كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

قصّة

الملك صاحب البئر

الملك صاحب البئر

تاريخ النشر: 2021-01-07 | 19:04

سعيد نفّاع
سعيد نفّاع

ظننت سوءًا بنفسي حين تخيّلتً إنّي سمعت صوتا هاتفا في السحَر ينادي، وإن لم أكن من الغُفاة سَحَراً الذين ناداهم عمرُ الخيّام، فقد وجدّتُني وقد ظلمتُ نفسي، أُصيخُ لهتاف الصوت سيّما وأن في الصوت كان سِحْرا يؤرّق غُفاةَ الأنام ويَقَظّتَهم حقيقة ومجازاً كما قصد الخيّام.

لم يكن من الصعب عليّ أن أقررَ وبعد أن نفضَتْ نفسي الظنّ عن نفسِها، أنّ صاحبَ الصوت لا يمكن أن يكون عمرُ الخيام فالصوت لم يكن صوتَ رجل، ولا أمَّ كلثومٍ فالصوت لم يكن لامرأة. كان صوتاً هكذا بين صوت الرجال وصوت النساء وأقربَ إلى صوت الفتيان وصوت العذارى، له وقعٌ تقشعرّ له الأبدان رهبةً من الشجو والبحّة التي فيه.

أخذ منّي جهداً كبيراً لأستوعبَ ما يقول، وإذ به يهتفُ ويكرّر: "يا غُفاةَ البشر، الملك صاحبُ البئر في جهنّم!". لم تسعفْني قدراتي السمعيّة أن أميّز إن كان في هتافه فرح أو ألم، ابتهاج أم احتجاج، وممّا صعّب عليّ التمييزَ هو ما لُبّيت به وعليه وتصعبُ مفارقتُه، عن صاحب الجنّة وجهنّم، الذي لا فرحَ ولا ألمَ على حكمة جائز ولا ابتهاجَ ولا احتجاجَ على إرادته جائز.

صحيح إنّي كنت ما زلت أتلذّذ بدفء فراشي الصباحيّ ولكن أبداً ما كنت غافياً، ولكن خوفا منّي على نفسي ومن نفسي، نفضت رأسي بشدّة مرّة ومرّتين وداعبتُ عينيّ وشددت أذنيّ مرّة ومرّتين، لا بل أكثرَ من ذلك رحت أتفقّد كلَّ أجزائي مرّة ومرّتين. ما كدت أطمئن وقد أضعت في حمأة الالتجاء إلى الاطمئنان الصوتَ، حتّى عاودني الهتافُ بنفسِ الكلمات ونفس الشجو ونفس البحّة: "ياغُفاةَ البشر، الملكُ صاحبُ البئر في جهنّم!"

هباءً ضاعت كلُّ محاولاتي إيجادَ صاحبَه أو حتّى إيجادَ الوُجْهَةَ الآتي منها. كان في كلّ الأنحاء، يأتيني من أمامي وخلفي، تحتي وفوقي، داخلي وخارجي. ووجدتُني أسأل وبصوت مسموع: "أيّ ملك هذا وأيّ بئر تلك؟!"

حينها، حين قبض الملك تلابيبَ عقلي، وقبضت البئر تلابيب روحي، وجهنّم تلابيب قلبي، بدأ الصوت، يبعدُ ويتراخى، يتلاشى صوتا وكلماتٍ إلى أن لم يبقَ منه إلا تردّداتٌ تعلو وتهبط تخالها من وقعها وكأنّها اعتلت أجنحة هبّات نسيمٍ في تهاديه الربيعيّ الباكر، وما فتأت أن تلاشت، وبدا لي وكأنّ الصوتَ بفعله هذا قد أتمّ المهمّة المناطةَ به، وقد وصلت فرحل!

تملّكتني رهبةٌ بمجرّد أن تساءلت: "ما لي وللملوك وللآبار وجهنّم؟". لم تعفُ الرهبةُ عنّي إلّا حين رحت إلى مكنوز رأسي عن سِيَر الملوك الكثيرة التي أعرف، جاهداً أن أسبرَ الغور العميق وراء هذا الهتاف. وجدت في مكنوز عقلي الكثير من الملوك ممّن لا شكّ جهّنمُ مأواهم؛ مُستعبدي بشر وناهبي شجر وهادمي حجر، سالبي حيوات وحارقي مكتبات. ووجدت الكثير من الملوك يمرحون وجواريَهم وكلابَ صيدهم ودنانَ خمرهم وقلوبَ ضحايا سهامهم على الآبار، وهؤلاء على غالبِ الظنّ جهنّمُ مأواهم أيضا. لكنّي عجزت أو كدّت أعجز عن إيجاد ملك وبئر وجهنّمَ، يستأهل إيقاظ البشر وبعد هذا الحين، إذ ما لملوك اليوم وصولاً إلى أجداد أجدادهم والآبارِ وهم الذين ينعمون بالماء المقطّر ومن صنابيرَ من الذهب؟!

حين نزل كلّ هؤلاء وأولئك من حساباتي أوغلتُ في غياهبِ خلايا دماغي العتيقة أعتصر كلّ خليّة، وإذ بي أمام حكاية ذلك الملكِ الذي أفاق يوماً، وعلى ذمّة الراوي، ليجد كلّ أهل مدينته وقد أصابهم مسٌّ غيّر سلوكَهم وصار فيه خطرٌ على مُلْكه أو هكذا اعتقد. أجهد نفسَه وبعد لأْيٍ عرف من رئيس حرّاسِ بئر المدينة إنّه رأى ساحرة حول البئر ما فتأت أن ولّت هاربةً حين رأتهم، وحماية لنفسه من عقاب على إهمال، حكى إنّ الساحرة رمتهم بمسحوق أفقدهم القدرةَ على الحركة، وحين أفاقوا كان أهل المدينة قد وردوا البئر كعادتهم في الأصباح.

الحكاية تقول إنّ هذا الملك كان عادلاً يحبّ رعيّته وهي تبادلُه الحبَّ حبّين. أوليس العدلُ من أسماء الله؟! والحبُّ هو مصدرُه؟! فهل هذا هو المَلِك موضوع الهتاف؟! وإن كان، فكيف صارت جهنّمُ مقرَّه؟! أويستحقّ مثله جهنّم مصيراً؟!

هذا السؤالُ ألحّ عليّ فشرّقت وغرّبت، شمّلت وقبّلت، صعدت ونزلت ولا فائدة. لكني لم أكعُ وتحدّيت نفسي أن أجد الإجابةَ ومهما كلّفني الأمر.

وعدتُ إلى الحكاية أفتّش في ثناياها لأتذكّر: إنّ هذا الملكَ لم يجد طريقا للخروج من مأزقه أسهل من أن يشارك أهل المملكة الشربَ من البئر جريا على المقولة: "إنْ جَنّ ربعك جِن"، وهكذا صار.

عند هذا الحدّ أدركت لما جهنّمُ كانت مصيرَ ملكنا، وأكثرَ أدركت لما جاء الهتاف للبشر بعد أوان وقبل أوان. كنت ما زلت أنعم بدفء فراشي فنفضته عنّي، وقمت جرياً نحو بئر بلدتنا فوجدتها تعجّ بملوك ينهلون ويعلّون، ورعايا تهلّل وتكبّر، فحشرت نفسي ناهلًا وعالًّا مهلّلاً ومكبّرا!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط