كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الملك الجديد وتصفية تركة سلفه

بدت لحظة رحيل الملك عبد الله كما لو أنها شرارة معركة من طرف واحد جرى التخطيط لها بعناية من قبل الجناح السديري الذي يقوده الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز. لم يشأ أنصار سياسة المواربة المعروفة عن السعودية المحافظة الالتزام بتقليد لم يعد ممكناً في ظل متغيرات سريعة، فقد اختار الملك الجديد خوض معركة السلطة على نحو عاجل وحاسم، لبدء عهده من دون تحديات من داخل البيت.
لم يُخفِ الملك الجديد ما كان يبيّته، فأوامر الإعفاء والتعيين بعد مرور ساعات من إعلان موت الملك عبد الله تنطوي على دلالات بالغة الأهمية، لا تقتصر على مجرد الكشف عن أزمة داخلية وصراع شرس بين الأجنحة في الأسرة المالكة، ولكن تمتدّ الى ما يمكن أن يصل اليه الصراع على السلطة بين الملك الجديد وبقية الأجنحة. صحيح أن معادلة السلطة تتركز الآن على ثلاثة أطراف كبرى ممثلة في بيوتات: عبد الله وسلمان ونايف، ولكن تزايد أعداد المهمّشين داخل الأسرة يبقي احتمالات توسّع رقعة الخلاف وتالياً الصراع مفتوحة على مديات أخطر وأبعد.
اختار الملك الجديد السير على خطى سلفه، بالآليات ذاتها التي عيّن وأعفى من خلالها منافسيه. عيّن سلمان نجله محمد وزيراً للدفاع، وإبن أخيه محمد بن نايف، في منصب ولي ولي العهد وبالشرط الالزامي نفسه الذي عيّن فيه الملك عبد الله أخاه غير الشقيق مقرن، ولي العهد الجديد. وعلى الطريقة نفسها أيضاً، تجاهل الملك الجديد «هيئة البيعة» المعنيّة باختيار ولي العهد بعد موت الملك السابق. نعم، قد يلجأ سلمان الى الهيئة لإبعاد مقرن، في عملية تصحيح مفتعلة لآليات انتقال السلطة.
في واقع الأمر، إن الملك الجديد يتسلّح بتجربة سلفه في اختراق المألوف في التعيين والإعفاء، وعليه من غير المستبعَد صدور أوامر أشد راديكالية من تلك التي كانت في عهد الملك عبد الله. مؤشر ذلك يظهر في القرارات المفاجئة والسريعة التي صدرت في الساعات الاولى من إعلان سلمان ملكاً على البلاد، ولمّا يوارى جثمان عبد الله في الثرى.
من وجهة نظر البعض، قد يبدو الملك سلمان مدفوعاً بروح انتقامية، وتكشف قراراته عن جانب خطير من الخلاف المستتر والطويل مع جناح سلفه كما تظهر ذلك التعيينات والإعفاءات.
وكما كان عبد الله اللاعب الوحيد في ميدان السلطة، فإن الملك سلمان يبدو هو الآخر كذلك، إذ يقود ويعفي ويعيّن، وليس هناك من قوة أخرى يمكن أن تمتنع عن التنفيذ أو تعترض وإن في الشكل.
لا ريب في أن الملك سلمان يعتمد سياسة تصفية حساب من جهة مع جناح الملك عبد الله، وفي الوقت نفسه يمهّد الطريق لوصول أبنائه الى السلطة، والذي بدأ بتعيين نجله محمد بن سلمان في منصب وزير دفاع، وهو من المناصب السيادية الموصلة الى العرش.
سوف ينشغل الملك الجديد ولفترة من الوقت بترتيب البيت الداخلي وبما يتناسب مع تعديل ميزان القوى لمصلحة الجناح السديري. ولكن تركة سلفه ثقيلة، وقد تؤول الى مواجهة، علماً أن العاهل الجديد يتطلع، بحسب وتيرة التغييرات السريعة التي استهلّ به عهده، إلى حسم سريع.
في الأدوار الخارجية، بدا أن السباق بين وزير الداخلية محمد بن نايف، ووزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله نحو واشنطن قد انتهى لمصلحة الأول. فالزيارات التي قام بها محمد بن نايف الى الولايات المتحدة خلال العام 2014 كانت أشبه بتقديم أوراق اعتماد، وقد نجح في تسويق نفسه بكونه المحارب الشرس لتنظيم «القاعدة» والإرهاب عموماً، وبأن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز دوره في الحرب على الإرهاب.
وجود أبناء الملك عبد الله في مواقع حسّاسة (الحرس الوطني، إمارة مكة، إمارة الرياض، وزارة الخارجية) قد يمنحهم بعض القوة فيما لو قرّر الملك الجديد الإبقاء عليها من دون تغيير، إلى جانب وجود الأمير مقرن في منصب ولي العهد، الذي بدوره سوف يلعب دوراً ضامناً لوصول الأمير متعب الى العرش، بعد إبن عمه محمد بن نايف.
مهما يكن، لا شيء في الأفق يجعل أحداً مطمئناً الى ما يمكن أن تسير عليه الأمور، فالمتغيرات السريعة في الداخل والإقليم تفتح الباب على مروحة واسعة من الاحتمالات والخيارات.
تزايد أعداد المهمّشين في العائلة المالكة يزيد من فرص النزاع الداخلي واتساعه، واضطراب الأوضاع الإقليمية يضع استقرار المملكة على المحك.
ثمة تحديّات جديدة تواجه الملك الجديد، تبدأ بصراع الأجنحة شبه المعلن وسوف تكون له انعكاساته المباشرة في العهد الجديد، وهناك التحدي الاقتصادي بعد الهبوط الحاد لأسعار النفط وتالياً تراجع دور الدولة الريعية وما ينطوي عليه من أخطار جديّة تتعلق بالاستقرار والأمن الداخلي. وهناك تحدي المشروعية، إذ من المؤكد أن مشروعية النظام اليوم ليست كما كانت عليه قبل عام، فهناك نقمة بأشكال متعددة على العائلة المالكة لأسباب كثيرة منها ما هو محلي (الفساد المالي والاداري، وقمع الناشطين والإصلاحيين)، ومنها ما هو خارجي (قيادة الثورة المضادة والتواطؤ مع الغرب والولايات المتحدة ضد الشعوب).
يبدأ الملك سلمان عهده في ظل ثورة اتصالية غير مسبوقة، وما لم يقل في بدايــة عــهد المــلك عبد الله سنة في آب 2005، يُقال اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي عن الملك الجديد، حيث يطلق ناشطون حملات تشكيك في آلية البيعة، فيما يطالب آخرون بملكية دستورية وأن الشعب هو مصدر السلطات.
لا بدّ من الإشارة الى أن السعودية بدأت منذ إعلان الملك عبد الله في 3 شباط 2014 عن تجريم المقاتلين السعوديين المدنيين والعسكريين في ملاحقة كل الناشطين بمن فيهم المدافعون عن حقوق الإنسان والإصلاحيون بذريعة الحرب على الإرهاب. ومنذاك، يخضع عشرات الناشطين لتدابير قمعية أثارت حفيظة منظمات حقوقية دولية مثل العفو الدولية و «هيومان رايتس ووتش» وأرغمت حكومات غربية على تبني موقف ناقد للانتهاكات المتصاعدة في المملكة السعودية. وفي الداخل، سوف تأكل تلك الانتهاكات من رصيد السلطة وتماسكها، خصوصاً في حال اندلاع أي أزمة داخلية أو إقليمية ذات انعكاسات محلية.
إعلان الملك الجديد عن السير على «خطى أسلافه» يحمل رسالة سلبية، لأن ما هو مطلوب هو كسر الخط السلفي في السياسة السعودية، والذي ينتمي الى عالم لم يعد قائماً، وأن المطلوب هو قرارات جوهرية في مجال الإصلاح السياسي والتي لا يبدو أن الملك الجديد على استعداد لاتخاذها، حتى الآن على الأٌقل.
في الإقليم متغيّرات كبرى ولها بالتأكيد تداعيات على الداخل السعودي، وأبرزها المتغير اليمني الدراماتيكي، خصوصاً بعد تقديم الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي استقالته بعد استقالة الحكومة، ما قد يفتح الباب على صراعات مسلّحة متمدّدة. الحرب على «داعش» هي الأخرى تفرض نفسها على الداخل السعودي في ظل مخاوف من استفاقة مفاجئة للخلايا النائمة، والتي قد تستغل الخلاف المتجدّد بين الأمراء من الأجنحة كافة.
ويبقى السؤال، هل ينجح الملك سلمان في احتواء خلافات الأسرة المالكة وفرض واقع جديد؟
بدا المراقبون للواقع السياسي السعودي هذه المرة متشائمين على غير العادة. وإن عبارة «الانتقال السلس للسلطة» اختفت من قراءات الصحافيين الأجانب، وحلّت مكانها عبارة أخرى، كانت صحيفة «واشنطن بوست» قد لفتت اليها بالأمس. ومفادها أن عملية انتقال السلطة باتت الأشد غموضاً في تاريخ السعودية. وهي بالفعل كذلك، فقد كسر الملك الجديد تقليداً سائداً بقرارات راديكالية، الأمر الذي قد يفجّر صراعاً دموياً على السلطة، ولعل الموقف الذي أعلن عنه الأمير طلال وتخوّفه من «انهيار النظام بسبب الخلافات» يعبّر عن قلق جدي وسط عدد كبير من أمراء آل سعود من أن يسير الملك الجديد على السياسة ذاتها التي انتهجها سلفه، فتصبح السلطة حكراً على بيت وليس أسرة.. ولكن في ظروف مختلفة، ووفق حسابات أيضاً مختلفة.

عن السفير

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط