهُ حَتَّى الصَّباحِ،
وَذاكَ يُزَرْكِشُهُ بِالقُرْنُفُلِ وَالقِداحِ،
وَآخَرُ يَحْلُمُ بِالجائِزَةِ وَجَنِي الأَرْباحِ.
وَجاءَ يَوْمُ الحَفْلِ المَوْعُودِ، أَمامَ الجُمهورِ وَالحُشُودِ،

 وَجَلَسَتْ لَجْنَةُ التَّحْكِيمِ عَلى المِنَصَّةْ،

وَلِكُلِّ وَجْهٍ مِنْهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْعُبُوسِ وَحِصَّةْ.

يَتَرَأَّسُها رَجُلٌ أَصْلَعُ، لا يَحْتاجُ تَسْريحَةً وَلا قَصَّةْ؛

 النّاقِدُ الجَليلْ، الدُّكْتورُ فَهْمانُ الأَصِيلْ،

 صاحِبُ النَّظَرِيّاتِ في النَّقْدِ وَالتَّحْلِيلْ. 

وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمالِهِ اثْنانِ يُهَزّانِ الرَّأْسَ بِامْتِنانٍ،

 يُقَدِّمانِ لَهُ المَشُورَةَ وَالعَوْنَ، كَما يَفْعَلُ هامانُ لِفِرْعَوْنَ.

فَصَعِدَ الشّاعِرُ الأَوَّلُ وَأَلْقَى قَصيدَةً رَنّانَةْ، قَوِيَّةً وَمَتِينَةً كَالسَّنْدِيانَةْ. فَقالَ الدُّكْتورُ فَهْمان بِصَوْتٍ فِيهِ رَطانَةْ:
«تَقْلِيدِيٌّ مُبْتَذَلْ... قَلَّصْتَ المَعاني وَأَطْنَبْتَ الجُمَلْ».
وَجاءَ الثّانِي بِبَحْرٍ مِنَ المَعاني، يَجُرُّ أَذْيالَهُ كَزَعِيمِ حِزْبٍ لُبْنانِيٍّ. فَقالُوا:
«سَطْحِيٌّ وَمُباشِرٌ وَأَجْوَفْ... تَراكِيبُهُ مِنْ خَيْطِ العَنْكَبُوتِ أَضْعَفْ».
وَأَقْبَلَ الثّالِثُ بِصُوَرٍ تَجْرِيدِيَّةٍ وَاسْتِعاراتٍ مَكْنِيَّةٍ، فَرَدَّتِ اللَّجْنَةُ:
«فَلْسَفَةٌ فارِغَةٌ... وَفِيها مِنَ التَّكَلُّفِ أَدِلَّةٌ دامِغَةٌ».
فَنَزَلَ الشُّعَراءُ عَنِ المِنَصَّةِ مَهْزُومِينَ، كَجُنُودِ الصَّهاينَةِ في حَرْبِ تِشْرينَ.
وَإِذَا بِرَجُلٍ ثِقَتُهُ بِنَفْسِهِ قَوِيَّةْ،

 وَكَيْفَ لا، فَهُوَ الْمُقَرَّبُ مِنْ رَئِيسِ الْبَلَدِيَّةْ؟

 كَأَنَّهُ آتٍ مِنْ كَوْكَبِ زُحَلْ.

 فَصَعِدَ الْمِنَصَّةَ بِلا خَوْفٍ وَلَا وَجَلْ.

 وَوَقَفَ لِيَتَنَحْنَحَ كَعادَةِ شُعَراءِ البِلاطْ،

 لَكِنْ نَحْنَحَتُهُ كانَتْ قَوِيَّةً فَخَرَجَ الصَّفِيرُ وَالضَّراطْ.
ضَرْطَةٌ قَوِيَّةٌ هَزَّتْ أَرْكانَ المِنَصَّةْ،

 فَأَصابَهُ ارْتِباكٌ وَلَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يُلَمْلِمُ القِصَّةَ.
فَما كانَ مِنَ الدُّكْتورِ فَهْمان إِلَّا أَنْ وَقَفَ وَصاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَقَدْ غَمَرَهُ الاِرْتِياحْ:
«اللهُ اللهُ! هَذا هُوَ الإِبْداعُ الحَقِيقِيُّ في عَصْرِ الاِنْفِتاحْ.
حَقِيقَةً، إِنَّنا نَسْمَعُ أَجْمَلَ قَصيدَةٍ في الوُجُودْ! 

لَقَدْ تَجاوَزْتَ بِصَوْتِكَ كُلَّ الأَصْواتِ مِنَ الأَحْياءِ وَالأَمْواتِ.
لَقَدْ كَسَرْتَ بِقَصيدَتِكَ الجُمُودْ،

 وَتَحَرَّرْتَ مِنْ تَعْقِيداتِ الوَزْنِ وَالقُيُودْ،

 وَأَتَيْتَ بِقَصيدَةٍ حَداثِيَّةٍ، سَتَكُونُ المِسْمَارَ الأَخِيرَ في نَعْشِ القَصيدَةِ العَرَبِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، وَانْتَقَلْتَ بِها إِلَى العالَمِيَّةِ، وَسَيَفْهَمُها كُلُّ النّاطِقِينَ بِالفُرانْكُوفُونِيَّةِ وَالأَنْكْلُوسَكْسُونِيَّةِ».
وَقالَ الثّانِي وَهُوَ يُلَوِّحُ بِيَدَيْهِ:
«يَا لَهَا مِنْ رَمْزِيَّةٍ تُغْنِي عَنِ الْوَصْفِ! إِنَّهَا صَرْخَةُ الْمَقْهُورِ فِي وَجْهِ الْعَسْفِ!»

إِنَّها الرَّمْزِيَّةُ الصّارِخَةُ لِلشُّعُوبِ المَكْبُوتَةِ مِنَ الاِسْتِبْدادْ؛ وَانْفِجارٌ مُدَوٍّ خَفَّضَ الضَّغْطَ وَفَتَحَ الاِنْسِدادْ!

 صَوْتُ الشَّعْبِ المَضْغُوطِ، وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنِ السُّقُوطِ!».
وَأَضافَ الثّالِثُ وَهُوَ يَلُوكُ مُصْطَلَحاتِهِ:
«تَفْكِيكِيَّةٌ خالِصَةٌ! تَجْرِيدِيَّةٌ راقِصَةٌ!
إِنَّهُ الصَّوْتُ الأَوَّلُ قَبْلَ الكَلِماتِ! القَصيدَةُ الخَامُ الخارِجَةُ مِنْ أَعْماقِ الذّاتِ!».
فَضَجَّتِ القاعَةُ بِالتَّصْفِيقِ وَالهُتافِ، وَأُعْلِنَ أَنَّ القَصيدَةَ قَدْ فازَتْ بِالمُسابَقَةِ بِلَا خِلافٍ.
وَكُتِبَ في الجَرائِدِ وَالأَخْبارْ: «قَصيدَةُ الأَحْشاءِ تَكْتَسِحُ الأَشْعارْ!»


وَقَرَّرَتْ وِزارَةُ الثَّقافَةِ في الحالِ إِطْلاقَ جائِزَةٍ لا تَخْطُرُ عَلى بالٍ:
«جائِزَةُ الإِبْداعِ السَّنَوِيَّةِ لِلضَّرْطَةِ الشِّعْرِيَّةِ».
ثُمَّ خَتَمَ أَبُو حامِدٍ الدِّمَشْقِيُّ كَلامَهْ، وَأَطْفَأَ نِيرانَ اهْتِمامِهْ، قائِلًا:
«فَيا أَصْحابَ العُقُولْ، لا تَسْتَغْرِبُوا ما أَقولْ؛ 

فَحينَ يَحْكُمُ الفَهْلَوِيُّونَ وَالمُدَّعُونْ، يُصْبِحُ الهُراءُ فَنًّا، وَيَرْتَقِي المَأْفُونْ.
فَلا تَعْجَبْ إِنْ فازَ مَنْ ضَرَطَ، وَخَسِرَ مَنْ وَضَعَ عَلى الحُرُوفِ النُّقَطَ.
فَنَحْنُ في عَصْرٍ شِعارُهُ البَساطَةْ؛ فَمَنْ أَرادَ الشُّهْرَةَ وَالإِحاطَةْ،

 لا داعِيَ لِحِفْظِ كَلامِ القَوامِيسِ، وَلا يَتْعَبُ نَفْسَهُ كَبَقِيَّةِ الشُّعَراءِ المَتاعِيسِ.
عَلَيْهِ فَقَطْ أَنْ يَأْكُلَ صَحْنًا مِنَ الفُولْ، لِيَكْتُبَ الشِّعْرَ حَسَبَ القَواعِدِ وَالأُصُولْ، وَلا بَأْسَ بِالفَلافِلِ وَالبَصَلْ، وَيُطْلِقَ العِنانَ لِاسْتِهِ، الَّذِي عَلَيْهِ يُعْقَدُ الأَمَلْ!».

------

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط