كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المقدسيون بين تأسرل مستحيل وفلسطنة محجورة

المقدسيون بين تأسرل مستحيل وفلسطنة محجورة

تاريخ النشر: 2020-05-04 | 20:13

أظهرت فترة جائحة الكورونا أزمة المقدسيين بشكل لا نظير له، بما هي أزمة مركبةه يجتمع فيها خيار  التأسرل المستحيل الحدوث ، والفلسطنة المحجورة ، أي الممنوعة من أن  تأخذ أشكالًا تمثيلية وتعبيرية تظهرها. 

التأسرل بالنسبة للمقدسيين كان خيارا موهوما منذ بداية الاحتلال عام 1067. وعلى عكس فلسطينيي 1948 الذين فرضت عليهم الجنسية الاسرائيلية منذ عام 1948، فإن هذه الجنسية لم تفرض على المقدسيين عام 1967، حيث قامت إسرائيل بضم الأرض ولم تضم السكان ، بل وتعاملت معهم على أنهم " مواطنون أردنيون مقيمون في أرض إسرائيل". 

إفترض بعض فلسطينيي 1948 أن فرض الجنسية الاسرائيلية عليهم وهو المعبر الاساس عن الأسرلة يعني إمكانية التأسرل كخيار ، بمعنى الاندماج في الدولة الاسرائيلية سياسيًا واقتصاديًا وإحتماعيا وبناءًا على هذا الافتراض الواهم انضم البعض منهم للأحزاب الصهيونية وصوتوا لها وراح بعضهم يكافح من أجل المساواة في الحقوق وكأن ذلك ممكن في إطار بنية إستيطانية استعمارية ، وقد وصلت هذه المحاولات لتحقيق المساواة إلى نهاية طريق مع صدور قانون القومية عام 2018الذي عرف دولة اسرائيل بدولة " الشعب اليهودي " وبالتالي حصر الحقوق القومية والجماعية على اليهود ، وفي المقابل جعل حقوق الفلسطينيين داخل إسرائيل لا تتعدى مرتبة الحقوق الفردية فحسب ، كما ألغى مكانة اللغة العربية. وإلى جانب قانون القومية صدرت قوانين أخرى في نفس الفترة مثل قانون منع إحياء النكبة وغيره، وبهذا وصل دعاة التأسرل في الداخل إلى جدار مسدود.

الحال في القدس الشرقية هو أسوء من ذلك ، فلا الأسرلة تمت بما هي تجنيس عام 1967 وذلك خوفًا من العامل الديمغرافي الفلسطيني، ولكن في المقابل ساد وهم عند البعض أن التأسرل ممكن عبر التوجه للحصول على الجنسية الاسرائيلية ، وبعد حصول حوالي 13 ألف مقدسي عليها حتى عام 2013، إكتشف هؤلاء أن الجنسية الاسرائيلية لم تجعلهم متساوين في الحقوق مع اليهود ، بل جعلتهم أشباها لفلسطينيي 1948 في إنعدام الحقوق الجماعية والاقتصار على حقوق فردية لا غير لهم داخل " الدولة اليهودية ". 

أما غالبية المقدسيين فقد فرضت عليهم حالة " الإقامة " ( مقيم أردني في أرض إسرائيل ) كما جرى تعريفهم إسرائيليا ، وهو تعريف تعرض للتجريف والنزول عن سقفه في السنوات الاخيرة ، حيث بات بعض من يتوجهون إلى وزارة الداخلية لتجديد وثيقة السفر يكتب لهم في خانة الجنسية كلمة" غير مصنف " بدل كلمة أردني التي كانت تكتب مقابل ذات الخانة لهم سابقا.

وفي زمن الكورونا إتخذ واقع انعدام الجنسية المعترف بها هذا طابعا دراماتيكيا، حيث منع المقدسيون حاملو  وثيقة السفر الاسرائيلية التي تعرفهم كمواطنين أردنيين أو كغير مصنفين من العودة إلى القدس عبر مطار اللد والذي كانوا يسافرون من خلاله قبل فترة جائحة كورونا، وأعيدت أعداد منهم إلى بلدان عدة عادوا منها بمجرد وصولهم إلى مطار اللد بمن في ذلك أناس أعيدوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقيل لهم أن الأولوية في الدخول هي للإسرائيليين وليست لهم،  ولا زالوا عالقين في منافيهم الكورونية  بانتظار الفرج. وفي ضوء وضع الجائحة صارت تطلب السلطات الاسرائيلية منهم أيضا إحضار تأشيرة من السفارات الاسرائيلية في الدول التي سافروا إليها كشرط لعودتهم عبر مطار اللد، وهي تأشيرة يصعب الحصول عليها حيث لا يمكن الحصول عليها سوى بعد شراء تذكرة سفر يكون موعدها بعد ثلاث أسابيع إلى شهر من تقديم طلب تأشيرة العودة كما تطلب منهم السفارات، التي  تقول لهم  أن تأشيرات العودة تستهلك وقتًا للنظر فيها وإقرارها ، وأن عليهم الانتظار والبقاء في منافيهم لحين حصول تلك الموافقة. غريب جدا هذا أن تحتاج لطلب تأشيرة للعودة إلى بلدك وأن طلب التأشيرة يحتاج وقتًا للنظر فيه . وللمقدسيين الحق في الظن بأن هذا الإجراء الجديد بذريعة الكورونا قد يمتد إلى ما بعدها كأسلوب جديد من التنكيل بهم حيث لا ضمانة إن خرجوا من مطار اللد أن يعودوا عبره إلا بعد الحصول على تأشيرة أخرى للعودة.

إذن فإن خيار التأسرل هو خيار مقفل تمامًا  أمام المقدسيين ، ورغم أن بعض الحاصلين على الجنسية الاسرائيلية قد فعلوا ذلك ضمن إجتهاد حسن النوايا مفاده أن الحصول على الجنسية الاسرائيلية ربما يكون الوسيلة الوحيدة لحفظ وجودهم في المدينة ومنع طردهم وسحب هوياتهم المقدسية . إلا أن الواقع المقابل يقول أن الحصول على الجنسية الاسرائيلية لن يحميهم بدوره من الترحيل إن أرادته إسرائيل ، وفي هذا الإطار نجد اليوم أصواتا متصاعدة داخل إسرائيل تدعو لترحيل فلسطينيي الداخل إلى خارج اسرائيل ، كما أن صفقة القرن قد تضمنت جزءا يتعلق بنقل فلسطينيي منطقة المثلث إلى مناطق السلطة الفلسطينية وهو ما دعا له أفيغدور ليبرمان في السابق أيضا. هذا وتتضمن خطة القرن تخيير المقدسيين بين الحصول على الجنسية الاسرائيلية أو الإنتقال إلى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، أو البقاء في القدس ضمن حالة مقيم معرضة للتراجع عنها وسحب الهوية المقدسية في أي وقت من قبل إسرائيل.

مقابل التأسرل المستحيل والموهوم فإن فترة الجائحة قد بينت أن الغالبية العظمى من المقدسيين هم فلسطينيو الانتماء قولًا وفعلًا ، وذلك رغم كل إهمال السلطة الوطنية الفلسطينية لهم ولقضاياهم ، فقد تحمل إتحاد المستشفيات المقدسية المسؤولية وقام بترتيبات ومبادرات لمواجهة الجائحة، وتأسس " التجمع المقدسي لمواجهة الكورونا" وضم بين صفوفه 82 مؤسسة مقدسية ، وقام التجمع بنشاطات كبيرة ، وقام القطاع الخاص الفلسطيني بتخصيص فندق السان جورج لإقامة الحالات التي هي بحاجة إلى حجر صحي ، كما وأنشأ موقع مدد الإلكتروني لتقديم الوجبات للعائلات المحتاجة ، وقامت الاوقاف الاسلامية والمسيحية بإعفاء المستأجرين من الايجارات لهذا العام ، وغيرها من المبادرات التي تعير عن هوية إنتماء فلسطينية أصيلة. وإضافة لهذه المبادرات كانت هنالك أخرى واجهها الاحتلال واعتقل ونكل بالقائمين عليها حيث إعتقل شبابا مقدسيين لمجرد قيامهم بتعقيم مدخل باب العامود والبلدة القديمة ، وأعتقل آخرون لقيامهم بتوزيع نشرات توعية حول مرض الكورونا وهكذا .

في ظل إهمال سلطات الاحتلال لمواجهة الكورونا في القدس الشرقية سواء من حيث قلة الفحوصات التي أجريت وقلة العناية على كل المستويات، انتهجت هذه السلطات طريقتين : فمن جهة سمحت للمقدسيين بالتعويض من مالهم ومن جهودهم عن فشلها في تقديم الخدمات وذلك رغم أنها ملزمة بذلك وفق القانون الدولي، وحيث أن المقدسيين مجبرين منها على دفع الضرائب ، ولكنها تسرق الجزء الأكبر مما يدفعونه وتصرفه في الجزء الغربي من المدينة.  ومن جهة أخرى فهي تمنع أي تعبير فلسطيني في المدينة حتى ولو كان لمعالجة قضية الكورونا بما هي قضية حياة أو موت.

المقدسيون إذن هم مواطنون فلسطينيون فخورون بمواطنتهم ويبذلون الغالي والرخيص من أجلها ، ولكن هذه المواطنة تحجر تعبيراتها من قبل سلطات الاحتلال . وقد جاءت تجربة جائحة كورونا لتظهر هذا المعدن للمقدسيين مجددا في تلاحمهم وتواصلهم وتراحمهم، تمامًا كما برز ذلك في مناسبات سابقة منها معركة الدفاع عن الاقصى عام 2017 هذه العبرة بات يجب أن يتم فهمها بعمق من كل الفلسطينيين حتى يتم البناء عليها من أجل توحيد كفاح شعبنا كله مع بعضه البعض في بوتقة واحدة. 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط