كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المُقاومة ودِلالةُ التطبيق

المُقاومة ودِلالةُ التطبيق

تاريخ النشر: 2021-10-23 | 09:53

عائد زقوت
عائد زقوت

لقد تحوَّل الإقليم العربي في العقد الأخير إلى ساحاتٍ مفتوحةٍ على مِصراعيها للتدخّلات الأجنبية، ومحاولة إعادة رسم المنطقة من جديد من خلال العديد من الأجندات لمصلحة سيطرة الاحتلال الصهيوأميركي، والقضاء على أيّ محاولة لخروج الدول العربيّة من قُنّ الانقسام والتخلّف والفقر؛ ليتسنّى لهم قيادة مشروعهم وبسط نفوذهم، ونهب مقدرات الأمة وثراوتها الاقتصادية منها والبشرية، فسقطت المنطقة العربيّة وخاصًّة الساخنة منها كفلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق في صراع فِكريٍّ ورُؤيويٍّ حول العديد من المفاهيم، وعلى وجه الخصوص مفهوم المقاومة والتي أصبح سيفًا مُسْلطًا على رقاب شعوبها.

 وأُلْبِسَت ثوبًا من القداسة يُجَرَّمُ من يقترب منه، بل في كثير من الأحايِين يُفَسقُ أو يُكَفر من يلمس قداستها وكأنَّها أصبحت عِجْلًا له خُوار يُعْبَد من دون الله، وفي ضَوْء هذا الفهم للمقاومة تهاوت اليمن وليبيا، وانهارت دولة لبنان، ودُمِرَت سوريا، وانقسم الفلسطينيّون، وأضحت بلاد النهرين أنهرًا من الدماء والأشلاء، مرورًا بكافة البلدان العربية والإسلامية المُضطربة المُضرمة فيها نيران التدمير والخراب، فالمقاومة في مفهومها اللُّغوي تعني مواجهة الأخطار وعدم الاستسلام لقوّة قاهرة، وعادةً ما تكون المقاومة من طَرَفٍ ضعيف في مواجهة طَرَفٍ قوي مُتسلّط مُتجبّر، فالمقاومة مفهوم فِطري إنساني، وحقٌّ مشروع ومكفول ومحفوظ في الشرائع السماوية، والأعراف الإنسانية والقوانين الدولية، له ضوابطه وأخلاقه.

 ولا يوجد في الشرائع السماوية، ولا في كافة المواثيق العُرفية أو الدَّولية أو الأُممية عبر العصور ما يُنكِر أو ينتقص الحق الطبيعي للأفراد أو الجماعات أو الدّول في الدفاع عن أنفسهم، والمقاومة في مفهومها العام هي رَدَّةُ فعلٍ مُجتمعية واعية ضد واقع مرفوض أو غير مشروع، أو لمواجهة استعباد أو استبداد أو تمييز عنصري أو احتلال.... الخ، ويزخرُ التراث الثّقافي والإنساني بظواهرَ متنوعةٍ من المقاومة يتفاعل معها الناس، حيثُ ترتبط قدرتها على تحقيق أهدافها بدرجةِ احتضان المجتمع لها، وإدراكها السليم للتحديات التي تواجهها، وامتلاكها للوعي والرؤية المتماسكة والخَلَّاقة، والقيادة المؤمنة بقوة الفكرة، والإرادة الواعية وإمكانيات يقتضيها الزمان والمكان، ومهارات متراكمة في حشد الطاقات، وتتنوع المقاومة في صورها عنفًا أو سِلمًا، ولكلّ مقاومٍة خصوصيتها الوطنية والتاريخية والحضارية، والتي تنبعُ من واقعِ مجتمعها والسياقات الاجتماعية والسياسية التي تحيط بها، وطبيعة نشاطها وعملياتها والنتائج المترتبة عليها.

 وبما أنَّ المقاومة مفهوم فطريّ إنسانيّ، فلا بد من التعامل معها كعملية تغيير اجتماعي وثقافي تستلزم تعبئةً جماهيرية لفترة طويلة لا حزبية أو فصائلية، فمنَ الممكن التعامل معها كظاهرة سياسيّة مرتبطة بالحكم والسيادة وحق تقرير المصير، أو لتحقيق أهداف أخرى كالعدالةِ الاجتماعيّة أو حرية التعبير، من خلال أشكالِ المقاومة المتعددة كالعصيان المدني والاحتجاجات والمقاطعة واستعمال العنف والعنف المسلح وما بينهما، والمقاومة السياسيّة أيضًا.

لقد حقق مفهوم المقاومة حديثًا اختراقًا حقيقيًا عن النظرة القديمة لها، حيث طوّرت الشعوب مفهومها وأساليبها، وبات للمقاومة تجليّات أخرى غير تلك النمطيّة الموروثة والمستقرة في الذهنية العربية وغيرها من خلال البندقيّة فقط، فالدفاعُ عن كل ما هو نبيلٍ وجميل وإنساني هو مقاومة، الدعوةُ للمحبة في زمن الكراهية والبغض والتعصب والحَمِيَّة العصبية مقاومة، الصدق مع الذات ومع الآخرين والتزام الشفافية مقاومة للكذب والتدليس، تعزيزُ ثقافة المساواة والمواطنة واعمال القانون مقاومة، تفكيك ثقافة التكفير واستدعاء الجاهلية من جديد هو مقاومة للتخلّف والاتّجار بالدين، إطفاء الحرائق المشتعلة في دين ودنيا المجتمعات العربية والإسلامية هو عيْن المقاومة، محاربة الفساد والإفساد مقاومة، توفير حياة كريمة للناس تحفظ كرامتهم مقاومة.

 الاعتزاز بجميع الذين سَطَّروا نماذج حَيَّة في مقاومة الاحتلال عبر التاريخ سواءً كانوا علماء أو مفكرين أو شعراء أو شهداء دون تمييز فهو مقاومة، استمرار المعلم في أداء مهامه على أطلال المدارس التي هدمها الاحتلال مقاومة، فالمقاومة ليست مقتصرة على تحشيد الجماهير والشعوب على نوع واحد من صنوف المقاومة وترك الأمة يأكل بعضها بعضًا لتهوي سبعين خريفًا في نار التخلّف والتشرذم، كل هذا يسوقنا إلى أنَّ الإنسان بطبيعته كائنٌ مقاوم لكافّة التحديات، وتُعَدُّ له المقاومة قضيّة وجوديّة ترتبط بكيْنونيّته وبمدى معرفته الواعية للذات والتحدّيات التي تواجهه وامتلاكه لرؤيةٍ تتناسب مع أهداف المقاومة واليقين بجدواها.

وقبل ذلك وبعده فالمقاومة حالة أخلاقيّة وجدانيّة لا يكفي في فعلها الهدف النضالي فحسب، بل لا بدّ أن يحكمها نظام قِيَمِي إنساني وطني، ولا أعني هنا القِيم الوهمية التي يصنعها خيال المقاومين الحالمين، أو الشعارات الجوفاء الخاوية، إنَّما أعني معايير تلك القِيَم للسلوك الاجتماعي والسياسي، وقِيَمٍ ذُروةُ سنامها الحرية والعدالة، وعدم اقتصارها وحصرها في فئة ما منغلقة تحت إطار حزبي أو جماعة كَفَّ بصرها وبصيرتها، فالمقاومةُ لها حيثيّات ومُسببّات راسخة ومعبرة، لا تؤخذُ بجلسة عَشاءٍ أو في غرف مغلقة بعد فقدان مصالحَ شخصيّة أو حزبيّة أو مصالح التحالفات أوالمحاور، أو إعلاءً لمفاهيم جهادية أو عُقَد نفسية أو ادِّعاء المظلومية التاريخية، فالمقاومة ليست هدفًا بحد ذاته، وليست حرفًة ولا مهنًة أو ثوبًا زائفًا يتدثر بها الساسةُ والسياسة والمصالح، إنَّما هي استجابةٌ واعيةٌ لتحديات الواقع والمستقبل، فهي تحمل في بُعْدِها ثقافة التجاوز والتي عُبِّرَ عنها في فكرةِ التحدّي والاستجابة، وخلاصة هذه النظرية أنَّ الأمم والشعوب حين تتعرض للمصائب الكبرى ويكون توازن القوة في غير صالحها تعود لإرثها الحضاري في محاولةٍ لاستنهاض قدرتها على مواجهة التحدي، إننّا بحاجةٍ إلى إبداع مقاومةٍ ناجحة واستجابة ناجعة في مواجهة تحدي الاحتلال الإحلالي.

 ومراجعة مفاهيم ثقافة المقاومة وضبطها على ضَوْء المتغيرات في الزمان والمكان والإنسان، إذ أنَّ ثقافة المقاومة إن لم تُبْنَ على إشكاليات الواقع فإنها تكون مجردة ضالة الطريق، وهذا يستوجب طرح المسائل الاستشكالية لثقافة المقاومة في هذا العصر المضطرب، والذي اشتدّت فيه النزاعات والفتن الطائفية والمذهبية والقومية واختلاط الانتماء وغياب الهوية، حيث أضحى القتل والقتال سلعةً رائجة في أسواق النخاسة ،وعلى رأس هذه المسائل تعثُّر مشروع مقاومة الاحتلال الصهيوني تعثرًا بنيويًا وريؤويًا في ثقافته التي أصبحت أسيرًة لردةِ الفعل وأيضًا أسيرًة لمعالجة تَبِعات الاحتلال الإحلالي الاستيطاني، وليست مواجهة وجود الاحتلال وبُنيته ذاتها ورَدْعِه والتخلص منه، وأيضًا هناك تعثر في الموقف من الاحتلال، والبرنامج المقاوم، والخطاب السياسي، وعدم التوافق على تحديد الأسلوب الناظم لأشكال الفعل المقاوم، وكذلك استشكال تجربة المقاومة في لبنان وعدم نجاحها في الحفاظ على استقلاله وتنميته.
لقد كان لضبابيّة مفهوم المقاومة أو خضوعه لإسقاطاتٍ حزبيٍّة فصائليٍّة أو لجماعاتٍ أيدلوجيةٍ أو للذين استَسمَوْا المقاومة اسمًا لأطماعهم وأحلامهم، أثره السلبي على المنطقة العربية، حيث تمّ حَرْف مسار المقاومة باتجاه السَّيطرة والإقصاء والتفرد والتعالي وفرض الرؤى بقوة السلاح، حيث تجلى أثرُه على تعامل أفراد المجتمع مع بعضهم البعض، وانهيار الدول والقواعد الحاكمة، وتَفَسّخ النسيج المجتمعي، مما أدى إلى تنامي وتيرة الفساد وثقافته، ونزعات الكراهية والأنانية الفردية والجماعية، حيث تعطلت التنمية، واتسع الخَرقُ على الراتِق، وغاب المشروع القِيَمِي والحلم الوطني الجمعي في زمن الأزمات، وهذا بالضرورة له انعكاسه على مفهوم المقاومة في ضَوْء المتغيرات وفي مقدمتها البناء المشترك في التعاطي مع القضايا الوطنية، ومخاطر ضعف الشعور بالانتماء إلى الوطن، فلا بدّ لنا من مقاومة الكذب بمعنى خدمة الحقيقة وألَّا يتحول المقاومون إلى شهودٍ زور، وأدواتٍ لوأدِ الأوطان والدّول، وأيضًا مقاومة ثقافة الشغف بالسلطة عند النخب والقادة السياسيين ووقف جموحهم، ومقاومة الفساد والقُبْح في الخطاب المدني والديني الذي يدَّعي امتلاك الحقيقة واحتكارها وإقصاء الآخر، ومقاومة النَّفْخ في هشيم الغرائز الطائفية والمذهبية والحزبية وإشاعة التخوين، ولابدَّ من تعزيز التسامح والمواطنة، وإعلاء قيمة الوطن والدّولة والحفاظ على مؤسساتها، والالتصاق بالشعوب لا احتقارها والمتاجرة بها واستغلال حاجياتها، لتخلق منهم عبيدًا أقِنّاء عاجزين، فوقفت الأمم والشعوب على جرف هار نحو الهاوية، وأحْدَثَت رتْقًا لآمالهم وتطلعاتهم، وخلاصة القول على الجميع أن يدرك أنَّ القوة المادية مهما بلغت ترسانتها وعتادها وهيمنتها، لن تُؤمِّن الانتصار سواءً كان الانتصار حقيقيًا أو وهميًا.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط