كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

المنحة القطرية لغزة بين القبول والرفض

المنحة القطرية لغزة بين القبول والرفض

تاريخ النشر: 2019-01-26 | 08:56

كَثُرَ في الأيام القليلة الماضية اللغط على المنحة القطرية لقطاع غزة، التي لم يتوقف الحديث عنها منذ أن أُقرت وبدأ العمل بها قبل قرابة ثلاثة أشهر، وأجازتها وقبلت بها حركة حماس والقوى الفلسطينية في قطاع غزة، وابتهج لها قطاعٌ من المواطنين الفلسطينيين ممن استفادوا منها، بينما غضب فريقٌ آخر وحزن ممن لم ينتفعوا بها ولم يتقاضوا شيئاً منها، إلا أن الطرفين يؤيدانها ويرحبان بها، وينتظران وصولها ويأملان خيراً من توزيعها، فهي كالغيث بالنسبة لهم، وكالبلسم لبعض جراحهم، فهي تغير السكون في أسواقهم، وتحرك سياراتهم، وتنير ظلام ليلهم، في وقتٍ شحت فيه أغلب المصادر، وضاقت بهم معظم السبل، وغدوا وحدهم في مواجهة الفقر والجوع والعوز والحاجة، اللهم إلا المساعدة الإيرانية التي لم تنقطع، في ظل حصارٍ على القطاع مطبقٍ، وتآمرٍ مقصودٍ وعدوٍ يتربص، وعقوباتٍ مؤلمةٍ وتقليصاتٍ موجعةٍ، وسياساتٍ رسميةٍ قاسيةٍ أضرت بالمواطنين جميعاً، وزادت في حجم الأذى ودرجة المعاناة التي يشكون منها ويتوجعون.
تناولت الألسن والأقلام العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً المنحة القطرية بالنقد والتجريح، والاستحسان والتقبيح، فوصفها البعض بالنخوة بينما نعتها آخرون بالابتزاز، ورأى فيها الأولون أنها تنمُ عن خلقٍ ودينٍ، وعن قوميةٍ وإخوةٍ، بينما رأى فيها الآخرون أنها خسة وتآمر، وأنها استغلالٌ وضغطٌ، وشكر قطر المحبون والمؤيدون، وأشادوا بموقفها ومدحوا خطوتها، ورحبوا بسفيرها واحتفوا بمقدمه وفرحوا بزيارته، بينما صب المعارضون جام غضبهم عليها، واتهموها بأنها غير بريئةٍ ولا نظيفة، وأن أهدافها محل شكٍ وريبةٍ، وأن العدو ما سمح لها إلا لحاجته لها واستفادته منها، وأساء بعضهم إلى سفيرها وتطاول عليه بالكلمة والوصف.
أما الفلسطينيون السياسيون والحزبيون فقد تمايزت مواقفهم بين مؤيدٍ لها ومعارضٍ، ومشككٍ فيها وغير واثقٍ من سلامة نواياها وصدق أهدافها، ودعا البعض للقبول بها والموافقة عليها، في حين رأى آخرون وجوب رفضها وعدم القبول بها، واصفين إياها بالشرك والخديعة، وأنها تتجاوز مضامينها الإنسانية إلى أهدافٍ سياسية غير مقبولة، ولم يبق من الفلسطينيين أحدٌ إلا وأدلى فيها دلوه، وأبدى رأيه، ولعله يحق للفلسطينيين جميعاً أن يكون لهم فيما يهم قضيتهم ويتعلق بمستقبلهم رأيٌ ووجهة نظر، ولا يحق لأحدٍ أن يمنعهم أو أن يحجر عليهم، أو أن يصادر رأيهم أو يستخف به، فنحن جميعاً شركاء في الأرض والوطن، وفي المستقبل والمصير، وشركاءٌ في الألم والأمل، وفي الضيق والفرج، وفي اليأس والرجاء.
لكن حتى نكون منصفين وعادلين، وموضوعيين وغير سطحيين، ينبغي أن نميز في قراءتنا لموضوع المنحة القطرية بين رأي سكان قطاع غزة، الذين يعيشون المحنة والمعاناة، ويقاسون الحصار والحرمان، ويشكون من الوجع والألم، وتتلوى بطونهم من الجوع والحاجة، وتتضاعف مشاكلهم بسبب الفقر والضائقة، وبين رأي الفلسطينيين عموماً في الداخل والخارج، الذي يتضامنون مع أهلهم، ويشعرون بمعاناتهم، ويتمنون لو أنهم يستطيعون مساعدتهم ورفع الظلم والحصار عنهم، لكن أحوالهم على بؤسها أحسن، وظروفهم رغم سوئها أفضل، وأفقهم رغم الحواجز والمعابر مفتوحٌ نسبياً، علماً أنني لا أقلل من معاناة الفلسطينيين جميعاً سواء على أرض الوطن، أو في مخيمات اللجوء والشتات، أو في المنافي وبلاد الغربة.
لا أفرق بين أبناء شعبنا الفلسطيني، ولا أفصل بين قضاياه المشتركة، ولا أساهم في التقسيمات الجغرافية والسياسية المعادية لوطننا فلسطين، الذي بات موزعاً ومقسماً بين ضفةٍ وغزة، وقدسٍ والأرض المحتلة عام 48، وشتاتٍ بعيدٍ ولجوءٍ قريبٍ، فأرضنا واحدة وقضيتنا موحدة، وشعبنا كلهُ أبناء قضيةٍ واحدةٍ، نواجه عدواً مشتركاً، ونتحدى واقعاً دولياً وعربياً صعباً.
ولا أقول أنها قضية غزة وسكانها فقط، وأنه لا يحق لغيرهم أن يتدخلوا فيها أو يبدوا رأيهم حولها، ولكنني أطالب كل من يرغب في أن يساهم بفكره في هذه المسألة أن يُحَكِّمَ عقله وضميره، وألا يحمل قطاع غزة وسكانه أكثر مما يتحملون، وألا يشارك في تضييق الخناق عليهم، وتشديد الحصار والعقوبات ضدهم، فأهلنا في غزة في حاجةٍ ماسةٍ إلى كل يدٍ خيرةٍ، وإلى كل قلبٍ رحيمٍ، ويتطلعون بشغفٍ إلى كل من يهب لمساعدتهم وينبري للوقوف معهم.
وهنا يجب علينا أن نشكر قطر على ما قدمت وتقدم، كما نشكر غيرها على ما تساهم وتساعد، فلا نكون بموقف البعض الناقد والمتهم والمسيء في ألفاظه شركاء في الحصار، ولا ندفع بمواقفنا وتصريحاتنا، وأفعالنا وسلوكنا من بقي معنا، لينأوا بأنفسهم بعيداً عنا، ويبتعدوا عن قضيتنا، وينفضوا أيديهم منا، إذ ما الذي يجبر الدول القليلة التي بقيت تقدم لنا العون والمساعدة على موقفها الداعم، وسياستها المناصرة، علماً أنها تتعرض للنقد والحصار وللحرب والعقوبات بسبب وقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية، ومساعدتها للشعب الفلسطيني ودعمها لمقاومته ومساندتها لصموده.
لا أشكك في صدق ونوايا المعارضين والناقدين، فهم يغارون على القضية الفلسطينية ويخافون عليها، ويريدون تطهيرها من كل ما هو مشبوه وفاسدٍ، ويخشون عليها من تشويه صورتها أو حرف مسارها، أو توريط قيادتها أو التفريط بإنجازات شعبها، لكن عليهم أن يصغوا إلى أهل غزة قيادةً وشعباً، وفصائل مواطنين، وأن يثقوا فيهم ويطمئنوا إليهم، فهذا الشعب الأبي الذي خاض ملحمة مسيرات العودة الوطنية الكبرى، وقدم المئات من زهرة أبنائه شهداء، وعشرات آلاف الجرحى والمصابين، أبداً لن يفرط في كل هذه التضحيات، ولن يقايض حقوقه بسولارٍ ودولار، ولن يقبل بأن تتحول قضيته السياسية إلى مسألة إنسانية، ورفض القوى الوطنية الفلسطينية ومعها حركة حماس للدفعة الثالثة من المنحة إنما هو رفضٌ للإملاءات الصهيونية، ورفضٌ للضغوط والمساومات وعمليات الابتزاز التي يحاول فرضها، واستعلاءٌ على الشروط الإسرائيلية، ورفضٌ مطلق لأن تكون المعاناة الفلسطينية جزءٌ من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية.
أيها الغيارى على فلسطين وأهلها، أيها المحبون للفلسطينيين وقضيتهم، يا شعبنا في الوطن والشتات، يا شركاء النضال ورفاق الدرب، أيها الأحرار المخلصون، ثقوا ببعضكم، واستعينوا بأنفسكم على عدوكم، وكونوا مع أهلكم في غزة، انتصروا لهم، قفوا معهم، تفهموا ظروفهم، ساندوهم في محنتهم، اقبلوا ما يقبلون به، وارفضوا ما يرفضونه، وكونوا على ثقةٍ كبيرة أن أهلكم في غزة أعزةٌ كرامٌ، رؤوسهم عالية، وهاماتهم مرفوعة، وقاماتهم منتصبة، أهل نخوةٍ وشهامةٍ وأصحاب نبلٍ وشجاعةٍ، لا يقبلون بالذل، ولايسكتون على الضيم، ولا يقيمون على الخسف، ولا يخلطون طعامهم بنجس، ولا تنمو جسومهم على حرامٍ، ولا يقايضون حقوقهم بثمن، ولا يستبدلون ثوابتهم بمنافع، ولا يفرطون بقيمهم لمكاسب، ولا يبيعون شرفهم بدراهم، فقد اعتادوا العيش بعزةٍ والحياة بكرامة، وكسب الرزق بشرفٍ، وإرغام العدو عنوةً، وانتزاع النصر منه بقوةٍ.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط