كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المقاومة الذكية

المقاومة الذكية

تاريخ النشر: 2017-01-08 | 00:11

مفهوم المقاومة الذكية او الثورة الذكية، هو مفهوم جديد نسبيا، غير انه عميق عمق التاريخ، وله صلة جدلية بمطلق ثورة وكفاح تحرري لشعب من الشعوب. وكما يوجد مقاومة ذكية توجد مقاومة غبية او طائشة او مراهقة. في الحالتين هناك مقاومة وثورة بغض النظر عن هدفها المطروح للتحقيق. ولكن هناك مقاومة وهناك مقاومة. هناك مقاومة فاشلة وسطحية، وهناك مقاومة ناجحة ومثمرة، ويعمل القائمون عليها وفق خطة ورؤية منهجية لتحقق المردود والنتائج الإيجابية.

لو توقف المرء امام ثورات "الربيع العربي" على سبيل المثال لا الحصر، وطرح سؤال كيف يمكن وصفها؟ هل هي ثورات شعبية بقيادة واعية وبأهداف وطنية وإجتماعية وإقتصادية واضحة ام هي ثورات دون هدف او لها أهداف تخريبية، لا تمت بصلة لمصالح المجتمع؟ في الحقيقة أنها ثورات غبية وفاشلة لعدة أسباب، منها: اولا غياب وحدة الأداة والبرنامج الوطني؛ ثانيا غياب قوى التغيير الحقيقية؛ ثالثا ركوب قوى مرتبطة بأجندات خارجية سفن الثورات هنا وهناك (جماعة الإخوان المسلمين ومشتقاتها من "داعش" و"النصرة" و"أكناف بيت المقدس"،  والقوى الطائفية التابعة لإيران في العراق وغيرها) وحرفها عن بوصلتها الوطنية والإجتماعية؛ رابعا مزقت وحدة الشعب والأرض في كل مكان وجدت فيه بإسم الدين والطائفة والمذهب. النتيجة أنها ثورات لم تخدم قضايا ومصالح الشعب العربي في هذا البلد او ذاك، بل عملت ضد تلك المصالح وحقوق ومكتسبات الشعب والأمة على حد سواء.

ولو أخذنا المسألة الفلسطينية وطبيعة الصراع مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية، ودققنا النظر في اشكال المقاومة، من حيث المبدأ كل شكل في مواجهة إسرائيل أي كان عنوانه سياسي او ديبلوماسي او إقتصادي أو ثقافي أم إجتماعي وإعلامي وتربوي وزراعي وسياحي ورياضي وعسكري ...إلخ  يندرج تحت بند المقاومة. لكن ونحن نمعن النظر في اشكال المقاومة، ليست كل الأشكال تؤدي إلى النتائج المرجوة مالم توضع : اولا في إطار إستراتيجية وتكتيك واحد؛ ثانيا أداة قيادية واحدة تعمل على إدارة الصراع وفق الأهداف الوطنية؛ ثالثا ربط كل شكل بالعوامل والمعطيات الذاتية والموضوعية؛ رابعا تأمين الديمومة (الأليات) والإمكانيات الضرورية للمقاومة.

لو أخذنا كمثال نموذج مقاومة السكاكين، الذي تميزت به الهبة الشعبية من مطلع إكتوبر 2015 حتى مايو 2016، رغم نجاح هذا الإسلوب في إنزال الرعب في صفوف الجيش الإسرائيلي وقطعان المستعمرين وحتى داخل المجتمع الإسرائيلي. لكنه كعمل فردي، وغير موحد وبدون خطة وترشيد، للإسف أعطى مردود سلبي على عملية الصراع، وفتح شهية حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية بقيادة نتنياهو بسن مجموعة من القوانين والأوامر العسكرية المجرمة، التي وسعت وعمقت عملية الإستهداف لإبناء شعبنا. هنا لا يناقش المرء طبيعة الحكومة الإسرائيلية، لإن افضل الحكومات (إن جاز التعبير بالمعايير النسبية، مع انه لا يوجد في تاريخ دولة إسرائيل حكومة احسن وحكومة أسوأ، لإنها جميعا حكومات تعمل لإهداف إستعمارية محددة، وإن وجد تباين في نسبي) لن تكون أقل عدوانية من حكومة الإئتلاف الحاكم في إسرائيل. وبالتالي لم يحقق الشعب الفلسطيني الأهداف المرجوة من مقاومة السكاكين، وحصد الشعب نتائج عكسية.

ايضا لو ناقش المرء إسلوب النضال السلمي وما تقوم به لجنة التواصل الوطني مع المجتمع الإسرائيلي، وهو من الأساليب الذكية في المقاومة، وهو إسلوب جديد في محتواه، وإن كان بالمعنى الشكلي موجودا منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي. فهذا الإسلوب، ترفضه بعض القوى اليسارية والدينية، وتعتبره  شكلا "تطبيعيا" يصب في "خدمة" إسرائيل. ولكن إذا فكرت تلك القوى بشكل علمي وبعيدا عن العواطف والشعارات الديماغوجية الطنانة، فإن المراقب يلحظ، ان هذا الإسلوب مثمر ومفيد ويخدم معركة إختراق المجتمع الإسرائيلي لعدة أسباب: اولا لا يندرج في دائرة التطبيع المعادي اي الهدف الإسرائيلي، بل هو ينفذ  بشكل واع  وهادف عملية غسل دماغ للعقل السياسي الإسرائيلي لإعادة نظر في متاهة الحرب والإستعمار الإسرائيلي من قبل لجنة التواصل؛ ثانيا يتم العمل في نطاق خطة عمل منهجية لإستقطاب قوى إسرائيلية جديدة لصالح الرؤية الوطنية الفلسطينية وعملية السلام؛ ثالثا يكسر حواجز الثقافة السياسية والدينية الإستعمارية الإسرائيلية؛ رابعا يعري الوجه القبيح لدولة التطهير العرقي الإسرائيلية؛ خامسا يساعد تدريجيا في تكريس مفاهيم التعايش والسلام في اوساط قوى كانت لما قبل اللقاء بها منغلقة ولا تعرف سوى الرواية الإسرائيلية؛ سادسا يدعم وحدة ابناء الشعب العربي الفلسطيني داخل إسرائيل، وينزع من يد إسرائيل وادواتها الإستعمارية الأمنية والفكرية كل مرتكزاتها التمزيقية لوحدة ابناء الشعب العربي الفلسطيني، وتأخذ (اللجنة) وبالتعاون مع القوى الوطنية والديمقراطية المنغرسة في اوساطهم ( اللجنة المتابعة العربية العليا، القائمة المشتركة، اللجنة القطرية للمجالس المحلية، ومع الإحزاب والقوى كل على إنفراط وبشكل مشترك) بيدهم جميعا وخطوة خطوة للوصول إلى الوحدة الكاملة على اساس القواسم المشتركة الواحدة، لمواجهة التحديات العنصرية والكولونيالية الإسرائيلية، وتحيل قوتهم جميعا كسند لكفاح الشعب في الأراضي المحتلة عام 1967، وفي ذات الوقت تعزز موقع ابناء الشعب ذاتهم داخل المجتمع الإسرائيلي لتحقيق هدف المساواة السياسية والثقافية والعدالة الإجتماعية.

هذا الشكل  الذكي من المقاومة، مازال محل تباين وإختلاف. ويحتاج إلى جهد مكثف من الحوار مع القوى السياسية، التي تعتبره "متعارضا" مع المصالح الوطنية.لإن قراءتها غير الموضوعية لإنجازته، وعدم تمييزها بين شكلي التطبيع الإسرائيلي والفلسطيني. فالتطبيع او غسل الدماغ الفلسطيني للعقل السياسي الإسرائيلي، لا يخضع لمنطق التطبيع المعادي لمصالح وحقوق الشعب. وترفض لجنة التواصل الوطنية كل صيغ التطبيع مع إسرائيل، ولكن هذا لا يمنعها من مد الجسور مع الإسرائيليين المستعدين للإستماع للرواية الوطنية ولخيار التسوية السياسية. وبالتالي شتان ما بين التطبيع مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية وبين الرؤية الوطنية، التي تقودها القيادة بشخص الرئيس محمود عباس ولجنة التواصل الوطني. ولو لم تكن اللجنة تهدد الرؤية الإستعمارية الإسرائيلية لما أقامت حكومة نتنياهو الدنيا ولم تقعدها ضد رئيس واعضاء اللجنة، ولما سحبت البطاقات منهم، ولسهلت دخولهم وخروجهم. ولكنها تضع كل العراقيل في طريق لجنة التواصل الوطنية. 

بالتأكيد المقاومة الذكية تحتاج إلى قراءة عميقة وواسعة لترشيد العقل السياسي الفلسطيني نحو مآلاته الوطنية، وبما يخدم أهدافه ومصالحه وحقوقه التاريخية دون تنازل عن ثابت من الثوابت الوطنية.

[email protected]

[email protected]          

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط