كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الملاحظات المقلقة التي عدت بها من غزة التي أُحب

الملاحظات المقلقة التي عدت بها من غزة التي أُحب

تاريخ النشر: 2021-12-19 | 19:15

أحمد عيسى
أحمد عيسى

عدت قبل يومين من غزة بعد أن أمضيت فيها أسبوعين شاركت خلالهما العائلة في إستقبال المعزين بوفاة وجيه العائلة المغفور له بإذن الله الأستاذ الحاج محمد ديب محارب (أبو طارق)، وكما هي العادة في قرى ومخيمات ومدن فلسطين شكلت خيمة العزاء مسرحاً لنقد الواقع المؤلم الذي يتشاركه كل من في الخيمة، وقد شكل سماع أحاديث وروايات وشكوى المعزين من مختلف الأعمار والمستويات فرصة لمن يريد أن يقرأ واقع القطاع ويستقرأ مسارات تطوراته المستقبلية.

إذ أن تلقائية الحديث وصدق الشكوى تسمح للمستمع حتى وإن كان باحثاً مبتدئا أن يرسم من واقع ما يسمع ملامح المستقبل، لا سيما إذا إستمر واقع الحال على ما هو عليه من حصار وانقسام وفقر، الأمر الذي يعني أن رسم ملامح مستقبل غزة وأهلها وتداعيات هذا المستقبل على مشروع تحقيق حق الفلسطينيين في التحرر والإستقلال والعيش الكريم هو غاية هذه المقالة، وهو مبتدؤها ومنتهاها، أما واقع القطاع فلا أريد الوقوف عند تفاصيله كثيراُ، فالإنقسام والحصار والفقر والجوع وما بينهما من مشاكل إجتماعية تكفي لوصفه وشرحه ببلاغة يفتقدها الضالعون في اللغة العربية.   

وأرى أنه من المهم هنا قبل تسجيل الملاحظات المقلقة التوضيح للقارئ الفلسطيني، عن دور الشعب الفلسطيني، لا سيما غزة وأهلها في التاريخ الفلسطيني المعاصر تحديداً ما بعد نكبة العام 1948، حيث لجأ اليها الغالبية العظمى من الفلسطينيين الذين قُدر لهم أن يتشتتوا ويلجأوا إلى ما تبقى من مساحة فلسطين الإنتدابية قبل إحتلالها العام 1967، إذ إحتضنهم أهلها وسكانها الأصلانيون ليشكلوا معاً مجتمع غزة الذي ظلت عيونه متجهة صوب شمال وشرق القطاع حيث البيوت والممتلكات التي لازالت مفاتيحها ووثائق ملكيتها بحوزة أبنائهم وأحفادهم.

وتأسيساً على ذلك قُدر لأهل غزة تحمل مسؤولية فلسطينية فلسطين، الأمر الذي تجلى في إعلان قيام الدولة الفلسطينية للمرة الأولى في 22 سبتمبر 1948، لتكن لها الولاية القانونية على كل مساحة فلسطين الإنتدابية من خلال إحتضانها لحكومة عموم فلسطين التي ترأسها أحمد حلمي باشا، أما رئاسة الدولة فكانت من نصيب الحاج أمين الحسيني الرئيس السابق للجنة العربية العليا.

وللسبب ذاته أفشلت غزة وأهلها في خمسينيات القرن الماضي مشروع تصفية القضية الفلسطينية من خلال توطين اللاجئين الفلسطينيين في شمال سيناء، كما كانت غزة المفرخة والحاضنة لكل الحركات والتنظيمات الفلسطينية المقاتلة التي رفعت شعار مواجهة المشروع الإستعماري الغربي الصهيوني في فلسطين، كحركة فتح، والجبهة الشعبية، كبرى مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي اللتين يقوم على أكتافهما المشروع الإسلامي في فلسطين، كما أشعلت غزة خاصة مخيم جباليا الشرارة الأولى للإنتفاضة الفلسطينية الكبرى العام 1987، الأمر الذي يجعل من المشروع التساؤل: هل لهذه الأسباب كان الحصار والإنقسام والإفقار والتجويع؟

ما تقدم يقول أن الوطنية الفلسطينية كانت القيمة الملهمة لأهل غزة لتأسيس كل الحركات الوطنية المعاصرة التي قامت عليها لاحقاً منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي أدركته حركة حماس متأخراً وأعادت تقديم ذاتها كحركة تحرر وطني فلسطيني كما تجلى في وثيقة العام 2015.

وحول الوطنية الفلسطينية كتب أبرز المؤسسون (خليل الوزير) في وثيقة هي الوحيدة المنشورة بخط يده "أن إمتلاك الفلسطينيين لقرارهم كان هاجسهم المستمر منذ النكبة، إذ كان هذا القرار مصادراً من قبل الدول والحكومات العربية التي اتسمت توجهاتها نحو الفلسطينيين بمواصلة العمل على إقامة عازل كثيف بين الفلسطينيين وبين قضيتهم وذلك من خلال مصادرة قرارهم السياسي حيث كان الناطق باسم الفلسطينيين في السنوات الأولى التي لحقت النكبة هو الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد (عبد الرحمن عزام)، علاوة على عملها دون انقطاع على تجريد الفلسطينيين من سلاحهم ومنعهم من استخدامه".

نعم ما أشبه اليوم بالبارحة فالدول والحكومات العربية لم تكتفي بالعمل على إقامة عازل كثيف بين الفلسطينيين وقضيتهم بل إنحازت للرواية الصهيونية في فلسطين على حساب الرواية الفلسطينية العربية الإسلامية، وربما ما يمارس بحق غزة وأهلها يجسد تجليات هذا الإنحياز، لا سيما وأنها كانت مهد الوطنية الفلسطينية.

وعلى ذلك فالملاحظة المقلقة الأولى التي عدت بها من غزة تدور حول الوطنية الفلسطينية التي شرحها خليل الوزير في وثيقته والتي كانت السبب الرئيس لخروجه ومن معه مثل (سليم الزعنون، رياض الزعنون، غالب الوزير، سعيد المزين، عبد الفتاح حمود، محمد يوسف النجار، كمال عدوان، عبد الله صيام، محمد الإفرنجي، فتحي البلعاوي، وآخرون من خارج الاخوان المسلمين مثل صلاح خلف) من تنظيم الإخوان المسلمين والبدء بتأسيس حركة فتح في نهاية خمسينات القرن الماضي، حيث يلاحظ كل ذي بصيرة يزور غزة هذه الأيام أن هناك مسافة شاسعة بين الوطنية الفلسطينية التي ألهمت المؤسسين الأوائل للحركة الوطنية الفلسطينية، والوطنية الفلسطينية الآن، إذ  قطعت هذه الوطنية والثقافة المحيطة بها شوطاً طويلاً في مسار التشظي، ويمكن الإستدلال علي ذلك من عمق الشكوى المتضمنة في حديث الغالبية العظمى من أهل القطاع، حيث تلمس في قولهم بوضوح أن من قدر لهم تحمل مسؤولية إعادة إنتاج هذه القيمة, أي الوطنية الفلسطينية, لم يعودوا نماذج جاذبة تقتدي بها الأجيال كما كان أمير الشهداء ورفاقه، الأمر الذي يتطلب تغيير عناوين الجدل والنقاش في نقد واقع الحال في أوساط الحلقات المهمومة التي تأمل بغد أفضل، لا سيما في أوساط مكونات التيار الوطني خاصة في أوساط حركة فتح، والبدء بتطوير إجابات حول سؤال أين نحن من الوطنية الفلسطينية؟ بدل الإكتفاء بإسقاط أزمات الواقع على الأفراد اي كان موقعهم في سلم المسؤولية، فالأفراد والأشخاص هم سبب كاشف للأزمة وليس منشئاً لها.

أما الملاحظة المقلقة الثانية فتكمن في غياب الحلول السياسية، ويمكن الإستدلال علي ذلك من خلال برامج الجهات الدولية الممولة لمنظمات المجتمع المدني في غزة، إذ تركز جل هذه البرامج على الإغاثة الإنسانية وتبتعد عن المشاريع التنموية مما يشير إلى إستمرار واقع الحال في أحسن الظروف، الأمر الذي يساهم في زيادة تشظي الوطنية الفلسطينية كقيمة، إذ ستعلو أولوية البحث عن الحاجات الأساسية للحياة على كل الأولويات، لا سيما وأن سكان القطاع قد زاد بحوالي 711,000 شخص خلال الأربعة عشر سنة الماضية، إذ تظهر وثائق دائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني أن عدد سكان قطاع غزة بلغ العام 2007 (1,395,000) نسمة، وبلغ حتى منتصف العام الجاري 2021(2,106,000) نسمة.

وتدور الملاحظة المقلقة الثالثة حول عدم صوابية المراهنة على إحتمالات إنقلاب أهل غزة على حركة حماس وحكمها في المدى المنظور، كما دعى لذلك وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد من خلال خطة الإقتصاد مقابل الأمن التي طرحها قبل عدة أشهر، وكما تجلى في إعلان بريطانيا مؤخراً حركة حماس كحركة إرهابية، إذ أظهرت الإحتفالات التي شهدتها محافظات القطاع بمناسبة إنطلاقة الحركة أن شعبية حماس تزداد ولا تنقص، لا سيما في أوساط صغار السن الذين ولدوا بعد العام 2007، وذلك على الرغم من إستمرار الحصار وتكرار الحروب والدمار وعدم تلبية حماس كسلطة أمر واقع إحتياجات الناس الأساسية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط